تونس تٌذكر: التمثيل السياسي حق بعد دفع الضرائب

| |
غسان نصيف 2017-02-18 01:51:19




صوت البرلمان التونسي في 31 يناير الماضي ، بعد موافقة 139 نائبا ورفض 22 آخرين على تعديل على قانون الانتخابات أعطى بموجه قوات الجيش والأمن التي لم يسبق لها الاقتراع منذ الاستقلال، حق التصويت في الانتخابات البلدية والجهوية (المناطقية) دون سواهما. السماح للعسكريين ورجال الأمن بالمشاركة في الانتخابات التونسية كان موضوعا أحدث انقساما حادّا بين الكتل البرلمانية صلب مجلس نواب الشعب الجديد، حيث تأرجحت المواقف بين مؤيد لهذا المقترح وبين رافض له حفاظا على حياد المؤسستين الأمنية والعسكرية.

 

كان الجدال على هذا الموضوع كبيراً، اختلطت فيه أوراق الكتل والاحزاب التي بعضها يشكل ائتلافا حاكما وقلة قررت بأن تكون معارضة لهذا الائتلاف، فالأحزاب والشخصيات المحسوبة (غير رسميا) على النظام القديم (الدكتاتوري) أصبحت بين ليلة وضحاها تعزف على نغم الديمقراطية، وتدفع بأن مشاركة العسكر هي زيادة في المشاركة السياسية واثراء للعملية الانتخابية. أما اليسار (المعارضة) فذهب إلى أن من حق الجميع التصويت في الانتخابات، حتى للأشخاص الذين في أغلب أوقات حياتهم العملية كانوا ممن يقمعون التحركات الشعبية وخصوصا اليسارية منها.

 

حركة النهضة والتي تشارك في الائتلاف الحاكم، هي كانت الكتلة الوحيدة في البرلمان التي منها معارضون للتعديل الذي تم اقراره أعلاه، كان تبرير هؤلاء لمعارضة القانون هو الخوف من أن مشاركة العسكريين هي مسألة لن تقود سوى إلى حشر العسكريين والأمنيين في صراعات سياسية وهو ما من شأنه أن يهدد كيان الدولة المدنية والتجربة الديمقراطية الناشئة، خصوصا مع وجود نماذج سيئة في البلدان العربية وخصوصاً القريبة جغرافيا وحراكيا من تونس.

 

للوهلة الأولى يبدو تنظير كل جانب من النقاش صحيحاً، فالجميع لديه مخاوفه أو دوافعه التي يناقشها وكلها تصب في اتجاه حماية وزيادة ديمقراطية وحرية التجربة الناشئة لتونس والتي بطبيعة الحال تعتبر الوحيدة التي تمكنت من تجاوز عقبات الربيع العربي ووصلت لمستوى أن تناقش فيه هكذا أفكار بشكل شفاف أمام عدسات المتابعين والإعلاميين في برلمان لا يغلق ابوابه لأي مواطن يريد حضور جلساته. ولكن عندما ينظر لهذا الموضوع ومواقف الكتل المختلفة تاريخياً وأيدولوجياً بطريقة أكثر عمقاً، يفهم بأن قرار مساندة التعديل أو معارضته لم يبنى في الأغلب على مبادئ كل تكتل أو أيدولوجية، ولكن كان الخيار عند أكثر الكتل السياسية مبنياً على جهة ميلان الأصوات العسكرية، فحزب "نداء تونس" صوت من أجل اقرار التعديل لأنه يتوقع بأن تكون أصوات العسكريين البالغ عددهم 75 ألف صوت مع عوائلهم ستعطى لممثليهم، في نفس الوقت أتجه الكثيرين من ممثلي "حركة النهضة" لرفض التعديل لأهداف معاكسة لحزب نداء تونس، أي خوفاً من أن تكون أصوات الناخبين العسكريين ستتجه في مجملها لحزب نداء تونس.

 

اليوم وبعد انتهاء الجدل والنقاش، وبعد اقرار التعديل الذي يسمح بمشاركة العسكريين بالتصويت، أصبح الجميع يقول بأن التعديل يصب في إعطاء العسكريين حقهم كمواطنين بالمشاركة السياسية حالهم حال كل المواطنين من دافعي الضرائب. هي صورة جديدة لتطبيق مبدأ أن (لا ضرائب دون تمثيل سياسي) وإن كانت بصورة مقلوبة بحسب التجربة التونسية (التمثيل السياسي حق بعد دفع الضرائب).

 

في دول الخليج العربي، ومع الأنباء التي نقرأها بشكل دوري عن ضرائب جديدة تضاف بشكل دوري وممنهج (وان كانت تعطى اسماء مختلفة)، ومع اقرار ضريبة القيمة المضافة الموحدة رسمياً مع بداية العام القادم، هل سنسمع ونقرأ عن أنباء تفيد بأن هناك خطة دورية وممنهجة من أجل إعطاء الناس حقهم في التمثيل السياسي توازياً مع دفعهم للضرائب؟ أم أن دول الخليج تعتقد بأنها يمكنها أن تزدهر دون الحاجة للمبدأ الذي توصل له العالم (لا ضرائب دون تمثيل سياسي).

 
 
 
 
 
 

" الآراء المنشورة ليست بالضرورة تعبر عن موقف الجمعية "


نسخة سطح المكتب


جميع الحقوق محفوظه ©2017
لجمعية العمل الوطني الديمقراطي (وعد)