نهار آخر | لم فعلتي هذا بنا يا دونلي؟

| |
رضي الموسوي 2017-02-01 12:11:59




(1)

سامحينا ايتها القاضية الرائعة آن دونلي، فلسنا بمستوى من يدافع عن ضحاياه. لسنا ممن يصحو ضميره المهني والإنساني لكي يقول كلمة الحق ولو كان على قطع رقبته. انت فعلتيها واوقعتينا في فضيحة لم تكن في وارد حسابات حقلك لأن حسابات بيدرنا تختلف. ألطمينا أنىشئت فنحن من يرسل الضحايا للبحار يلتهمها قرشا جائعا، كما يفعل القرش البشر، أو ليصدر الشعوبيون بحقهم القرارات التي تمنعهم من فرصة الحياة. أنت تعرفين هؤلاء الضحايا اللاجئين أكثر منا. فنحن لا نكترث بالموت الذي تفوح روائحه في غرف نومنا..ساديتنا تمنعنا من ممارسة ابسط فعل يمنع القتل، بل نمارسه بمتعة النشوة. نحن من يجب أن تعلق المشانق لهم وليس شعوبيو العصر. نحن من وقف يتفرج على الغاضبين غير المسلمين وهم يدافعون عن المسلمين الذين جاءهم قرار المنع وكأنه ضربة في الرأس. رفضتيها أنت وأخرى كانت جالسة على كرسي الوزارة، تعرف انها ستطير منه فقررت ألاتنجرف ثم غادرت وهي تبتسم. هللويا..دم اللاجئ السوري حرام عندهم، حلال عندنا. يا بؤسنا..نسائهم العاريات يدافعن عن نسائنا المقنعات في حقهن في الحياة... ياويلنا. 

(2)

كأنما السماء أطبقت والعالم يراقب تبعات قرار القاضية الفيدرالية آن دونلي الذي أوقفت بموجبه، مؤقتا، قرار الرئيس الجديد دونالد ترامب القاضي بمنع دخول مواطني ست دول عربية وإيران. في الداخل الامريكي، لم يهدأ الناس هناك. اعتبروه تعد صارخ على القيم الامريكية وعلى الدستور وعلى القانون، فبدأوا رحلتهم الطويلة لتقليم اظافر الرئيس المتوثب لتنفيذ وعوده الشعبوية عندما كان مرشحا للرئاسة، وبدهاء إعلامي وحملة كبرى للعلاقات العامة طفحت فيها الغرائز، تمكن من ازاحة هيلاري كلينتون بعد أن قام بتخدير جمهورها وإيهامهم بأن الفوز لن يغادر الديمقراطيين.

تبلغ القاضية الفيدرالية آن دونلي 57 عاما، وأمضت خمسة وعشرين سنة تعمل في مكتب النائب العام لمنهاتن، وأصبحت قاضية اتحادية عام 2015. يصفها السيناتور الأمريكي بأنها "تمتلك سمعة أسطورية"، بينما يقول زملائها أنها لا تتنازل عن قيم الدستور والقانون مهما كلفها الأمر، وقد فعلتها وقررت ايقاف قرار الرئيس. في سجل آن دونلي واحدة من ابرز القضايا هي قضية الرئيس التنفيذي لشركة تايكو دينيس كوزلوفسكي الذي أدين بنهب 100 مليون دولار من الشركة وكان معروفا بتبذيره ومصروفاته الفلكية. تقول إحدى زميلاتها واسمها فايرستين: "عملت مع الكثير من المحامين في الخدمة العامة، إلا أن دونلي كانت شخص استثنائي، يحرص على تطبيق العدالة بكل ما أوتي من قوة". هذا الشخص الاستثنائي تمكن من ايقاف قرار ترحيل العالقين في المطارات الأمريكية لأنه كما تقول دونلي نفسها "يحدث ضررا على اللاجئين لايمكن إصلاحه".

ولأن تداعيات قرار ترامب لم تتوقف عند الأمر القضائي لدونلي، فقد أصدرت القائمة بأعمال وزير العدل سالي بيتس تعميما تطلب فيه من المدعين العامين عدم تطبيق قرار الرئيس ترامب، ما قاد البيت الأبيض إلى اعفائها من منصبها واتهمها "بخيانة وزارة العدل"، بينما اعتبرالنواب الديمقراطيون اعفائها بأنه "مذبحة". بيتس قالت انها "غير مقتنعة بأن الأمر التنفيذي الذي اصدره ترامب بخصوص الهجرة قانوني". كان ظل القاضية دونلي يرفرف على تعميم المرأة القوية الأخرى سالي بيتس، وظلهما يرفرف على المحتجين في انحاء امريكا التي تتهيأ الجمعة المقبلة لمظاهرات في مختلف المدن الأمريكية، بينما شهدت بريطانيا  احتجاجات على منع دخول مسلمي الدول السبع الاراضي الأمريكية، وذهب البريطانيون أبعد من ذلك فوقعوا مليون توقيعا لممارسة الضغط على الحكومة البريطانية لإلغاء زيارة ترامب، لكن الاخيرة لم تنصت لتلك الدعوات. ويبدو أن زيارة الرئيس الامريكي قائمة وفق ما هو مقرر.

دبلوماسيون امريكيون انظموا لحملة مواجهة قرار ترامب،ما وزاد الوضع تدحرجا في وجه الرئيس الذي لم يمضي عليه سوى ايام في البيت الأبيض. لن يقتصر الأمر على ما هو ظاهر الآن، فالحزب الديمقراطي الجريح من نتائج الانتخابات الرئاسية يتهيأ هو الآخر لاستثمار الثغرات والهفوات التي يقع فيها ترامب. وقد جاءته فرصة ذهبية وسط هذا الرفض المتصاعد للقرار الشعبوي.

(3)

القاضية آن دونلي ليست مسلمة، وقد لا تعرف أحدا من اللاجئين أو انها لم تلتق بمواطني تلك الدول السبع، لكنها ارتقت بضميرها المهني لتفرض معطيات جديدة، لحقت بها من هي في مقام الوزير. امرأتان ليستا من معشر المسلمين، لكنهما وقفتا الموقف الذي يحبه الله وكل رسلهوأنبياءه، بينما نتناحر في بلاد العرب ونقتل من لم يستطع الهروب من جحيم القتل اليومي ونلحقه برقص على اشلاء الجثث المتناثرة وتلك التي تحت الانقاض. لا نترك طفلا،ايتها القاضية الرائعة، إلا ونحرناه من الوريد الى الوريد. وإذا سقط شاب برصاصة او بقذيفة أو بقصف طائرة ننصب خيم الاحتفال بموته ونرقص على أشلاءه.

كم نحن ساديون يا سيدتي القاضية دونلي، فلم فعلتي هذا بنا؟

تبا لنا من أمة تهرول بسرعة نحو حتفها. تبا لمن كان السبب.

 
 
 
 
 
 

" الآراء المنشورة ليست بالضرورة تعبر عن موقف الجمعية "


نسخة سطح المكتب


جميع الحقوق محفوظه ©2017
لجمعية العمل الوطني الديمقراطي (وعد)