نهار آخر | ضرائب الدولة الريعية في مجلس التعاون الخليجي!!

| |
رضي الموسوي 2017-01-28 09:34:36




توقعت مؤسسة "آرنست اند يونغ" ان ضريبة القيمة المضافة التي ستطبق في دول مجلس التعاون الخليجي مطلع العام المقبل 2018 سوف تدر 25 مليار دولار امريكي على دول المجلس. ولفت رئيس خدمات تنفيذ الضريبة على القيمة المضافة في المؤسسة ديفيد ستيفنز، في تصريح له نشر يوم الجمعة (27 يناير2017) في الصحافة، إلى ان "فرض الضريبة ربما يكون متعبا للمستهلكين، لكنه اقل من نسبة التضخم السنوي المعتاد". ورغم ان ضريبة القيمة المضافة تعتبر منطلقا لفرض المزيد من الضرائب، إلا ان ضرائب أخرى ورسوما اضافية قد فرضتها دول المجلس كل على حده. 

وفي الوقت الراهن، تتسابق دول مجلس التعاون الخليجي على إعادة هيكلة اقتصادياتها عبر البحث عن مصادر تمويل للموازنات العامة غير عوائد النفط التي تهاوت منذ منتصف العام 2014 الى قرابة ثلث اسعارها مقارنة بالعام 2013 وما قبلها. مصدر التمويل البديل والسريع هو في رفع الدعم عن المواد الأساسية وزيادة الرسوم وفرض رسوما وضرائب جديدة على المواطنين الذين تعودوا على دولة الرعاية منذ الطفرة النفطية الأولى التي قفزت بالعائدات النفطية حتى اصبحت دول المجلس من اغنى دول العالم الثالث وتحولت الى دول جاذبة للعمالة الوافدة فتضاعف عدد سكانها وتحولت الاغلبية المواطنة في أربع دول منه الى أقلية، بينما أخذت الاغلبية،القادمة من جنوب شرق آسيا، في تأسيس مجتمعات الجاليات التي جلبت سلوكيات لا علاقة بها بعادات أبناء دول المجلس، لتبدأ حالة التجاذب والمنافسة في فرض معادلات السلوك الجديدة. كان ذلك نتاج ريع النفط الذي فاض كثيرا وكان سببا في تحديث البنى التحتية، فدخلت العمالة الوافدة من هذا الباب الواسع واستوطنت المنطقة.

يعرف الاقتصاد الريعي بأنه "اعتماد بعض الدول على مصدر واحد للدخل"، وأن اغلب هذا الدخل لا يأتي من مجهود عضلي أو ذهني، كما هو الحال مع الثروات الطبيعية كالنفط والغاز وحتى المواد الزراعية الخام مثل القطن الذي يصدر أغلبه دون ان يخضع لصناعات تحويلية. وفي كل الأحوال فإن مصادر الاقتصاد الريعي "تعتمد على الفارق الكبير بين سعري التكلفة والبيع دون مجهود". ولا شك أن استمرار الاعتماد على الاقتصاد الريعي كمحرك للاقتصاد والمجتمع يشجع على تنامي ظاهرة الفساد وتقبله في الحياة العامة والخاصة، حسب ما يوضح الدكتور جورج قرم.

وفق هذه المعطيات، وباعتبار دول مجلس التعاون الخليجي دولا ريعية تعتمد في مداخيل موازناتها العامة على النفط والغاز، وحيث ان اسعار النفط دون مستوى نقطة التعادل في هذه الموازنات، فقد تشكلت عجوزات كبرى، وبدأت حكوماتالمجلس في البحث عن مصادر دخل أخرى لتعزيز إيرادات الخزينة، وكانت البداية برفع الدعم عن المواد الأساسية كالمحروقات والكهرباء واللحوم الحمراء والبيضاء، والشروع في فرض رسوم جديدة ومضاعفة الرسوم الحالية وتعبيد الطريق نحو فرض نظام ضرائبي سوف يبدأ مع ضريبة القيمة المضافة.

تنطلق حكومات دول التعاون في تسبيب فرض المزيد من الرسوم والضرائب من أن عائدات النفط لم تعد تكفي لتغطية بنود الميزانية العامة، وتواجه بعض هذه الدولمشكلة أن عائدات النفط لا تغطي حتى بند الأجور والرواتب. وعليه أقدمت دول المجلس على جراحات موجعة تنهي حقب تاريخية من الدولة الريعية التي تحول معها المواطن الى مستهلك من الدرجة الأولى، يعتمد على الدولة في كل شيء والدولة تعتمد في كل شيء على ريع النفط والغاز، إذ تعتمد بعض دول المجلس على النفط في موازناتها بنسبة تزيد على 90 بالمئة، الأمر الذي تم حشر الموازنات في زوايا ضيقة غير قادرة على الإفلات من معالجتها إلا عبر الرسوم ورفع الدعم والضرائب بعد عقود من عدم الالتفات الى التنمية الحقيقية وعدم تنويع مصادر الدخل ودون استثمار الفوائض الاسطورية التي تمتعت بها الدول النفطية طوال العقود السابقة، حتى فوجئت بانهيار اسعار النفط التي استمرت دون نصفها حتى الوقت الراهن، وتحوم هذه الايام حول 55 دولار للبرميل، وهو سعر أقل من متوسط سعر العام 2013 الذي بلغ 112 دولار للبرميل، ما قاد إلى عجز في الموازنات يقدر بنحو 150 مليار دولار في العام الماضي 2016، ومرشح ان يستمر في السنوات القلية المقبلة.

رفع الدعم عن المحروقات والكهرباء سوف يضيف فاتورة على قطاعات الاقتصاد الصناعية والتجارية والزراعية والخدمية، وسوف يسهم في زيادة الاسعار بشكل عام، بينما بدأت حكومات المجلس في وضع عيونها على الرواتب والأجور، بتجميدها او تخفيضها وإلغاء او تخفيض العلاوات والزيادات السنوية، وهو الامر الذي يعني تراجع الدخل الفردي وتضرر الفئات محدودة الدخل، إن لم يوضع لها برنامج دعم خاص.

هذا الواقع أسس الى أفول الدولة الريعية في مجلس التعاون الخليجي والدول النفطية العربية الأخرى كالجزائر والعراق، وتلك التي تعتمد جزئيا على النفط، وبالتالي دخلت المنطقة حقبة جديدة مختلفة تماما عن الحقب الماضية التي كانت عائدات النفط تشكل فيها المحرك الرئيسي والأكبر للاقتصاديات الوطنية. وهذا يعني ضرورة مراجعة السياسات الاقتصادية والاجتماعية التي تسير عليها هذه الدول من خلال البحث عن مخارج جذرية للأزمة التي تعاني منها، بحيث لا يدفع المواطن وحده تبعات انهيار اسعار النفط بمزيد من فرض الرسوم والضرائب عليه، بينما الفساد يزداد بعلاقة عكسية مع تراجع اسعار النفط، وهذا ما كشفه تقرير مدركات الفساد الذي صدر قبل ايام عن منظمة الشفافية الدولية. ولهذا التقرير وقفة أخرى.

 

 

 
 
 
 
 
 

" الآراء المنشورة ليست بالضرورة تعبر عن موقف الجمعية "


نسخة سطح المكتب


جميع الحقوق محفوظه ©2017
لجمعية العمل الوطني الديمقراطي (وعد)