نهار آخر | مسكون بالدم المتدفق يروي سيرته

| |
رضي الموسوي 2017-01-17 22:51:24




 

 

"كثير بكاؤك يا بلاد

كثير بكاؤك حد الرثاء على البكاء"

الشاعر التونسي الراحل عبدالحفيظ المختومي

(1)

تلك الليلة لم أنم. أحدق في سماء مرصعة بنجوم تتلألأ، تبحث عن قادمين جدد يتموضعون في القلب ويدعون دماءهم الدافئة المتلهفة لأرض عطشى. فزعت فجرا على صوت بلغ صداه النافذة التي أطل منها على زاوية بحر تلاطم أمواجه تلك القوارب المترنحة. 

صوت غراب ينعق، وخيل تدوس أضلع صبية كانوا يلعبون في الساحة، غير آبهين بتحذيرات جند اغتسلوا بماء جدول لم يجر منذ وطأت حوافر خيولهم ذلك المكان. كالصبية لم تكترث الحمامة. جاءتها سهام الصيد وأسقطتها بنزيف أقترب قليلا من جسدي.

(2)

مسكون بالدم يا سادتي الشهداء. ألملم أشلائي سريعا وأرحل إليكم. أحط ورفيقي أرضا تموج بحزن منذ الصباح. دعاء يعانق السماء بأصوات ملائكية. رجال تملّكهم الغضب يصرخون في وجه كل هاتف. بعد قليل ستعانقون أحبّتكم وهم في نوم سرمدي، وأنين آلامهم مطبوع على أجسادهم النازفة، وستزفونهم إلى سماء الله الواسعة نجوما تضيء هذا الليل الدامس. 

هناك، أيها السادة، نجوم غادرت تنتظركم. ستكونون في حدقات عيونهم محاطين بالعاشقين الذين سبقوكم.

 

(3)

دموع تنهمر.. نهر يتشكل ويفيض.. ينهال التراب بصمت.. حدث مرة واحدة حين ارتقى محمد وخبئ في الأرض ليلا وأخفي جسده عن أحبته. 

صبرا جميلا أيتها الأمهات اللاتي لم ترون إلا جميلا. هاهو وجع الحزن يتدفق من بين أضلعكن، ينطلق في الأصداء محملا بآهات الفقد ودموع الفراق. صرخات استقرت في وجدان الجمع الذي يترقب بلهفة العاشق. اصرخي يا أجمل الأمهات ولا تدعي الدم المسفوك ينال منك..أنت اليوم أقوى وأعظم.

 

(4)

ها قد اكتمل العقد وتزاحم الجمع صوب كلام الله يدلهم على المكان. يسيرون صفوفا بصمت محكم. جمع يشكل طوفان نهر يجري نحو الأهل. آباء يقفون كالطود يتقبلون العناق والقبلات على الجباه الطاهرة التي لم تنحنِ.

خيم الليل. التقى طوفان الجمع ثانية مستمعا لتلك الأبيات المتوهجة حزنا كربلائيا يفطر القلوب..يرتفع صوت شجيّ اعتلى المنبر وهو يكفكف دموعه ويترك دموع الجمع تنهمر تفرغ شحنات الغضب: 

"تلك الوجوه المشرقات كأنها الأقمار

تسبح في غدير دماء

متوسدين على الصعيد صخوره

متمهدين خشونة الحصباء

رقدوا وما مرت بهم سنة الكرى

وغفت عيونهم بلا إغفاء

خضبوا وما شابوا وكان خضابهم

بدم من الأوداج لا الحناء".

 

(5)

حافلات تنقل باكيات تتدفق من كل مكان إلى الجانب الاخر من القلب. موقع شهد في يوم خمسيني نهضة وطن، حين أريد لناسه ان يقتتلوا. وقفوا جميعهم وشكلوا هيأتهم وأعلنوا أنهم روحين في جسد. في نفس المكان يلتقي الحزن بالأمل. تأتي جموع أخرى لأمهات الراحلين يتبادلون دمعات الفقد الذي كثر والغياب الذي تناسل. لكن الأمهات بقين واقفات بشموخ وعزة.

 

1

 

 
 
 
 
 
 

" الآراء المنشورة ليست بالضرورة تعبر عن موقف الجمعية "


نسخة سطح المكتب


جميع الحقوق محفوظه ©2017
لجمعية العمل الوطني الديمقراطي (وعد)