نهار آخر | الموجوعون بدم الفقراء وبالفساد القاتل

| |
رضي الموسوي 2017-01-03 01:35:13


 

 

يوم دام شهدته بغداد وسامراء والنجف، وخصوصا مدينة الصدر، التي نالتها اغلب السيارات المفخخة والأحزمة الناسفة التي اعدها تنظيم داعش أودت بحياة عشرات الابرياء. داعش، وحيث خلاياه النائمة قد استيقظت بعد الضربات الموجعة له في الموصل، فبدأ يصرخ دما بحجم الالم الذي اصابه في ساحات القتال. انتهى زمن السبي وبيع النساء العراقيات العفيفات في اسواق الرقيق التي اعادها داعش الى الواجهة بعد 1400 سنة من انقراضها. داعش الذي ضرب ليلة رأس السنة الميلادية في عمق تركيا وعاصمتها أنقره، اعلن التحدي والمواجهة السافرة ضد من حاربوه في الموصل والرمادي والفلوجة، وضد من غضوا الطرف عنه لاحتلال الرقة وتأسيس عاصمة الامارة الاسلامية في الرقة السورية على مرأى ومسمع من قوات التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة الامريكية، التي قصفت "بالخطأ" مواقع الجيش السوري ليستولي بعدها داعش على مواقع استراتيجية تسيطر على المطار هناك.

 

يفتح داعش جبهات مشاغلة بعد إثر الضغط الذي يتعرض له في الموصل من حيث تقلص المساحات التي يسيطر عليها في المدينة وتسليم النخبة السياسية الحاكمة بأن عملية حسم معركة الموصل ليست سوى وقت وأن الحديث ينبغي ان توجه بوصلته لما بعد داعش في الموصل والجيوب العراقية. لكن هذه النخبة تناست أن حواضن اجتماعية كبرى في تلك المناطق وغيرها تحتضن الخلايا النائمة، يدعمها تخبط قل نظيره في بلدان سيطرت عليها قوى سياسية أو ايدلوجية بعد ثورة أو انقلاب أو احتلال أجنبي كما هو الحال مع العراق في 2003.

 

يخطأ من يعتقد أن النصر على داعش ينتهي بتحرير الموصل من قبضة هذا التنظيم الظلامي الإرهابي، وذلك لسبب بسيط هو ان النخبة السياسية الحاكمة غير متوافقة على الموضوع الرئيس المتمثل في القضاء على داعش وإنهاءه من العراق، ليس برغبة من هذه القوى فحسب، انما بسبب فساد النخب السياسية الحاكمة من مختلف الاطياف السياسية التي ترى في استمرار الازمة فرصة لمزيد من الاثراء والاستيلاء على ثروات العراق، حيث يعبر العراق الاكثر فسادا في العالم وفق تقديرات منظمة الشفافية العالمية. فالدولة النفطية (4 مليون برميل يوميا على الاقل) والتي تتمتع بثروات مائية يحسدها دول الجوار عليها، فضلا عن الاراضي الخصبة، هي نفسها الدولة التي تعاني من انقطاع التيار الكهربائي أغلب ساعات اليوم، وهي نفسها التي يعشعش فيها الفقر والبطالة والمرض، وهي نفسها أيضا التي تعاني من جودة المحروقات المنتجة من مصافيها للدرجة التي يتسبب هذا المنتج في اشاعة وتوسيع دائرة المصابين بالسرطان في المناطق التي تتمركز فيها مصافي النفط!

من تلقى الضربات ورفع الجثامين نحو مثواهم الاخير هم الفقراء والمساكين في مدينة الصدر (الثورة سابقا) وهم المعدمين في ذلك البلد الغني بكل شيء: الثروة الطبيعية كالنفط والمياه والأراضي الخصبة، وبالعقول المبدعة والخبراء الذين لو تم استثمارهم في فرص التنمية المستدامة لما عاش شعب هذا البلد العظيم في دائرة الفقر والفاقة والمرض. هؤلاء الفقراء كانوا في سوق مدينة الصدر وكانوا يحرسون مدينة النجف على حدودها الادارية كما هم في سامراء كجنود وأناس اصبحوا يطلبون الرزق من الله فتحولوا الى جثث متفحمة بسبب التفجيرات المتهم فيها ليس داعش وحده باعتباره من اعلن مسئوليته عن هذه الجرائم فقط، بل أيضا استشراء الفساد المالي والإداري في كل مفاصل الدولة العراقية بما فيها الجيش الذي سلم الموصل لداعش على طبق من ذهب.

 

قد يتم القضاء على تنظيم داعش في الموصل وفق الخطة المعدلة التي مددت فترة انهاء وجود التنظيم الارهابي في الموصل، إلا ان تقويض تواجده في مختلف المدن العراقية مرهونا بمدى قدرة النخبة السياسية الحاكمة التي تتقاسم وزر الفساد والترهل في الجهاز الاداري للدولة.

 

العراق اليوم بحاجة ماسة للخروج من حمام الدم، ويتم ذلك بالقضاء على داعش وهزيمته في الموصل، وكذلك بوقف الفساد الاداري والمالي الذي تعاني منه اغلب مؤسسات الدولة، بما فيها حكومة اقليم كردستان المعنية بالحفاظ على المكتسبات التي انتزعها الاقليم عنوة ورغما  عن الحكومة المركزية في بغداد. والمواطن العراقي يحتاج لأن يرتاح من حمام الدم المتدفق ظلما منذ اكثر من عقد من الزمن. فقد يهزم داعش في الموصل، إلا ان تحصين الجبهة الداخلية بحاجة لانفتاح النخبة الحاكمة على كل مكونات الشعب العراقي والشروع في تأسيس الدولة المدنية الديمقراطية التي هي الضمانة الحقيقية للسلم الاهلي والاستقرار الاجتماعي.

 

ثمة فساد مدمر في العراق ينبغي اشعال الحرب ضده والقضاء عليه. ففقراء العراق وشعبه العظيم بحاجة لحياة حرة كريمة ولعدالة اجتماعية وديمقراطية تؤسس للتداول السلمي للسلطة..وهذا هو التحدي الحقيقي. ولايمكن تحقيق ذلك في ظل استمرار الفساد المالي والإداري، وتبوء العراق مراتب متأخرة في سلم مدركات الفساد على مستوى العالم، حيث تشير منظمة الشفافية الدولية الى ان العراق يأتي في ذيل قائمة دول العالم، وأن حجم الاموال التي يتم الاستيلاء عليها يصل الى 2 تريليون دولار، وفق مساعد الامين العام السابق لجامعة الدول العربية صلاح المختار، فيما يؤكد رئيس ادارة مكافحة الفساد في البرلمان العراقي مشعان الجبوري بان الجميع فاسدون، من قمة الهرم إلى أسفله، بما فيهم هو. إن هذا وضع لايمكن له مواجهة تنظيم داعش وخلاياه النائمة.

 
 
 
 
 
 

" الآراء المنشورة ليست بالضرورة تعبر عن موقف الجمعية "


نسخة سطح المكتب


جميع الحقوق محفوظه ©2017
لجمعية العمل الوطني الديمقراطي (وعد)