نبذة عن مراحل التأسيس لمفهوم الدولة المدنية الديمقراطية الحديثة

| |
فريدة إسماعيل 2016-10-16 23:57:58




 

 

تزايد ظهور مصطلح "الدولة المدنية" بقوة وبوتيرة أكبر منذ بداية الاحتجاجات الشعبية في عدد من أقطار الوطن العربي في العام 2011م ، التي بدأت شرارتها في تونس، واتجهت فيما بعد نحو مصر، وليبيا، ثم اليمن، وسوريا وعكست نفسها في الحراك الجماهيري في فبراير 2011م في البحرين ، وأضحى  التساؤل عن مدى تطبيق الدولة المدنية كما طالبت بها الجماهير المحتجة على أنظمتها في 2011م متزايدا ، فهل يمكن رؤية تطبيقات ملموسة  لدولة تحمي  سائر أعضاء المجتمع ، بغض النظر عن انتماءاتهم القومية أو الدينية أو الفكرية ، وتحمي حقوقهم وممتلكاتهم جميعا وبشكل متساو بصرف النظر عن مكانتهم وانتماءاتهم ومهنهم أو سلطتهم أو أموالهم ،  وتسعى لتحقيق المطالب الديمقراطية من خلال تأسيس أجهزة سياسية وقانونية خارجة عن تأثير القوى والنزعات الفردية و المذهبية ، وتعامل كل فرد على أساس انه مواطن متساو مع الآخر، وفق التعريف القانوني الاجتماعي بأنه مواطن، أي أنه عضو في المجتمع له حقوق وعليه واجبات وهو يتساوى فيها مع جميع المواطنين.

 

 

هذه المقالة تعرض نبذة مختصرة عن مراحل تطور هذا المفهوم ، عبراستعراض نتائج عدد من المراجع أهمها دراسة للمركز العربي للأبحاث والدراسات السياسية بعنوان " مفهوم الدولة المدنية في الفكر الغربي والإسلامي : دراسة مقارنة لبعض النصوص التأسيسية "  2014م ، وموسوعة ويكيبيديا العالمية ، ويقتصر المقال على تطور المفهوم على الفكر الغربي حيث أن  تطور فكرة الدولة المدنية من منظور إسلامي متسع جدا يمكن تناوله في موضع آخر .

 

 

لقد مرت فكرة الدولة المدنية الديمقراطية بمخاض طويل لتطوير مفهوم "التمدين" وعبرت مراحل عدة في الفكر الغربي السياسي كحركة ثقافية استمرت تقريبا من القرن الرابع عشر الميلادي إلى القرن السابع عشر، حتى استقرت على معالمها الكبرى في الوقت الراهن. فمن مرحلة التأسيس لفكرة الدولة ذات السلطة المطلقة المستمدة من الدين، الى مرحلة الدولة ذات السلطة المطلقة المستمدة من العقد الاجتماعي، الى مرحلة الدولة ذات السلطة المقيدة وفصل السلطات، ورافق ذلك ظهور نظريات بارزة اعتبرت نصوصا تأسيسية لتأطير فكرة الدولة المدنية كما هي في الوقت الحاضر.

 

 

(1)   ففي عصور سيطرة الكنيسة بين القرنين السادس عشر والثامن عشر(1530-1704)، برر مفكرون مثل جان بودان وجاك بوسويه التسلط  المطلق الذي مارسته الكنيسة باسم الدين عبر كتاباتهم الفكرية ، ودافعوا عن الحق الإلهي المطلق للملوك والأمراء السياديين، وعن سلطتهم الإلهية المطلقة، وانه لا أحد يمكن محاسبة الملوك الا الله لأنهم ظل الله في الأرض.

 

 

(2)   ثم ظهر توماس هوبز (1588-1679) الذي نظر وبرر لفكرة أن تكون السلطة مستمدة من الشعب وفق عقد اجتماعي بين أفراد المجتمع يفترض فيه أن ينقل الأفراد من حالة الفوضى الى التمدن . فوفق العقد يتنازل كل فرد اختياريا عن حريته ليمنحها لفرد قوي أو مجموعة من الأفراد يشكلون الحاكم الذي ستكون له أحكامه وارادته التي ستنطبق على الجميع بغرض حمايتهم وصد المعتدين . وتصبح سلطة هذا  الحاكم مطلقة وتعبر عن وحدة الجميع ويخضع المتعاقدون لحكمه ولارادته المطلقة.

 

 

(3)   وفي نفس الاتجاه اتجه باروخ سبينوزا (1632- 1677) و هو فيلسوف هولندي من أهم فلاسفة القرن السابع عشرحيث نظﳲر لضرورة وجود سلطة مجتمع تنظم الحياة العامة للأفراد، على أساس عقد اجتماعي بينهم سماه الديمقراطية وصفها بانها اتحاد الناس في جماعة واحدة لها حق مطلق على كل ما في قدرتها، ووضع نظريته في الحقوق الطبيعية والمدنية موضحا أفضلية النظام الديمقراطي والجمهوري، متناولا أنواع الحكومات المختلفة من أرستقراطية وملكية وديمقراطية، مع أفضلية النظام الديمقراطي على غيره.

 

 

(4)   ثم جاء جون لوك (1632-1704) الذي ساهم في "الثورة المجيدة بانجلترا" عام 1688 التي أطاحت بملك مستبد ووضعت ملكا جديدا قيد البرلمان بعض سلطاته،  حيث  نظر لمفهوم الدولة القائمة على العقد الاجتماعي وانتقل من الاطلاقية لهوبز وسبينوزا للحاكم، الى التقييد بغرض تأمين حياة الناس وحماية حرياتهم وممتلكاتهم، عبر تضييق مساحة التسلط  المطلق للافراد، وزيادة مجال الحرية وسلطة المجتمع التشريعية والرقابية، وتولدت فكرة انفصالهما عن بعضهما وأن تسمو سلطة الشعب على كل السلطات، فالشعب هو من يستطيع خلع أي من السلطتين التشريعية أو التنفيذية من أجل الصالح العام .

 

 

(5)   وبعد جون لوك جاء شارل لوي مونتسكيو الذي طور فكرة فصل السلطات حيث حدد ثلاثة أنواع من السلطات في كل دولة، تشريعية وتنفيذية وقضائية وهي سلطات منفصلة لايجوز الجمع بينها مخافة تضييع واختلاط الأمور .

 

 

(6)   واتخذت فكرة العقد الاجتماعي منحا جديدا من حيث التطور مع جان جاك روسو (1712-1787) فالشعب حسب عقد روسو حاكم ومحكوم ، حاكم بمقتضى سيادته ومحكوم بمقتضى القوانين التي تمليها سيادته. والسيد في عقد روسو هي الإرادة العامة التي تختار الحكومة التي تنفذ الأوامر والاختيارات .

 

مما سبق يتبين كيف تطور الفكر السياسي الغربي من فكرة السلطة المطلقة باسم الدين الكنسي الى فكر ينتقل تدريجيا الى فكرة الدولة بسلطة مطلقة للحاكم حسب العقد الاجتماعي  لهوبز الى فكرة الدولة بسلطات تشريعية وتنفيذية مقيدة بعقد اجتماعي وفق جون لوك الى فكرة سمو الإرادة العامة وفق روسو.

 

يبقى البحث في مفهوم ومقومات الدولة المدنية الديمقراطية أمرا هاما حرصا على إيجاد اطار مشترك للتعايش وسط المشاريع المتعددة التي تمثلها تيارات فكرية واجتماعية موجودة فكرا وممارسة، وكذلك لمواجهة الأسئلة المرتبطة بالتوظيفات المستبدة  لفهم معين للدين على العملية السياسية  وصولا لنموذج ديمقراطي بهيئات سياسية واقتصادية واجتماعية و انتخابية مقبولة  تتمثل عبرها الإرادة الشعبية العامة . 

 
 
 
 
 
 

" الآراء المنشورة ليست بالضرورة تعبر عن موقف الجمعية "


نسخة سطح المكتب


جميع الحقوق محفوظه ©2017
لجمعية العمل الوطني الديمقراطي (وعد)