نهار اخر| الدروب المزحومة بخطى إطلاق العمل السياسي العلني في البحرين

| |
رضي الموسوي 2016-09-11 01:08:20




 

نهار اخر| الدروب المزحومة بخطى إطلاق العمل السياسي العلني في البحرين

النعيمي المبدع في تدوير الزوايا.. المبادر لتأسيس "وعد" (2-2)

 

 

لايمكن الحديث عن مرحلة تأسيس جمعية العمل الوطني الديمقراطي "وعد"، دون ذكر مقدماتها وإرهاصاتها في الخارج منتصف تسعينات القرن الماضي، وبعد عودة المناضل الراحل عبدالرحمن النعيمي إلى أرض الوطن يوم 28 فبراير 2001، بعيد التصويت على ميثاق العمل الوطني بأسبوعين. كانت عملية التأسيس تسير في ظل أجواء الانفراج الأمني والسياسي التي شملت كل المناطق، وامتدت إلى عواصم المنفى التي كان البحرينيون يتواجدون فيها، حيث كان الجميع يشد أمتعته إيذانا بإنهاء رحلة الغربة التي استمرت طويلا وحان الوقت لتضميد جراحات وعذابات الناس في المنافي. حدث ذلك بعد قرار العفو العام الشامل الذي أصدره جلالة الملك مطلع العام 2001.

 

في موازاة ذلك، وقبله، كان العمل متواصلا بين الداخل والخارج على تأسيس كيان تحت مسمى "التجمع الوطني الديمقراطي"، وهو عنوان لمشروع كان النعيمي يحلم به. يحلم ورفاقه بتجميع كل الوطنيين الديمقراطيين وقواهم الفاعلة: الجبهة الشعبية، جبهة التحرير، حزب البعث، فضلا عن الشخصيات الوطنية الديمقراطية التي كانت تعيش نفس الهاجس وتفكر في ضرورة إطلاق مشروع كهذا، وهي في نفس الصفحة التي يقرأها مطلقو تلك المبادرة. لكن لهذا المشروع جذور برزت مع اعتقال المناضل عبدالرحمن النعيمي من قبل النظام السوري مطلع تسعينات القرن الماضي، على خلفية الموقف من حرب قوات التحالف على العراق في عام 1991. فقد قدم النعيمي ورقة عمل هي من الأهمية والخطورة، عن تعويم الايدولوجيا في تنظيم الجبهة الشعبية في البحرين. تحدثت الورقة/الرؤية عن ما بعد انهيار الاتحاد السوفيتي وتشظيه إلى جمهوريات مبعثرة، وسقوط التجربة العملية لدكتاتورية البروليتاريا اللينينية، وتهاوي المنظومة الاشتراكية واحدة تلو الأخرى قبيل انهيار الحزب "القائد" في موسكو وبعد صعود يلتسن على دبابة الانقلابيين أمام دوما الدولة معلنا فشل الانقلاب على غورباتشييف، وبدء صعود اليمين إلى هرم السلطة ومن ثم حدوث الانهيار الكبير، وانتهاء مرحلة "البيروسترويكا" و"الغلاسنوست" التي كان غروباتشيف يبشر بهما. كما تحدث فيها عن ضرورة ترتيب الاوضاع في الداخل البحريني، بما يتماشى مع متطلبات المرحلة، ومنها تعزيز العمل الجماهيري من خلال عمل سياسي علني قادر على طرح الرؤية السياسية بموضوعية ووضوح.

 

فكرة تعويم الآيدولوجيا، التي سنفرد لها مقالاً مفصلاً، جاءت بمبادرة من عبدالرحمن النعيمي، وقد درس ورفاقه طبيعة المرحلة والأوضاع التي تعيشها بلادنا البحرين والمنطقة، فأفرزت مسودة مشروع التجمع الوطني الديمقراطي، الذي تزامن مع رفع كادر الداخل شعار "حرق السفن" وبدء مرحلة جديدة من العمل السياسي في صورته العلنية والجبهوية، وذلك أثناء أحداث التسعينات وحراكها الشعبي وتوقيع أكثر من 25 ألف مواطن على عريضة تطالب بإعادة العمل بالدستور المعطل. وقد كان للتيار الديمقراطي دورا مهما في تشكيل لجنة العريضة الشعبية وتنظيم نشاطها، حيث ضمت اللجنة في عضويتها شخصيات مؤثرة في هذا التيار ومنهم المحامي أحمد الشملان، والدكتورة منيرة فخرو، والأستاذ علي ربيعة وإبراهيم كمال الدين وسعيد العسبول وعبدالله هاشم. وكان النصف الثاني من التسعينات فترة خصبة كثفت فيها اللقاءات بين كوادر الشعبية والتحرير والشخصيات الوطنية. وقد تطلب ذلك السفر إلى دمشق وبيروت والإمارات لمناقشة مسودة المشروع، وكنتُ من ضمن من قام بهذه المهمة، التي وجدنا خلالها تفهما وتجاوبا لكنه لم يرتق إلى المستوى المطلوب بتطبيق شعار "حرق السفن". وبرز ذلك جليًّا في المؤتمر التأسيسي لجمعية العمل الوطني الديمقراطي عندما اتضحت الاصطفافات الحزبية القديمة، وبقيت عناصر الجبهة الشعبية والشخصيات الوطنية في الإطار التنظيمي. من ذلك المؤتمر انتخبت قيادة ضمّت عبدالرحمن النعيمي وعبدالله مطيويع وإبراهيم كمال الدين وعبدالله جناحي وهم جميعا محسوبون على الشعبية. لكن القيادة ضمت أيضا الدكتورة منيرة فخرو والأستاذ علي ربيعة والأستاذ علي صالح والأستاذ حمد أبل كشخصيات وطنية لها باعٌ طويل في العمل السياسي.

 

خفَت صوت المطالبة بتيار وطني ديمقراطي بعد المؤتمر التأسيسي العام الذي عقدته وعد في الأول من أكتوبر 2001، بسبب المعطيات الحاكمة ومنها تأسيس كل من جمعية المنبر التقدمي وجمعية التجمع القومي، كامتدادات لجبهة التحرير وحزب البعث، وبقيت وعد على تشكيلتها الجامعة لكوادر الجبهة الشعبية ومعهم الشخصيات الوطنية الديمقراطية والقومية والليبرالية التي انضوت في الجمعية منذ التأسيس. وقد ترأس الراحل عبدالرحمن النعيمي أول قيادة للتنظيم بإجماع مجلس الإدارة. وباشرت القيادة إلى وضع مسودة البرنامج العام للتنظيم الذي ناقشته القيادة والكادر والقواعد وشكلت له لجاناً متخصصة، وتمت مناقشته في المؤتمر الأول وصدر في مايو 2003.

 

كان هاجس أعضاء وعد وأصدقائها يتمحور حول الكيفية التي سيقدم هذا التنظيم الجديد نفسه أمام الرأي العام المحلي والخليجي والعربي والدولي، وخصوصا في مسألة الهوية، التي أخذت وقتا طويلا في الحوارات والمناقشات وخلصت إلى بنود رئيسة جاءت في البرنامج العام، الذي نص في البند الأول من باب الهوية على أن " التحولات والتطورات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والسياسية وغيرها التي رافقت أوضاعنا المحلية وشهدها العالم، تركت نتائجها المؤثرة على مرجعيات الفكر والاقتصاد والسياسة وعمّقت من مفاهيم الديمقراطية وحقوق الإنسان وخلقت تفكيرا جديدا في صفوف التيار الاجتماعي الديمقراطي من ذوي الأصول القومية واليسارية والليبرالية من المدافعين عن الحق والعدالة والمساواة والحرية والمؤمنين باعتماد الديمقراطية نظاما للحكم وأسلوبا للحياة". وذهب البند الثاني من نفس الباب إلى تحديد هوية جمعية العمل الوطني الديمقراطي بأنها "منظمة سياسية وطنية ديمقراطية تؤمن بأن البحرين جزءٌ من الوطن العربي والعالم الإسلامي، وأبناؤها نتاج الحضارة العربية الإسلامية في هويتهم الوطنية، وكيانهم الثقافي واللغوي". كما أكدت البنود التالية في الهوية على ما تستند عليه "وعد" في "رصد ودراسة وتحليل الواقع بكل تحولاته ومعطياته ونتائجه، على الأساليب والطرق العلمية والمنهجية المعتمدة على العلوم بمختلف فروعها، وما تنتهي إليه من اكتشافات ونتائج مثمرة تسهم في مزيد من الفهم والمعرفة بقضايا وظواهر ومشكلات الحياة الإنسانية، بالإضافة إلى ذلك أكدت البنود على تمسّك "وعد" بالأفكار والقيم والمبادئ الإنسانية المتمثلة في احترام حقوق الإنسان وبالمجتمع المدني ومؤسساته المستقلة وبحرية العقيدة وممارسة الشعائر الدينية، انطلاقا من مبدأ "الدين لله والوطن للجميع"، وحرية الرأي والتعبير والتعددية الفكرية والسياسية وتنمية قيم التسامح الاجتماعية والدينية وإشاعة العدل والمساواة بين أبناء المجتمع ونبذ التمييز بكافة أشكاله، وبأهمية وجود المعارضة كحق ديمقراطي ومصدر قوة للدولة والمجتمع وضمان الاستقرار وتجسيد مبدأ المواطنة المتساوية.

 

شكّل صدور دستور 2002 مفصلا في تاريخ العمل السياسي، وكانت ردة الفعل الأولى بياناً وقعته الجمعيات السياسية بمختلف تلاوينها، وتنظيم ندوة جماهيرية حاشدة في النادي الأهلي وبدء تشكل التحالف الرباعي المكون من جمعية العمل الوطني الديمقراطي وجمعية الوفاق الوطني الإسلامية وجمعية التجمع القومي الديمقراطي وجمعية العمل الإسلامي. قرر هذا التشكيل وبعد عودة كل تنظيم إلى قواعده، مقاطعة أول انتخابات نيابية والتي انتظمت في أكتوبر 2002، لتتأسس أزمة سياسية جديدة في البلاد، تراكمت حتى بلغت أوجّها في فبراير 2011، تزامنا مع رياح الربيع العربي التي عصفت بالعديد من الدول وغيّرت زعماء تونس ومصر واليمن وليبيا وأدخلت سوريا في أتون الاحتراب الداخلي والتدخل الأجنبي.

 

عندما قررت جمعية وعد المشاركة في الانتخابات النيابية عام 2006، ترشح النعيمي وسامي سيادي في دائرتين من دوائر المحرق، بينما ترشح ابراهيم شريف وإبراهيم كمال الدين في دائرتين أخرتين في العاصمة المنامة، وترشحت د.منيرة فخرو وعلي صالح في المحافظة الوسطى وتحديدا في مدينة عيسى. في تلك الانتخابات، تمكن مترشحو وعد وفي مقدمتهم النعيمي من اشعال المنافسة الانتخابية في جزيرة المحرق والعاصمة والوسطى. ولأول مرة، منذ عدة عقود، تصدح في المحرق خطابات سياسية اشعلت الساحة المحلية وجذبت لها الجمهور، وذكرت بأيام هيئة الاتحاد الوطني 54-1965 وانتفاضة مارس 1965، وقد صدر اغلب هذه الخطابات الجماهيرية من رجل امضى اكثر من ثلاثة عقود في المنفى ليفاجئ الجميع انه يعرف الكثير من التفاصيل التي مرت عليها الجزيرة الصغيرة والأرخبيل الكبير. المفارقة ان النعيمي كان فائزا في مركز الدائرة لكنه خسر عندما جاءت نتائج المراكز العامة لتقلب المعادلة!! لقد كانت المراكز الانتخابية لمترشحي وعد لافتة من حيث الحضور الجماهيري والبرنامج المتماسك الذي اعده متخصصون في مختلف القضايا التي تناولها التنظيم في الحملة الانتخابية تلك.

 

بعد خمسة عشر عاما على تأسيس أول تنظيم سياسي علني مصرح به، لا يزال الحلم يراود القوى الفاعلة في الساحة المحلية بعودة الوهج إلى أيامه الأولى عندما رفع النعيمي على الأكفّ وعاد المنفيون إلى بلادهم وبيّضت السجون من ساكنيها. ولا يزال الحلم قائما بالدولة المدنية الديمقراطية الحديثة التي ترتكز على المواطنة المتساوية وتحترم حقوق الإنسان وتطلق الحريات العامة وتجسّد الديمقراطية الحقيقية، كما بشر بذلك ميثاق العمل الوطني. فما مرت به بلادنا منذ خمس سنوات ونيف بحاجة إلى وقفة جادة من شأنها إعادة تدوير الزوايا وإنتاج حل سياسي جامع يؤسس لمرحلة جديدة قوامها الحرية والديمقراطية والعدالة الاجتماعية. ولعل المؤتمر العام الثامن الذي تتهيأ "وعد" إلى عقده مطلع شهر نوفمبر المقبل يكون إحدى العلامات التي تؤسس إلى حالة جديدة من المصالحة الوطنية والتفرّغ للتنمية المستدامة التي تنظر إلى الإنسان بصفته وسيلةً وهدفاً في آن واحد.   

 
 
 
 
 
 

" الآراء المنشورة ليست بالضرورة تعبر عن موقف الجمعية "


نسخة سطح المكتب


جميع الحقوق محفوظه ©2017
لجمعية العمل الوطني الديمقراطي (وعد)