نهار اخر | التضليل الإعلامي وخطورته في بث الكراهية والتحريض على الآخر

| |
رضي الموسوي 2016-07-02 19:42:06




 

"ببساطة ووضوح، أحبك إلى حد أنني سوف أرسل روحك قريبا إلى السماء...بأكاذيب مدعمة بحجج قوية"

(شكسبير..في "ريتشارد الثالث")

 

يدرك مشعلو الفتن ومديروها أن النار تندلع من أصغر الشرر، وأنه "في البدء كانت الكلمة" التي يمكن أن تبني بلدانا أو تدمرها. لكنهم أرادوا النفخ في أصغر الشرر الذي يتحول إلى نار تأكل الأخضر واليابس. هذا الوصف يحاكي ما يجري في المنطقة. فلم يشهد العالم العربي تصاعد خطاب بث الكراهية والتحريض على الآخر مثلما يحصل في الوقت الراهن، حيث تمارس مئات الوسائل الممولة أغلبها من خارج الإطار التقليدي للتمويل، مثل الإعلانات أو التزام المساهمين بعملية التمويل انطلاقا من مبدأ نشر المعرفة والوصول إلى الحقيقة، أو الإعلام الحزبي الذي يموله الحزب صاحب الوسيلة الإعلامية. بلغ التحريض وبث الكراهية في وسائل الإعلام مستويات خطيرة حفرت في دواخل المجتمعات العربية وفتتها على أسس قبلية وطائفية ومذهبية وإثنية وعرقية لدرجة أن أي عملية اصلاح لهذا الوضع تحتاج إلى سنوات طويلة لترقيع ما وصلت إليه هذه المجتمعات من رفض للآخر وازدراءه، وفي بعض الأحيان التحريض على اقتلاعه، إما قتلاً على الطريقة الداعشية والجماعات المسلحة الأخرى، أو حبسه أو إجباره وإلزامه بمغادرة البلاد التي ولد هو وأجداده فيها، ليعيش لاجئا بلا هوية في إحدى البلدان التي تتكرم بقبوله.

 

يحدث هذا اليوم في الكثير من البلدان العربية المصابة بحمّى التعصب لدرجة انزلاق المجتمع نحو الاحتراب وتجاوزه كل الخطوط الحمر المفترضة، كما هو الحال في سوريا والعراق واليمن وليبيا، حيث القتل العبثي المدمر وسفك الدماء المستمر الذي ينذر بجولات جديدة لا تتوقف. الممولون على أهبة الاستعداد لتمرير المال والسلاح وتهريبه ما دامت الأعصاب مشدودة والأصبع على الزناد استعدادا للقتل، ومادامت وسائل الإعلام تغذي الكراهية وتحرض على الاجتثاث، في محاولة منها تشكيل رأي عام يؤيد هذا الطرف أو ذاك، أو حتى التفاهم على تكتيك المواجهة الإعلامية ( شكلاّ) لزيادة حدّة الصراع بين الضحايا، فيما يواصل الجلاد فرجته وتمويله لأغراض في نفسه. إن تشكيل اتجاهات الرأي العام تعتبر من أخطر المجالات التي تمارسها اليوم وسائل الإعلام المنفلتة وغير المسئولة والتي لا تسأل عن البشر والحجر بقدر ما تبحث عن المزيد من المتابعين من العامة الذين قد يجدون ضالتهم الفئوية في أحد "الدعاة" فيتبعوه، بسبب الانحدار "الجمعي" في تراجع الوعي وسقوطه نحو الهويات الفرعية التي توهم بملاذات آمنة بعد أن تخلى القائمون على الهوية الكبرى الجامعة عن القيام بمهامهم التنموية ووظائفهم المطلوبة، بما فيها التعليم والتطبيب والعمل ومكافحة الفقر والأمية.

 

تكمن خطورة وسائل الإعلام أكثر عندما تمعن في سياسة ذر الرماد في العيون، لتقدم برامجها المدروسة نفسيا واجتماعيا ومعرفيا للمتلقي المتعطش لقشة المعلومة التي تخلّصه من واقعه المزري. إلا أن تلك الوسائل ليس من مهمتها تقديم حتى القشة، إنما تسعير الحالة إلى مستويات غير مسبوقة بعد أن أصبحت أسيرة لتلك الدعايات (الغوبلزية) المستحكمة في معرفتها ووعيها. يروي الأمين العام الأسبق للحزب الشيوعي اللبناني جورج حاوي في مذكراته التي نشرتها قبل سنوات مجلة الوسط الأسبوعية التي كانت تصدر عن دار الحياة اللندنية، أن قوات الاحتلال الصهيوني وقواربها البحرية كانت تغض الطرف عن تهريب السلاح للمتقاتلين في بيروت إبان الحرب الأهلية اللبنانية (1975-1990) بغض النظر عن إيدلوجياتهم ومواقفهم السياسية حتى من الكيان نفسه، وكانت القوى المتصارعة تعتقد أنها تمارس ذكاءً على البحرية الإسرائيلية التي ترى المشهد من زاوية "فخار يكسر بعضه". وهو ما يحدث في العديد من الحالات في الساحات الساخنة، إلا من ينقلب على الممول والراعي، فيكون عقابه قطع شريان الحرب ومنع الأسلحة والمال عنه وعن المسلحين الذين يتبعونه.

 

لا تتوقف وسائل الإعلام المنغمسة في التحريض، عن بث الكراهية للوصول إلى غاياتها، حتى وإن تطلب الأمر الكذب وفبركة القصص والحكايا والبطولات الوهمية. فذلك جزء من السيطرة على سيكولوجية الجمهور المتلقي الذي ينتظر خبرا، وإن كان مفبركا، ليروجه أمام الجمهور المقابل، الذي كان يفترض أن يكون جزءاً من نسيجه المجتمعي، لكن القوى السائدة فرزته إلى فسطاطين وأكثر. هنا تسارع الماكينة المحركة للوسيلة الإعلامية فتبتدع خطابا أو بيانا أو قصة تعرف أن جمهورها سيصدقها بعد أن أعماه الرماد، لتعيد إنتاجها الوسائل الإعلامية الحليفة متماشية مع الأصل في الترويج لقصة أصلها كذبٌ وفرعها تلوكه الألسن على أنه حقيقة، رغم ما يحمل من شحنات كبرى من بث الكراهية والتحريض على الآخر. ألم تقرر وسيلة إعلامية مرموقة من طراز (السي.إن.إن) سقوط نظام صدام حسين في بغداد عام 2003 قبل أن يسقط، لتتلقفه وسائل الإعلام الأخرى على أنه حقيقة مطلقة لا يأتيها الباطل من جنباتها ولا من خلفها؟!

 

نعرف أن المنطقة العربية تمزقها صراعات تدخل فيها قوى إقليمية ودولية تبحث عن موطئ قدم فيها خدمة لمصالحها، وهذه القوى لا تعنيها المجتمعات التي تقع الصراعات في بلدانها، وإذا تطلب الأمر زيادة جرعة الفرقة عبر إطلاق موجات التحريض وبث الكراهية فإن هذه الوسائل على أهبة الاستعداد للقيام بالدور المطلوب على أكمل وجه. ويبقى السؤال: ألم يتّعظ جمهور هذه الأمة بعد وهي تجد جسدها يتمزق أشلاءً والدماء تسفك أنهارا دون أن يرفّ جفن لمن ولَّد كل هذه الصراعات والأحقاد؟!

 
 
 
 
 
 

" الآراء المنشورة ليست بالضرورة تعبر عن موقف الجمعية "


نسخة سطح المكتب


جميع الحقوق محفوظه ©2017
لجمعية العمل الوطني الديمقراطي (وعد)