نهار آخر | هرولة التطبيع بين تركيا والكيان الصهيوني

| |
رضي الموسوي 2016-07-01 18:25:21




 

يبدو أن تركيا بدأت تشعر بضغوط حلمها "العثماني"، وما رافقها من معطيات قادتها الى التورط وتوتر علاقاتها مع دول المنطقة كما هو الحال في سوريا والعراق ومصر. التململ التركي حدا بأنقرة الى سرعة اعادة المياه الى مجاريها مع كل من تل ابيب وموسكو، وان كان على حساب بعض حلفاءه في المنطقة، فاستدعى رئيس المكتب السياسي لحركة حماس خالد مشعل ليحذره من "عمل طائش" ضد الكيان بعد ان تم توقيع الاتفاق التركي الاسرائيلي في 26 يونيو 2016. تشعر تركيا ان امنها الداخلي بدأ يتخلخل، وان الحرب مع الاكراد وذراعه الضاربة حزب العمال الكردستاني قد أخذت ابعادا اكبر مما كان متوقع، وقد يصل مستويات خارج السيطرة مع استمرار الحدود ملتهبة في ظل تدفق المقاتلين على الحدود للمرور الى سوريا. ان الخلايا التي فككتها السلطات اللبنانية بعيد تفجيرات بلدة القاع، قد تكون مثلها موجودة في المدن التركية تنتظر الاوامر من الخليفة.

 

جريمة داعش في مطار اسطنبول أثرت سلبا الاستقرار الداخلي وعلى برامج الترويج السياحي التي تقوم بها وزارة الثقافة والسياحة التركية والتي تستهدف بلوغ 50 مليون سائح بحلول 2023م يفترض ان يصرفوا نحو 50 مليار دولار أمريكي مقابل 39.4 مليون مسافر وعائدات بلغت 31.4 مليار دولار في العام الماضي. وبطبيعة الحال فإن رفع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين الحظر عن سفر مواطنيه لتركيا قد يجد الصدى المطلوب الذي تبتغيه انقره والهادف الى زيادة مساهمة قطاع السياحة في الناتج المحلي الإجمالي، الذي شكل 4.37 بالمئة في العام 2015م. ووفق هذا الطموح زادت عدد المنشئات السياحية لتصل نهاية العام 2015 الى 13615 منشأة مسجلة للإقامة، تتجاوز قدرتها الاستيعابية 1,250,000، وفق معلومات وزارة الثقافة والسياحة التركية، التي اوضحت ان تركيا تتمتع بمساحة 7200 كم من الشريط الساحلي وتحتل المرتبة الثانية من بين 38 دولة في هذه الجزئية السياحية المهمة، وأن 436 من شواطئها حائزة على شهادة العلم الأزرق، ولا يوجد سوى أسبانيا تتمتع بعدد أكبر من الشواطئ الحائزة على شهادة العلم الأزرق أكثر من تركيا وتصل الى 578 شاطئًا.

 

تركيا، التي يئست من صلاة رئيسها في الازهر بالقاهرة والجامع الاموي بدمشق بعد اسقاط الرئيس عبد الفتاح السيسي وبشار الأسد، عبرت صحفها عن الالم من جريمة داعش ووصفت صحفها الصادرة بعد يوم من التفجيرات، "غزوة" داعش في مطار اسطنبول بأنها من فعل "سفهاء"، ورفعت كفها ب"اللعنة على الإرهابيين"، و“لعنة الله على الفاعل والمحرض على هذا الهجوم".

 

الرئيس التركي المجروح في كبرياءه بسبب هذه التفجيرات، قال "ليعلم الجميع أن الإرهاب لا يفرق بين إسطنبول ولندن، وبين أنقرة وبرلين، وبين إزمير وشيكاغو، وفي حال لم تتكاتف الدول في مكافحة الإرهاب، فإن ما نخشاه سيحصل ولا مهرب من ذلك". لكنه لم يتحدث عما يفعله تنظيم داعش والجماعات المسلحة في البلدان العربية مثل سوريا والعراق ولبنان ومصر وليبيا. فهو لم يخاطب العرب بل الامريكان والأوروبيين، ويعتبر استصغار ومعايير مزدوجة التي لا ترى في جريمة داعش في بلدة القاع اللبنانية، مثلا، ما يستحق الذكر.

 

لكن الرئيس التركي فتح ثغرة "دفرسوار" كبرى للهروب من هذا الواقع عبر توقيع بلاده مع الكيان الصهيوني اتفاق اعادة العلاقات الى طبيعتها. وتتطلب الهرولة لتنفيذ هذا الاتفاق امورا عدة، فقد سارع اردوغان الى توبيخ القائمين على سفينة "مافي مرمرة" في حفل افطار قبل ايام،  وتسائل مستنكرا: " "هل حصلتم على موافقتي عندما نظمتم الاسطول لكسر الحصار عن غزة؟"، وفق ما ذكرته القناة السابعة الاسرائيلية. هذا التوبيخ يروق للصهاينة ويدفع بتنفيذ بنود الاتفاق التي تركزت على: إعادة السفراء والتطبيع الدبلوماسي الكامل، وعودة التنسيق الامني والاستخباراتي، وإنشاء صندوق تعويضات لضحايا سفينة "مافي مرمرة"، وتنازل تركيا عن الدعاوى ضد الجنود الاسرائيليين في محكمة الجنايات الدولية، وتعهد تركيا بمنع انشطة حركة حماس انطلاقا من اراضيها، وسماح الكيان بإدخال مساعدات انسانية الى غزة، وبناء مستشفى ومحطة كهرباء ومحطة تحلية مياه في القطاع. لكن الدافع الاكبر لدى الكيان هو تطوير حقول الغاز الممتدة تحت المياه بين سواحل فلسطين وقبرص، الامر الذي يتطلب تعاون البلدين لانجاز هذا المشروع الذي يمكن له ان يحقق حركة التفافية على كل من ايران وروسيا اللتان تزودان تركيا بكميات غاز تصل الى 50 مليار متر مكعب في السنة. كما ان الاتفاق ينتهي ببند يقول "تبدأ اسرائيل وتركيا مفاوضات لمد خط انابيب من ابار الغاز في (اسرائيل) وتركيا مهتمة بشراء غاز اسرائيلي وبيعه في أوروبا". ويبدو ان هذا الاتفاق سيحل الكثير من المشاكل للكيان للدرجة التي وصفه رئيس وزراء الكيان بنيامين نتنياهو بأن "له آثار هائلة على الاقتصاد الإسرائيلي".

 

لاشك ان الاتفاق بين تركيا والكيان يعتبر تتويجا للعلاقات الاقتصادية والتجارية بين البلدين. فرغم الضجيج الاعلامي وسحب السفير التركي من تل أبيب، إلا ان العلاقات التجارية ظلت مستقرة، بل وتطورت اكثر من ذي اثناء الخلاف. وتفيد المعلومات الصادرة عن قسم التجارة الخارجية بوزارة الاقتصاد الصهيونية، بأن حجم التبادل التجاري بين البلدين بلغ عام 2011 نحو 4.02 مليار دولار، وتراجع في 2012 إلى 3.5 مليار دولار، ثم عاود القفز مرة أخرى في عام 2013 ليصل إلى 4.9 مليار دولار، وواصل صعوده مرة أخرى خلال عام 2014 ليصل إلى 5.2 مليار دولا. ويشير القنصل الصهيوني في اسطنبول  شاي كوهين ان التبادل التجاري ارتفع لأكثر من 5.5 مليار دولار في العام 2015، بينما كانت في 2010 لا تتجاوز 3.4 مليار دولار، بزيادة 62 بالمئة.

 

ورطة تركيا تتصاعد مع تشابك علاقاتها مع المسلحين في سوريا والعراق، وهي علاقة تتعارض كليا مع توجه روسيا. انها مشكلة ينبغي على الجانب الرسمي التركي وضع حد لها من اجل وقف حالة الاستنزاف التي يعاني منها حزب العدالة والتنمية في منذ 2011  وبدء تآكل رصيده الذي راكمه في الفترة ما بين 2002م  و2010م. وعلى تركيا ان تقرر واحد من أمرين: أما الاستمرار في دعم الجماعات المسلحة ومن بينها داعش الذي فجر مطار اسطنبول، وبالتالي دفع الثمن غاليا بما فيه اهتزاز وحدتها الداخلية، أو اعادة النظر في سياستها الراهنة وترتيب اوضاعها الداخلية لتتمكن من لعب دور اقليمي مقبول من دول الجوار، وتبدأ في اعادة العمل بشعار "صفر مشاكل مع الجيران". أنقرة، وحتى اللحظة، لايبدو انها تتفهم اسباب التدخل الروسي في سوريا، رغم أن جزءا من الجواب قد تجده في جنسيات الذين نفذوا التفجيرات الانتحارية في مطار اسطنبول، وهم روسي واوزبكي وقيرغستاني..يعني من بطن روسيا وحدائقها الخلفية..فهل يعي الجانب التركي ذلك؟

 
 
 
 
 
 

" الآراء المنشورة ليست بالضرورة تعبر عن موقف الجمعية "


نسخة سطح المكتب


جميع الحقوق محفوظه ©2017
لجمعية العمل الوطني الديمقراطي (وعد)