نهار آخر | لماذا يرجمون بسيوني بعد بيان الحقيقة؟

| |
رضي الموسوي 2016-06-09 20:34:14




 

 

لم تكتفِ أغلب الصحف المحلية بالامتناع عن نشر البيان التوضيحي لرئيس اللجنة البحرينية لتقصي الحقائق البروفسور محمود شريف بسيوني الذي فنّد فيه ما ادعته وبثته وسائل الإعلام المحلية على أنه قول صادر عنه إزاء ما آلت إليه توصيات اللجنة التي ترأسها في 2011، وتشكلت بأمر من جلالة الملك، بل سارعت بعض الأقلام إلى رجم السيد بسيوني، حتى بعد أن حصل على وسام من جلالة الملك. تتم عملية رجم البيان، بينما يسود الصمت القاتل عن التصريح، كما صمت الحملان، ولا يتردد البعض من القيام بعملية (كوبي أند بيست) للمقالات التي راحت تضرب بداعشية متوحشة ذلك التوضيح البسيوني الشهير في بيان الحقيقة الذي أصدره يوم 5 يونيو والذي كشف الادعاءات المرسلة لأصحاب المعلومة التي في ضوئها مورست عملية الردح في المساحات الممنوحة لأولئك الذين ينتظرون مثل هذه "المعلومات" على أحرّ من الجمر لينفخوا في الكراهية وبث الحقد وتوزيع الاتهامات على الناس: هذا خائن، وذاك مرتبط بالخارج، وآخر باع وطنه، وغيره يستحق القتل على الطريقة الداعشية..اتهامات تنضح بها قواميس الإقصاء والتهميش والتدليس والحقد والكراهية ولا تتردد أغلب الصحافة المحلية عن نشرها بزهو كبير.

 

فماذا قال بسيوني في تصريحاته الأخيرة؟

 

قال رئيس اللجنة البحرينية لتقصي الحقائق في بيانه التوضيحي يوم 5 يونيو الجاري إنه "في 9 مايو 2016، وبعد خمس سنوات من الانتهاء من عمل اللجنة، تشرفت بلقاء الملك في حفل رسمي في المنامة. في تلك المناسبة أصدرت بيانا علنيا تحدثت فيه عن الجهود المبذولة حتى الآن، بما في ذلك إنشاء لجان المتابعة الحكومية، ولابد من القول أن هناك إنجازات إيجابية". لم يشهر بسيوني سيفه كما أشهره البعض في وجه تقريره وبيانه التوضيحي، ولم يهدد من يتناول بيانه بالويل والثبور، كما فعل أحد الكتاب الذي خيِّل له أن البروفسور يشتغل "مطراش" عنده.. أو هكذا أوصله هذيانه.

لقد تحدث بسيوني كلاما موضوعيا حدد فيه موقفا متزنا من العبث ببيانه: "للأسف كان هناك بعض اللبس فيما يتعلق بالترجمة الإنجليزية غير الدقيقة، ونتيجة لذلك شعرت من الضروري توضيح موقفي". وأكد على أنه "بشجاعة أخلاقية وسياسية لم يسبق لها مثيل تقريباً في العالم العربي، عين الملك حمد بن عيسى آل خليفة لجنة خبراء دولية للتحقيق في الأحداث وتقديم توصيات للمساءلة وتعزيز المصالحة والاستقرار والسلام في البحرين". وأضاف " تألفت اللجنة من خمسة من القضاة المرموقين عالمياً، وكان لهم حرية كاملة للتحقيق فيما حدث، وحصلت اللجنة على التعاون الكامل من جميع الجهات الحكومية. وكان هذا أيضاً لم يسبق له مثيل في العالم العربي".

 

وشدد السيد بسيوني في بيانه (الحزيراني) على أن "مهمة الحكومة لم تنتهِ بعد، على الرغم من أن عمل اللجنة قد انتهى. هذا ليس مطلوباً فقط من أجل تحقيق العدالة، ولكن هناك حاجة لدفع عجلة العدالة الاجتماعية والمصالحة السياسية. البحرين تحتاج ذلك من أجل مستقبلها، وتحتاج المنطقة مثالاً إيجابياً من الحكومة الرشيدة والمجتمع في المنطقة التي تعج بالمآسي الإنسانية وانتهاكات حقوق الإنسان".

 

وقال بسيوني أيضا "ينبغي أن تظل اثنتان من التوصيات من أولويات الحكومة، وهما: الإفراج عن الأشخاص المدانين على أساس المعتقدات السياسية وأعمالهم، وعلى أساس حرية الرأي والتعبير، وهذا يشمل 16 شخصا رفيعي المستوى أدينوا على هذه الأسس. والأمر الآخر هو السعي للتحقيق مع المسئولين عن مقتل خمسة أشخاص تحت التعذيب والتثبت من مسئولية رؤسائهم".

 

لقد تفوّه بسيوني بما أملاه عليه ضميره وما توصل اليه تقريره وتوصياته، فكان صادقا في مفاصل بيانه، لكنه شعر بالأسف لأن ما نقل عنه في وسائل الإعلام البحرينية كان خطأ أساء إليه أولا، وأساء إلى لجنته المنتهية مهامها وتقريرها ثانيا. هكذا عبر في أكثر من موقع عن مآل تنفيذ التوصيات.

 

سبحان مغير الأحوال!!

 

بين ليلة وضحاها، تحول السيد بسيوني من رجل مهني مارس عمله بمسئولية وأمانة وصدق بعد نشر تصريحه المعاد عجنه والمعاد تشكيله، إلى ناقل للكفر ومهدد للأمن الوطني عندما قال إن أغلب توصياته لم تنفذ!!. ينبغي ألا يسبّب ماقاله بسيوني في بيانه التصحيحي، هذه الحالة من الهيجان والاتهامات المرسلة التي  تعتبر عميلاً للخارج ومتواطئاً ضد الوطن كل من يطالب بتنفيذ التوصيات الستة عشر التي لم تنفذ من أصل الستة والعشرين توصية.

 

هل هو هذيان يمارسه البعض في وسائل الإعلام، أم فجور في الخصومة وتصعيد في سياسة إقصاء الآخر، تتم تحمية طيرانها بمقالات توتيرية وتهديدية تبتغي إبقاء أصبع الأمن على زناد الأزمة على حساب البلد وأهله؟

 

لاشك أن هناك منتفعين من استمرار الأزمة بتداعياتها السياسية والأمنية والاقتصادية والاجتماعية، يتصرفون بلا مسئولية وطنية. كما أن هذا الموقف المتشنج من بعض المنتفعين الذين طفوا على الساحة، يقابله موقف عبثي آخر لا يجد في توصيات بسيوني ما يشفي غليله، فتراه ينعتها بنعوت ما أنزل الله بها من سلطان.

 

إن بلادنا بحاجة إلى الهدوء وإعمال العقل، وهذا لايتم في ظل استمرار التحريض وبث الكراهية في وسائل الإعلام وسيادة العقلية الاقصائية والتهميشية وعدم الاعتراف بالآخر، بينما يراقب العالم ما يجري في دول الجوار من مآس وأزمات واحترابات على الهوية وتدمير ممنهج لتلك البلدان، وكأن الموترين هنا يريدون جر بلادنا إلى مستنقع لا خروج منه إلا بمعجزة في زمن عزّت فيه المعجزات. نحتاج إلى الابتعاد عن المكابرة والتواضع قليلا، وتأصيل ثقافة الاعتذار والجلوس مع بعضنا دون أحكام وقرارات معلّبة  ومسبقة الصنع. فبلادنا لا تتحمل الكثير من الهزات والأزمات، وما هو ضروري الآن هو أن ننصت لبعضنا البعض بدلاً من التغوّل والفجور في الخصومة.

 

 

 
 
 
 
 
 

" الآراء المنشورة ليست بالضرورة تعبر عن موقف الجمعية "


نسخة سطح المكتب


جميع الحقوق محفوظه ©2017
لجمعية العمل الوطني الديمقراطي (وعد)