لماذا صوت البحرينيون على ميثاق العمل الوطني؟

| |
رضي الموسوي 2016-02-16 05:38:30




 

مقدمة:

مع بداية الألفية الثالثة، وحيث كانت المنطقة العربية ملبدة بغيوم الحكم الشمولي في اغلب بلدانها، أطلق جلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة مبادرة أطلق عليها ميثاق العمل الوطني، هدف منها إخراج البلاد من الوضع السياسي المأزوم الذي نشأ من أحداث تسعينات القرن الماضي، حيث مئات السجناء السياسيين وعشرات الشهداء ومئات المنفيين أو الذين أجبرتهم الظروف على مغادرة البلاد. كانت البحرين تعيش وقتها تعيش تحت قبضة قانون تدابير أمن الدولة الذي صدر في أغسطس 1975، بعد أن تم إنهاء الحياة النيابية الوليدة بتعليق العمل بمواد الدستور المتعلقة بالسلطة التشريعية ممثلة في المجلس الوطني المكون وفق دستور 1973 من غرفة واحدة. وبصدور قانون تدابير امن الدولة ومحكمة امن الدولة تكون التجربة البرلمانية الأولى في البحرين قد أجهضت ودخلت في تلابيب الدولة الأمنية التي استمرت أكثر من ربع قرن من الزمن، دفع خلالها المواطن والبلاد أثمانا كبيرة من شهدا ومعتقلين وتعثر واضح في عملية التنمية المستدامة بما فيها التراجع الكبير في الخدمات والمرافق العامة كالتعليم والصحة والعمل والإسكان والطرق، فضلا عن ترهل النظام الإداري الذي استشرت فيه المحسوبية والفساد المالي والإداري.

 

وبعد تولي جلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة مقاليد الحكم بعد وفاة والده المغفور له سمو الشيخ عيسى بن سلمان ال خليفة في 6 مارس 1999، كانت البلاد لاتزال تعاني من تبعات الأزمة السياسية والدستورية، حيث كان الشعار الرئيس للمعارضة السياسية ومنذ حل المجلس الوطني هو "إعادة العمل بالمواد المعطلة في الدستور وعودة الحياة النيابية ".

 

كان الاحتقان قد بلغ أوجه، بعد أن تم رفض العريضة النخبوية عام 1992، والعريضة الشعبية في نهاية 1994، وتفجر الأحداث في ديسمبر من نفس العام ليبدأ سقوط الشهداء والجرحى ويزج بالمطالبين بحقوقهم في غياهب السجون والمعتقلات، وفي مقدمتهم قادة الحراك الشعبي. شكلت حقبة التسعينات استنزافا كبيرا لطرفي الصراع: المعارضة السياسية بتلاوينها والحكومة، حتى استشرت البطالة وبدت البلاد في حالة ركود واحتقان بحاجة إلى مشروع ينقذ البحرين من الواقع الذي كانت تعيشه، وإعادة هندسة العلاقة بين الحاكم والمحكوم بما يعيد الاعتبار للمشاركة الشعبية في إدارة البلاد.

 

1.ما قبل ميثاق العمل الوطني:

خاضت القوى المعارضة حوارات بينية وأخرى مع ممثلي الحكم للخروج من عنق زجاجة الأزمة السياسية، وكانت لجنة العريضة الشعبية تواصل اجتماعاتها وقد ضمت كافة الطيف السياسي في البحرين، من قوى ديمقراطية تقدمية وقومية وإسلامية. وخارج البحرين كانت العلاقات مترجمة بشكل أو بآخر خصوصا بين الجبهة الشعبية في البحرين حركة أحرار البحرين والجبهة الإسلامية. في البحرين، طرح مشروع التجمع الوطني الديمقراطي ودخل كوادر الشعبية والتحرير في حوارات لتوحيد الصفوف ورفعت الشعبية شعار "إحراق السفن" والعمل على إيجاد تجمع وطني ديمقراطي يضم بالإضافة لعناصر التنظيمين كوادر حزب البعث والشخصيات الوطنية والقومية، حيث تم عرض المشروع أولا على التنظيمين وقيادتهما في الخارج.

 

كانت البلاد تعيش إرهاصات منذ مطلع العام 2000، لم تتضح معالمها إلا في نوفمبر عندما أعلن جلالة الملك عن العزم على تشكيل لجنة عليا لصياغة ميثاق العمل الوطني، وقد شكلت اللجنة ودخلت عناصر وطنية وديمقراطية اختيرت من قبل العاهل، إلا أن الأمور لم تسر كما اشتهت سفن المعارضة، فانسحب أربعة من العناصر الوطنية وبقى بعضهم الآخر، بينما ازداد الحديث العلني في الندوات والفعاليات عن ضرورة إحداث الانفراج الأمني والسياسي والعودة لدستور 1973، عبر الإفراج عن المعتقلين السياسيين وفي مقدمتهم قادة الحراك المعتقلين وعلى رأسهم المرحوم الشيخ عبد الأمير الجمري.

 

وعلى المقلب الأخر كان أقطاب الحكم يتحركون باتجاهات عدة لتعبيد الطريق امام المشروع الجديد. كان التوجس من مشروع الميثاق بأنه قد يصدر وثيقة لا تتماشى مع المطلوب وطنيا والذي يليق بحجم التضحيات التي قدمت على مذبح الحرية. وقد زاد التوجس عندما قدمت مسودة لمشروع الميثاق فيها تباينات كبرى مع مواقف المعارضة، إلا أن مبادرات جلالة الملك عبدت الطريق نحو الحل.

 

2.مفاوضات عبدت الطريق للتصويت على الميثاق

بعد انجاز لجنة الميثاق عملها وقبيل التصويت عليه، كانت الاجتماعات الماراثونية على قدم وساق، ومن بينها اجتماع مهم عقد في منزل الدكتور حسن فخرو الذي كان يتبوأ آنذاك منصب مستشار سمو الأمير للشئون الاقتصادية، لكنه لعب مشكورا دورا محوريا في تذليل الصعوبات. وقد تم في ذلك الاجتماع التفاهم والتوافق على نص التصريح الذي صدر على لسان الشيخ عبدالله بن خالد ال خليفة وزير العدل رئيس اللجنة العليا لميثاق العمل الوطني وقد صدر يوم 9 فبراير وتضمن قبولا بشرط المعارضة "ان يكون المجلس المنتخب للتشريع وان يقتصر مجلس الشورى على الاستشارة فقط"، وهذا الشرط تكرر وتم التأكيد عليه أيضا عند لقاء جلالة الملك مع علماء الدين وفي المؤتمر الصحافي الذي عقده سمو ولي العهد يوم 6 فبراير في مبنى وزارة الخارجية. كان المشهد دراماتيكيا عندما قرر جلالة الملك رفع قانون تدابير امن الدولة عن كاهل الشعب البحريني بصدور أمر أميري بالغاءه والإفراج عن جميع المعتقلين السياسيين بقانون العفو الشامل الذي شمل المنفيين ومن أجبرتهم الظروف العيش خارج البلاد، لتعم البحرين الأفراح وتجرى الاحتفالات ويحصل مشروع الميثاق على إجماع البحرينيين بنسبة 98.4 بالمئة من إجمالي الذين صوتوا عليه.

 

3.روح الميثاق ونصوصه

لقد تضمن ميثاق العمل الوطني نصوصا واضحة في مسألة التوجه لبناء الدولة الديمقراطية. ففي القسم الأول منه والذي يحمل شخصية البحرين التاريخية-حضارة ونهضة، جاء فيه ما نصه "وفي ظل هذه الظروف التاريخية يتطلع الشعب بكل ثقة وعزم إلى مستقبل مشرق ملؤه الحرية والمساواة، وركيزته العدالة والشورى، وقاعدته المشاركة الشعبية لكل فئات الشعب في مستويات الحكم". وجاء في نفس القسم "إن صاحب السمو أمير البلاد حفظه الله ورعاه يطمح إلى تحقيق نهج ديمقراطي يرسي هيكلا متوازنا يؤكد الشراكة السياسية الدستورية بين الشعب والحكومة، والفصل بين السلطات الثلاث وتعزيز آليات السلطة القضائية وإنشاء ديواني المراقبة المالية والإدارية". وجاء في الفقرتين الأولى والثانية من أولا: أهداف الحكم وأساسه من الفصل الأول- المقومات الأساسية للمجتمع: " يهدف الحكم إلى صيانة البلاد، ورفعة شأن الدولة، والحفاظ على الوحدة الوطنية وتحقيق التنمية المستدامة الشاملة في المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية وغيرها.

العدل أساس الحكم. والمساواة وسيادة القانون والحرية والأمن والطمأنينة والعلم والتضامن الاجتماعي وتكافؤ الفرص بين المواطنين دعامات للمجتمع تكفلها الدولة". وفي ثانيا من نفس الفصل، أكدت الفقرات من 1 إلى 7 على كفالة الحريات الشخصية والمساواة ونصت على"

 

1) المواطنون متساوون أمام القانون في الحقوق والواجبات، لا تمييز بينهم بسبب الجنس أو الأصل أو اللغة أو الدين أو العقيدة، وذلك ما أكده الأمير القائد في أول خطاب وجهه إلى شعبه غداة توليه مقاليد الحكم في البلاد.

 

2) الحرية الشخصية مكفولة وفقا للقانون، فلا يجوز القبض على إنسان أو توقيفه أو حبسه أو تفتيشه أو تحديد إقامته أو تقييد حريته في الإقامة أو التنقل، إلا وفق القانون وتحت رقابة القضاء.

 

3) لا يجوز بأي حال تعريض أي إنسان لأي نوع من أنواع التعذيب المادي أو المعنوي، أو لأية معاملة غير إنسانية أو مهينة أو ماسة بالكرامة. ويبطل أي اعتراف أو قول يصدر تحت وطأة التعذيب أو التهديد أو الإغراء. وبصفة خاصة، يحظر إيذاء المتهم مادياً أو معنوياً. ويكفل القانون توقيع العقوبة على من يرتكب جريمة التعذيب أو الإيذاء البدني أو النفسي.

 

4) لا جريمة ولا عقوبة إلا بقانون، ولا عقوبة إلا على الأفعال اللاحقة لنفاذ القانون المنشئ للجريمة.

 

5) العقوبة شخصية، والمتهم برئ حتى تثبت إدانته، بموجب محاكمة عادلة، تتوافر له فيها كافة الضمانات التي تكفل له حق الدفاع في جميع مراحل التحقيق والمحاكمة طبقا للقانون. ويجب أن يكون لكل متهم في جناية محام يتولى الدفاع عنه بموافقته. وحق التقاضي مكفول وفقا للقانون.

 

6) للمساكن حرمة مصونة، فلا يجوز دخولها أو تفتيشها إلا بإذن أهلها، واستثناء في حالة الضرورة القصوى يجوز ذلك في الأحوال التي يعينها القانون تحت رقابة السلطة القضائية.

 

7) للمراسلات الشخصية حرمتها وسريتها، والمراسلات البريدية والبرقية والهاتفية والإلكترونية وغيرها مصونة، ولا يجوز أن تخضع هذه المراسلات للرقابة أو التفتيش إلا في حالات الضرورة التي يقررها القانون تحت رقابة السلطة القضائية. وقد بين البيند  الرابع من نفس الفصل الأول حرية التعبير والنشر: " لكل مواطن حق التعبير عن رأيه بالقول أو بالكتابة أو بأي طريقة أخرى من طرق التعبير عن الرأي أو الإبداع الشخصي، وبمقتضى هذا المبدأ فإن حرية البحث العلمي وحرية النشر والصحافة والطباعة مكفولة في الحدود التي يبينها القانون".

 

هذه النصوص هي التي صوت عليها شعب البحرين من ضمن ما صوت عليه في ميثاق العمل الوطني، حيث كان يرنو للدخول ضمن الدول التي تسير على الخطى الديمقراطية، والتي تحترم في المقدمة الأولى حقوق الإنسان وترفض الاعتقال التعسفي والفصل التعسفي والتعذيب وتعتبر اعتراف المتهم كأن لم يكن.

 

4.مابعد دستور 2002

أسس دستور 2002 لأزمة دستورية بعد أن تم التراجع عما جاء في ميثاق العمل وتفسيراته من قبل القائمين عليه من الرسميين. فقد قاطعت أربع جمعيات سياسية انتخابات 2002، بسبب الصلاحيات المعطاة في الدستور الجديد لمجلس الشورى بخلاف ما تم التوافق عليه، حيث منح المجلس المعين صلاحيات تشريعية، بينما كان نص تصريح رئيس اللجنة العليا للميثاق واضحا، ليبدأ بعد ذلك بعام أو أكثر الحوار بين التحالف الرباعي للمعارضة وبين الحكم الذي مثله وزير العمل الأسبق د. مجيد العلوي، ولم يصل الحوار لخلاصات تذكر، الأمر الذي قاد إلى انطلاق المؤتمر الدستوري الذي تشكل من الجمعيات السياسية الأربع: الوفاق، وعد، القومي وأمل (التحالف الرباعي) العديد من الشخصيات الوطنية والقانونية والحقوقية وعقد عدة دورات له ركزت أوراق أعمالها وبحوثها على كيفية الخروج من الأزمة الدستورية بما يحفظ هيبة الدولة ويحقق المطالب المشروعة للشعب البحريني. وقد أوقف المؤتمر انعقاد دوراته السنوية مع قرار المشاركة في الانتخابات النيابية، تاركا وثائق مهمة ومقترحات لحل الأزمة الدستورية في البلاد، بما فيها التعديلات التي ارتأتها المعارضة لإحداث النقلة النوعية المطلوبة في عملية الإصلاح.

 

5.استمرار الأزمة السياسية وتعثر الإصلاح

نظرا لعدم حل الأزمة السياسية بطريقة علمية صحيحة، فقد تراكمت من جديد بعد عام واحد من العرس الوطني (14 فبراير 2001 إلى 14 فبراير 2002)، وبدأت بعد ذلك تبرز على السطح حتى تفجرت في 14 فبراير 2011، أي بعد عشر سنوات على ميثاق العمل الوطني وكأن هذا الوطن قد ترسخت في ذهنية أبناءه أن حراكاته وانتفاضاته المطلبية والسياسية تأتي كل عقد من الزمن.

 

لقد كانت مطالب شعب البحرين منذ العام 1923 تتمحور وتتركز في مطلب إشراك المواطن في إدارة بلده وتمكينه من اتخاذ القرار السياسي. ولاتزال المطالب المرفوعة منذ قرابة القرن من الزمن هي نفس المطالب مع تغيرات في الصياغات المتماشية مع تطور العصر واللغة.

 

الخلاصة:

إن الموقع الجيوسياسي لبلادنا في وسط الخليج العربي الذي لم تهدا أمواجه من الأزمات حتى عصفت به أزمات أخرى تزيد من سرعة الموج وقدرته الهائلة على جرف كل من يقف في وجهه. فقد شهدت المنطقة ست حروب على الأقل منذ منتصف سبعينات القرن الماضي، عندما اشتعلت بين الحكومة المركزية في العراق وأكراده وقد غذى شاه إيران تلك الحرب، حتى وقعت اتفاقية الجزائر، فالحرب العراقية الإيرانية مطلع ثمانينات القرن، فاجتياح الكويت صيف 1990 وحرب قوات التحالف على العراق، فاحتلال الولايات المتحدة للعراق 2003، وبدء تقسيم البلاد على أسس أثنية وعرقية وطائفية وبدء الاحتراب الطائفي، ثم إعلان تنظيم (داعش) تأسيس الدولة الإسلامية في الموصل ودخول الحكومة المركزية في حرب معها منتصف 2014، فالحرب في اليمن التي لاتزال قائمة منذ نهاية مارس 2015. ولاشك أن تلك الحروب والاقتتال الداخلي والتدخلات الإقليمية والدولية تلقي بظلالها على بلادنا البحرين، الصغيرة في المساحة وعدد السكان والثروات الطبيعية قياسا لبلدان الجوار، وهي تتأثر بكل تلك التطورات الخطيرة في المنطقة العربية التي تنذر باتفاقية جديدة على طراز اتفاقية سايكس- بيكو ولكن مع مزيد من التفتيت وتجزئة المجزأ لكي لا تقوم قائمة لهذه الأمة التي كانت عريقة مركز إشعاع في حقب من التاريخ الإنساني.

هذا جزء يسير من التاريخ النضالي للشعب البحريني بمكوناته السياسية والأيدلوجية، والذي امتد لقرابة قرن من الزمن، وتداولت مختلف القوى السياسية المعارضة قيادة المرحلة، وقدم خلالها التضحيات الجسام في سبيل عزته وكرامته وتحقيق الحياة الحرة الكريمة في الدولة المدنية الديمقراطية الحديثة المؤمنة بالمواطنة المتساوية وباحترام حقوق الإنسان وبالديمقراطية منهاجا أصيلا لحل كل المشكلات والأزمات، بعيدا عن العنف والعنف المضاد والذي ننبذه أي كان مصدره، وبعيدا أيضا عن الحلول الأمنية للازمات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، كما تؤمن الدولة المدنية بالحوار طريقا صائبا لحل كل قضايا الخلاف والصراعات بين أطرافه، وبوحدة النسيج المجتمعي باعتبار أن الوحدة الوطنية هي صمام الأمان للسلم الأهلي والاستقرار الاجتماعي والتسامح.

 

ومن أجل كل ذلك صوت البحرينيون بالإجماع على ميثاق العمل الوطني، حيث كان الحلم يراودهم لتلك الأيام التي لم نعشها بعد.

انتهى

                                                                               

 

 *قدمت الورقة في ندوة القوى الوطنية الديمقراطية المعارضة حول "ذكرى الميثاق والحراك الوطني.. والاستحقاقات المؤجلة"بجمعية التجمع القومي الديمقراطي (15 فبراير 2016)

 

 
 
 
 
 
 

" الآراء المنشورة ليست بالضرورة تعبر عن موقف الجمعية "


نسخة سطح المكتب


جميع الحقوق محفوظه ©2017
لجمعية العمل الوطني الديمقراطي (وعد)