ندوة جذور الإرهاب وتداعياته على المنطقة

| |
عبدالله جناحي 2015-11-25 00:11:17




 

 

بعيداً عن الإشكالات الموجودة لظاهرة الإرهاب في وقتنا الراهن، ومن خالق هذا الإرهاب، والغموض الذي يكتنف تأسيس هذه المنظمات الإرهابية كالقاعدة وداعش، وبعيداً عن الأسرار وخبايا الأجهزة المختصة في تأسيس مثل هذه المنظمات لأهداف استراتيجية ومصالح سياسية واقتصادية في دولنا العربية،  فإنه من الواضح بأن هذا الإرهاب الراهن قد تم صناعته دولياً وإقليمياً من جهة، وقد تم بروزه لأسباب اقتصادية وسياسية واجتماعية وقيمية فكرية، ومرتبط بتاريخ حضارتنا العربية الإسلامية من جهة ثانية.

 

فأما على صعيد صناعة هذا الإرهاب فواضح بأنه قد نما تدريجياً وتعزز وتم دعمه دولياً وإقليمياً بعد التدخل السوفيتي في افغانستان، حيث اعتبرت الدول الغربية وأمريكا وجزء كبير من الدول العربية والخليجية بأن دعم هذه المنظمات "الجهادية" التي رفعت رأيه تحرير أفغانستان من الشيوعيين أحد أهم الأدوات التي يجب تعزيزها وتقويتها، وذلك بجميع أنواع الدعم اللوجستي، العسكري، البشري، المالي والإعلامي، وبعد هزيمة السوفيت في أفغانستان تم استخدام هذه الأدوات في أماكن أخرى كالعراق ابتداءً، ثم باقي الدول العربية المتأزمة بعد ثورات الربيع العربي منذ 2011م، وصولاً إلى أن تتحول هذه المنظمات الإرهابية إلى وحش انقلب على خالقه. وإن كانت هناك تحليلات واجتهادات بأن وراء هذا الانقلاب أيادٍ وأجهزة غربية لأهداف أخرى، كإيجاد مبررات داخلية  متعلقة بالهجرة واللاجئين العرب في القارة الأوربية، أو لاستمرار إضعاف الدول العربية وخلق حروب طائفية وعرقية وأهلية تخدم في محصلتها النهائية المصالح الغربية والكيان الصهيوني.

 

أما جذور الإرهاب كأسباب موضوعية، فسنبدأ بتراثنا العربي الإسلامي، معتمدين على رؤية المفكر المغربي محمد عابد الجابري الذي يرى بأن الدافع الرئيسي للذات العربية الحديثة هو تأكيد نفسها أمام التحدي الحضاري الغربي بجميع أشكاله وأبعاده، سواء على المستوى الفردي أو المستوى المجتمعي، حيث اتخذت عملية تأكيد الذات شكل الرجوع إلى مواقع خلفية للاحتماء بها، ويرى الجابري بأن هذا الرجوع للماضي يتعلق بالتيار السلفي في الفكر العربي الحديث والمعاصر، وهو التيار الذي انشغل أكثر من غيره بالتراث وإحيائه واستثماره في إطار قراءة أيديولوجية سافرة أساسها إسقاط صورة المستقبل المنشودة، المستقبل الأيديولوجي على الماضي، ثم "البرهنة" ـ انطلاقاً من عملية الإسقاط هذه ـ على أن "ما تم في الماضي يمكن تحقيقه في المستقبل" وهذا الإيمان يتجلى بوضوح في طريقة بناء الدولة الأفغانية إبان حكم طالبان، وكذلك في الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش).

 

يحلل الجابري السلفية كحركة دينية وسياسية رفعت شعار الأصالة والتمسك بالجذور والحفاظ على الهوية واعتبار الإسلام الحقيقي لا إسلام المسلمين المعاصرين هو المنشود، وبدلاً من أن يصبح الوسيلة هذه والمتمثلة في الماضي الذي أعيد بناؤه بسرعة قصد الارتكاز عليه للنهوض بالأمة أمام تحديات الحضارة الغربية، تحولت إلى غاية وأصبح هو نفسه مشروع النهضة، وهكذا أصبح المستقبل يقرأ بواسطة الماضي ـ ولكن، لا الماضي الذي كان بالفعل، بل الماضي  كما ينبغي أن يكون، وبما أن هذا الأخير لم يتحقق إلا  على صعيد الوجدان، صعيد الحلم، لذا فالسلفي الجهادي يحيا هذه الصورة بكل جوارحه، ليس كصورة رومانسية فقط، بل كواقع حي، لذلك تراه يستعيد الصراع الإيديولوجي الذي كان في الماضي وينخرط فيه، مناضلاً، ولا يكتفي بخصوم الماضي، بل يبحث عن خصوم في الحاضر والمستقبل.

 

وخلاصة حلول الجابري في هذا الشأن هي "التخلي عن الفهم التراثي للتراث، أي التحرر من الرواسب التراثية في عملية فهمنا للتراث، فاندماج الذات في التراث شيء، واندماج التراث في الذات شيء آخر، أن يحتوينا التراث شيء، وإن نحتوي التراث شيء آخر، إن القطيعة التي يدعوا لها الجابري ليست القطيعة مع التراث بل القطيعة مع نوع من العلاقة مع التراث، وللمزيد من معرفة جذور هذا الفكر فلسفياً ومعرفياً يمكن الرجوع لكتاب الجابري "نحن والتراث، قراءات معاصرة في تراثنا الفلسفي".

 

لست متبحراً في علم النفس، ولا في الإعلام والمناهج التي يضعها متخصصون أمنيون تابعون لأجهزة الاستخبارات في دول العالم بهدف التأثير على الجماهير وتوجيهها نحو الأهداف التي يعملون على تحقيقها، وقد مارست النازية والفاشية والرأسمالية والاشتراكية والأنظمة المستبدة والتيارات الإسلامية كثرة من هذه الأساليب، وهناك كثرة من الكتب التي تشرح كيف يمكن التأثير على العقول لخدمة أهداف الأنظمة أو خدمة الصراع الذي يخوضه نظام أو معسكر ضد الآخر، ولقد أثار كتاب بعنوان "المتلاعبون بالعقول" من إصدار صحفي أمريكي في أواسط الثمانينات من القرن الماضي ضجة كبيرة حيث كشف كيف يقوم الإعلام الأمريكي بتطعيم الأخبار بمفردات ومصطلحات بهدف تحريف الوقائع وتحقيق أهداف واضحة تهدف إلى تصغير باقي الشعوب أمام الشعب الأمريكي، وحتى كيف يقوم الأخصائيون في إعداد المناهج التعليمية باستخدام هذا الأسلوب بهدف التلاعب بعقول الأجيال القادمة، (( ترجم هذا الكتاب الهام للغة العربية ضمن سلسلة عالم المعرفة الكويتية)).

 

أطلعت قبل عام على كتاب ضخم بعنوان "الدينتكس، علم العقل/ الروح" للكاتب ل. رون هابرد، وهو كتاب يندرج ضمن النظريات النفسية الحديثة، وأحسست أثناء قراءتي فيه بأن هناك كثرة من الوسائل النفسية المستخدمة لخلق جيل يحمل عقلاً تخديرياً وانفعالياً بهدف استغلالهم للعمليات الإرهابية والتطرف وكراهية الآخر، ومحو أي قيم تسامحيه أو قبول الآخر المختلف في الدين أو المذهب أو الفكر، الأمر الذي قد يقدم لنا مثل هذه النظريات تفسيرات عن أحد أسباب أنتشار التطرف والإرهاب، وقدرة مثل هذه التنظيمات في جذب المزيد من الشباب لها وقدرتها في تكريس قناعات "راسخة" فيهم بأنهم في طريق الصواب سائرون عبر أساليب وخدع نفسية، وما حركة "الحشاشون" في حضارتنا الإسلامية إلا الوجه الآخر من حركات إرهابية معاصرة، فقد كانوا يجندون الشباب ويخدرونهم ويوهمونهم إنهم في "الجنة" حيث حور العين والفواكه والمتعة الأبدية في حديقة غناء فيها كل ما لذ وطاب، ومن ثم يخرجونهم للعالم الواقعي ليؤكدوا لهم بأنهم كانوا حقاً في  الجنة وإذا ما أرادوا العودة إليها عليهم بتنفيذ اغتيالات ليستشهدوا حتى ينتقلوا للجنة مرة أخرى.

 

التاريخ يكرر نفسه في كل مراحله في خضم الصراع بين المعسكرات والأنظمة والأجهزة والمنظمات، والكل يبحث عن كل الوسائل القذرة للتلاعب بعقول هذه الاجيال من أجل تحقيق أهدافهم، إنه مبدأ ميكافيلي "الغاية تبرر الوسيلة" ولذا يستخدمون كافة الوسائل اللا إنسانية من أجل أهداف ضيقة.

 

ومن أجل ربط مفاهيم هذه النظرية النفسية بما يحدث من عمليات إرهابية فسأحاول إعطاء بعض مفاهيمها الأساسية.

 

فحسب نظرية "الدينتكس" هذه يسمى العقل غير الواعي بالعقل الانفعالي، وهو العقل الذي يمتلك القوة والدافع على مستوى "الخلية"، أنه عقل لا يتذكر، أنه يسجل ويستخدم فقط من أجل إحداث أفعال معينة، أنه عقل لا يفكر ولكنه يختار تسجيلاته ويعمل على اقحامها داخل العقل الواعي وداخل الجسد دون معرفة أو موافقة الفرد، إن المعلومة  الوحيدة التي تتوفر للفرد عن هذا العمل هي الإدراك الحسي الآني للفرد بانه يتصرف بطريقة "غير عقلانية" حيال شيء ما، وأنه لا يستطيع فهم مثل هذا الشعور أو السبب  وراءه، ومن الجدير بالذكر هنا إنه لا يوجد رقيب على العقل الانفعالي.

 

أن هذه القوى البيئية الخارجية تؤثر داخل الفرد ذاته دون معرفته أو موافقته، وتعمل على تأسيس عالم داخلي من القوة الذي يعمل ليس فقط ضد العالم الخارجي، ولكنه أيضاً ضد الفرد ذاته، وإن صحت هذه النظرية فإن نتيجتها بأن الفرد في حالة عدم الوعي (جرعة تخدير أو التأثير المقدس بكلام قياداته ... ألخ) فإن أي حديث معه أو تحريضه أو دعوته للقيام بفعل ما أو قول ما، فإن كل ذلك يدخل في البنك الانفعالي داخل عقله ويؤثر بشكل كبير على آلية وعمل تفاعلاته بعد عودته للوعي ويؤثر بالتالي على العقل الواعي كنوع من الأوامر، ولا يستطيع العقل الواعي السيطرة على هذه الأوامر.

 

إن خطورة هذا التحليل هي في استخدامه تعمداً وبخطط مبرمجة من قبل بعض الأجهزة والأنظمة والمنظمات الإرهابية في خلق أفراد يقادون بعقولهم الانفعالية التي ملؤها وهم في حالة اللاوعي بأوامر تحولت إلى السيطرة حتى على عقولهم الواعية، فمارسوا أفعالاً ارهابية بقيادة العقل الانفعالي دون علمهم.

 

وعودة لرؤية الجابري حول التطرف الذي ينتج العنف والإرهاب، يرى بأن هذه الظاهرة بكل دوافعها لها علاقة مباشرة أو غير مباشرة بالوضع الاقتصادي والاجتماعي والسياسي والثقافي، كتفشي البطالة والظلم والتمييز والتهميش الاجتماعي، وغياب الحريات الديمقراطية، وانسداد آفاق المستقبل، وعلى صعيد رؤيته عن العلاقة بين الإرهاب والغرب فإنه يرى بأن اهتمام وسائل الإعلام الدولية بالتطرف والعنف المرافق له في بعض الدول العربية وسكوتها عن البعض الآخر، أو على الأقل عدم تركيزها على مظاهر العنف والإرهاب في جهات ودول أخرى، كالعنف الذي مورس ضد المسلمين في البوسنة والهرسك، وفي بورما والهند، والإرهاب الصهيوني، فإن هذا النوع من التمييز الإعلامي الغربي، حيث يتعامل مع مقاومة الشعب الفلسطيني باعتبارها تطرفاً وإرهاباً، بينما يسكت سكوتاً شبه تام على التطرف والإرهاب الذي يمارسه الكيان الصهيوني وأحزابه العنصرية ضد العرب، وإن هذا الإعلام الغربي، والعربي التابع له، حينما فقط يركزون على دور الأصولية الإسلامية في الإرهاب فإنهم يهدفون على التستر عن الأسباب الموضوعية الحقيقية وراء التطرف كخنق الحريات واستفحال الفساد والظلم واحتكار القلة للثروة والسلطة، ويرى أن ظاهرة التطرف والإرهاب التي تعانيه اليوم العالم العربي والإسلامي ليست مقطوعة عن أسبابها، إنما هي في حقيقتها الراهنة، حقيقة انتشارها واكتساحها بعض الساحات لا يعود أن تكون رد فعل على تطرف قائم في الوضع الاقتصادي والسياسي الجاثم على العالم العربي والإسلامي، والذي يتحمل الغرب كمساند لأنظمة ومؤسسات الظلم والقهر دوراً فيه.

 

وقد عرف تاريخ العرب والمسلمين، كما عرف تاريخ الأمم والديانات الأخرى، حركات متطرفة أفرزتها الأوضاع الاجتماعية الفاسدة والظالمة، ولكونها بدل أن تواجه الفساد والظلم كما هو في المجتمع، وتسمى الأشياء بأسمائها وتصرخ في وجه الظلم الاجتماعي، والاستغلال الاقتصادي والطغيان السياسي وغيرها من مظاهر عدم احترام حقوق الإنسان وكرامته، تلجأ بدلاً من ذلك إلى رفع رايه الدين الذي تلبسه لباس التطرف فتجعله ينطق بإسمها، وهكذا تحول المعركة من ميدانها الحقيقي إلى ميدان آخر نظري يقوم على مجرد الظن والتوهم مستعملة في ذلك مفاهيم دينية معينه كمفهوم الكفر والفسق والفجور أسلحة في وجه الخصوم، واضعة هكذا التطرف الديني على مستوى القول والتفكير بدلاً للظلم الاجتماعي والطغيان السياسي، مانحة للخصوم الحقيقيين فرصة تغطية ظلمهم وطغيانهم بالظهور بمظهر المقاوم للتطرف الداعي للاعتدال والسلام والاستقرار، وكما يحدث في مثل هذه الحال فإن الدخول في مجابهة يستعمل سلاح الدين نيابة عن أسلحة أخرى، أسلحة الكفاح الاجتماعي والسياسي الذي يسمى الأشياء بأسمائها الحقيقية، ويقود سريعاً إلى نسيان الداء ومصدره، وبالتالي التجاوز عن الخصوم الحقيقيين والانشغال بمعارك وهمية أو ثانوية جانبية، وبالتالي خلق خصوم جدد، وفي الغالب في صفوف الحلفاء الطبيعيين، وهكذا يُقحم الدين وأهله في فتنه تشغل الناس عن دينهم ودنياهم وتحرف الصراع الاجتماعي الفعلي.

 

ورغم تأكيد الجابري بأن ظاهرة الإرهاب والعنف مرتبطة بتاريخ هذه الأمة، وتتغذى باستمرار من هذا التاريخ سواء على مستوى اللاوعي أو على مستوى المخيال والخطاب، ويرى إن العنف إذا ما كان في إطار المخيال والخطاب فإنه سيكون على هامش التاريخ، ولكنه عندما ينجح في اكتساح الساحة الاجتماعية والسياسية واحتواء الظرفية التاريخية، فإن ذلك يعني أن ظروفاً معينة، اقتصادية واجتماعية وسياسية وثقافية، هي التي استدعته لتجعل منه المعبّر اللاعقلاني عن تفاعلاتها واتجاهها في غياب السياسات العقلانية على كافة هذه الصعد، وفي ظل غياب إنتاج خطاب عن التطرف غير متطرف، خطاب لا يواجه التطرف بتطرف مضاد بل يضعه في مواجهته مع نفسه، وذلك بهدف إبراز البديل الموضوعي له، الموقف العقلاني.

 

وعن مصدر وأسباب التطرف الذي ينتج العنف والإرهاب يبدأ الجابري تعريف التطرف باعتباره أنه مجاوزة  حد الاعتدال، ويُعّرف الاعتدال بأنه لزوم الوسط بين طرفين، أو بين أي شيئين متناقضين، وقديماً قالوا: الفضيلة وسط بين رذيلتين، كما الشجاعة وسط بين التهور والجبن، وبما أن المتطرف يحصر الصواب في الطرف الذي أختاره وحده دون غيره، وبالتالي يهمل الباقي ويقصيه، فإن بذلك يمارس عدواناً على الأشياء وتعسفاً في الأحكام معتبراً ذلك صواباً ومعرفة، وبالطبع فأن مثل هذا الموقف لا يمكن أن يصدر عن العقل، إنه بكل تأكيد يصدر عن العاطفة، لا بل عن الانفعال، ولذلك كان التطرف دوماً عبارة عن رد الفعل وليس الفعل، ومصدره ردود الأفعال وهو فاعلية بدنية، وليس التفكير الذي هو فاعلية عقلية، فالتطرف إذن موقف ذاتي يصدر عن فلسفة "أنا وحدي"، أما الموقف العقلاني فأول دعائمه وشروطه، التجرد من العاطفة والنظر إلى الأمور كما هي في ذاتها بقطع النظر عن موقف الذات منها، وهذه هي الموضوعية، وهذا ما يجعل التفاهم ممكناً، والموضوعية تقوم أولاً وقبل كل شيء على الاعتراف بجميع الأطراف، وبالتالي الاعتراف بالاختلاف، وهكذا فالتطرف قِبلتهُ الذات، أما الموقف العقلاني فوِجهُته العالم.     

 

وتؤكد النظرية النفسية المشار إليها سابقاً بأن  العقل المتطرف يسبب له حاله من الانحراف الذهني والانزلاق إلى حالة من الاضطراب العقلي وبالتالي فإن معظم ممارساته أو أقواله تكون نتائجها غير عقلانية.

 

ولذلك فإن الفرد في حالة الانحراف الذهني هو الذي يخطأ في حساباته، حيث أن العقل الواعي والموجود لحل المشاكل والذي يجعل من الكائن الحي إنساناً له القدرة على الاستدلال غير القابلة للخطأ، فعندما نراقب أنشطة المنحرف ذهنياً فإننا نميل إلى الاعتقاد من دون تفكير إن حساباته كانت خاطئة، لكن هذا التقييم (بأنه أخطأ) هو خطأ يراه المراقب، في حين المخطئ يرى نفسه صائباً، والسبب هو أن الفرد حينما يطلب من العقل حل مسائل كبيرة مع عدد من المتغيرات الكافية في ظل وجود إرباك للعقل الواعي ومن خلال تأثير العقل الانفعالي فلا بد أن يحصل على معلومات خاطئة أيضاً، أي عندما تدخل المعلومات الخاطئة في العقل الواعي فإنه سيعطينا إجابات خاطئة، أي عندما تدخل معلومات خاطئة إلى بنوك الذاكرة في العقل فإننا نرى أن هذا العقل يتصرف (بطريقة غير طبيعية)، وهذا بالضبط ما يقود المرء نحو أفعال إرهابية ومتطرفة وعنيفة، أكان إنساناً عادياً أو عقلاً جمعياً تمثله الحكومات المستبدة أو المنظمات الإرهابية.

 

وتؤكد هذه النظرية النفسية بأن هذا العقل الانفعالي ليس فقط يصيب الإنسان بالأمراض، بل هو الذي يدفع بالحروب والفتن ويجعل السياسة غير عقلانية، ويجعل كبار المسؤولين يغضبون . بل أن هذا العقل الانفعالي يؤثر على العقل الجمعي للجماعة أو لكل شرائح المجتمع نتيجة لممارساته المؤلمة بحقهم، فهناك علاقة واضحة بين مستوى شعور الفرد أو الجماعة بالألم (مثلاً انتهاكات لحقوقهم وكرامتهم) ومستوى التوقف في قدراته التحليلية التي تكون عالية جداً عندما يكون الفرد أو الجماعة مرتاحة وسعيدة ولديها الحماس والتفاؤل، أما إذا كانت الجماعة أو الفرد يتألم وحزين في مشاعره فإن قدرته التحليلية تقل، ويمكن اسقاط هذه الفرضية النفسية على الصدمات التي تواجهها المجتمعات أيضاً، فالمجتمع كله معرض لتوقف القدرة التحليلية لديه، وحتى لدى الأنظمة الحاكمة، بدرجة أكبر أو اصغر عندما تعاد استثارة (عدم الوعي) الذي مورس بحقهم في فترات الصدمات السابقة، فالمجتمع

 

الذي يملك حالات عدم الوعي في بيئة فيها العديد من المستثيرات، كإعلام متأزم وتعبئة وتحريض وتمييز وبث خطاب الكراهية، يكون عرضة لكمية هائلة من الاستثارة يؤدي إلى التوقف في المقدرة التحليلية للأفراد. وقد يصل إلى مجتمع غير عقلاني.

 

إن عدوى الانحراف الذهني على المجتمع تكون خطيرة جداً، حيث أن الكيان الاجتماعي مثله مثل الكائن الحي من ناحية التصرف والسلوك، فحين توجد هناك انحرافات ذهنية داخل المجتمع، وبالأخص من قمة الرأس السياسي فيه، والتي تسبب الألم لأي عضو فيه، فإنه يكون قد بدأ كمصدر للانحراف الذهني المعدي، فعلى سبيل المثال إذا اعتبر العقاب الجسدي غير الإنساني عملاً مشروعاً فإن هذا المجتمع الذي يمارس فيه هذا العقاب ضد أي من أعضائه إنما يخلق عدوى الانحراف الذهني على الآخرين، مما يؤدي إلى استمرار الثورات والانتفاضات ورفض وجود مثل هذه الحكومات وخلق تربه صالحة لنشوء الحركات الإرهابية.

 

إن المحور المهم في رؤية الجابري، والتي يشارك فيها كثير من المفكرين والسياسيين هو عدم حصر التطرف في الأفراد والجماعات التي تمارسه خارج السلطة السياسية أو ضداً عليها، وحيث أن التطرف في الأغلب الأعم رد فعل، وكثيراً ما يكون المبتدئ بالتطرف هو الدولة، فهي المؤهلة بسهولة للانزلاق إليه، وذلك إما بنوع من ممارسة الحاكمين للسلطة من أجل الحفاظ على الحكم، وإما باستغلالهم الحكم لفائدتهم الخاصة ولصالح ذويهم وأقاربهم وأنصارهم ومتملقيهم.

 

إن التطرف الذي تمارسه الدولة لا ينحصر فيما تقوم به من تجاوزات في استعمال القوة واللجوء إلى القمع المادي، بل يرى الجابري بأن هناك تطرف آخر لعله أكثر خطورة لأن مفعوله يبقى خفياً، فلا تظهر ردود الفعل عنه إلا بعد وقت ليفتح الباب "للآخر" للقيام بتطرف مماثل، ويقصد بذلك التطرف هو الذي يمارسه أصحاب الدولة لإضفاء الشرعية على حكمهم بتوظيف الدين توظيفاً سياسياً عندما لا تكون ثمة شرعية سياسية مقبولة كالديمقراطية، إنهم يلجؤون إلى التعالي بالسياسة لجعل حكمهم يعلو على كل شرعية بشرية، وخطورة هذا النوع من التطرف ليست فقط في كونه يقوم على تزييف وعي الناس عن طريق الكذب الأيديولوجي الفاضح، بل أيضاً وهذا أخطر في نظره، لأنه يدفع إلى قيام ردود فعل مضادة من  النوع نفسه ترتفع إلى مستوى العقيدة وتكتسي صورة تسيّس المتعالي.

 

وفي تاريخنا العربي والإسلامي القديم والحديث أمثلة كثيرة على هذه السياسة وتوظيف الدين لمصالح الحكام والتي أنتجت كردة فعل فرق معارضة بعضها، أصبحت متطرفة ومارست العنف والإرهاب، مقابل فرق عقلانية قمعت وأصبحت لا تأثير مملوس لها على العقل الجمعي والواقع السياسي.

 

 

 

 

وخلاصة رؤية الجابري ـ والتي أتفق معه فيها هي:

 

أولاً: إن التطرف هو دائماً عباره عن رد فعل إما على أوضاع اجتماعية اقتصادية سياسية تُضّيق الخناق على الفرد أو الجماعة، وإما على موقف فكري حاد يصدم هدوء الفرد أو الجماعة ويخل بالتوازن على مستوى المعتقد والمخيال الجمعي.

 

ثانياً: إنه فعل لا عقلاني، وذلك بمعنيين: فهو من جهة لا يتجه إلى الأسباب الحقيقية التي انتجت تلك الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية والتي تستثير الفرد والجماعات وتمارس عليها نوعاً من العدوان، وهو من جهة أخرى يلجأ إلى (الرأسمال الرمزي) الجماعي ينتقي منه سلاحه، ومن هنا يأتي التمويه الأيديولوجي.

 

ثالثاً: إنه رد فعل تقمصي مثيولوجي، يعني أنه يقوم على تقمص أسطوري لنماذج يختارها المتطرف، أبطالاً أو أحداثاً ...ألخ، فيقيم مماثلة بينها وبينه، كبطل أو حدث تاريخي، وبين خصمه وخصم ذلك البطل والحدث التاريخي، موظفاً في ذلك نصوصاً وشهادات ووقائع تحمل معها مصداقيتها، إما لأنها دينية وإما لأنها تنتمي إلى (الرأسمال الرمزي) للجماعة كمخيال القبيلة وتراث الأجداد ... ألخ، ومن المماثلة إلى المطابقة، فيتحول المتطرف إلى بطل فوق التاريخ، يعلو على وضعيته الاجتماعية الثقافية ويعيش ـ صادقاً مع نفسه ـ على مستوى المُثل الأعلى، المستوى الذي يتحول فيه كل شيء إلى (عقيدة) وموضوع للتضحية، وفعلاً يقاتل المتطرف عن (عقيدة) يعمل على تعميقها لكسب الأنصار وتعبئة الأتباع، وهم في الغالب ممن يعانون من الوضعية ذاتها، فتصبح (العقيدة) القائمة على هذا النوع من التقمص وسيلة للتوعية ونظارات للرؤية، ويكتسح بالتالي التطرف الساحة اكتساحاً.

 

وحول رؤية الجابري للحلول ولعلاج التطرف ومن ثم نتائجه من العنف والإرهاب، فهو يركز على (الثوابت) التالية:

 

أولاً: لابد من الاعتراف بوجود التطرف أولاً بوصفه رد فعل ضد أوضاع أو مواقف، وبالتالي العمل على معالجتها بوصفه نتيجة وليس سبباً، إن الفقر والحيف الاقتصادي والظلم الاجتماعي والعسف السياسي هي الأسباب الموضوعية (الثابتة) التي تقف وراء كل تطرف يتخذ مظهراً جماعياً ويستشري جماهيرياً.

 

ثانياً: تجنب ردود الفعل اللاعقلانية في معالجة هذه الظاهرة، ويأتي أهم دور في هذا الشأن هو الثقافة والتعليم، وذلك لان البديل العقلاني للتطرف لا يمكن أن يتبلور ولا يستوعب إلا إذا تمت صياغته وتعميمه في مناخ فكري عقلاني نقدي يصنعه التعليم وترعاه الثقافة وتعممه.

 

إن التعليم السائد في الوطن العربي اليوم هو إما تعليم تقاني يصنع عقلاً سطحياً مضللاً، وإما تعليم ميثولوجي تلقيني يصنع عقلاً راكداً أسطورياً، والقاسم المشترك بين هذين النوعين من التعليم هو غياب السؤال النقدي، سؤال: لماذا وكيف؟

 

إن التعليم التقاني عقل فارغ من الأمور النظرية التي هي ميدان لتعدد الأسئلة والأجوبة، ولذلك تجده مستعداً لتلقي (العقائد) الجاهزة بمثل السهولة والعادة اللتين يتلقى بهما القوانين العلمية، هذا من جهة، ومن جهة أخرى فالعقل الأسطوري الذي تصنعه المعاهد والكليات النظرية، وكذلك المدارس، عقل يتلقى المعرفة على صورة أساطير وروايات وتلقينات وحقائق جاهزة، فالتاريخ أساطير، والتلاوة والأدب وتاريخه حكايات وروايات، والجغرافيا مكان على الورق وأشباح في المخيلة، والتربية الوطنية مراسيم بروتوكولية وتعليمات إدارية وبطولات فردية، والتربية الدينية قشور فقهية ومشاهد من الآخرة، ولذلك مع غياب العقل النقدي يبقى الباب مفتوحاً على مصراعيه للتطرف وأطروحاته، فهي تستهوي العقل التقاني لأنها وثوقيه أشبه بالقوانين العلمية، وتستهوي العقل الأسطوري لأنها قابلة للتقمص أشبه بالأساطير، وإذا توفرت الأوضاع الاقتصادية والسياسية المنتجة للتطرف، المغذية له تحول الاستهواء إلى استقطاب، والإعجاب إلى الانتماء.

 

ولذلك أتفق مع معظم رؤى الجابري، حيث أن علاج الإرهاب يجب أن يبدأ بمعالجة أهم سببين له وهو الفقر والظلم، وإن اي إصلاح لا يستهدف القضاء على الفقر عبر سياسات اقتصادية تعزز تحسين مستويات المعيشة للفقراء وذوي الدخل المحدود، وتوسيع في حجم الطبقة الوسطى وتقليل من حجم الطبقة المحتكرة للثروة، والقضاء على الظلم الاجتماعي عبر سياسات عدم التمييز وتطوير الخدمات، إن تحرر الإنسان من الفقر الذي يستعبد فكره وإحساسه وإرادته، ومن الظلم الذي يشوش على البصر والبصيرة ويجمد العقل ويطلق عقال اللاعقل، هما الهدفان الرئيسيان لأي إصلاح حقيقي، وهذا بالضرورة يجب أن يعكس نتائجهما على باقي متطلبات تجفيف منابع الإرهاب، كبناء دولة مدنية ديمقراطية حديثة قوامها التشاركية السياسية وتعزيز مبدأ المواطنة، والحريات العامة التي تمتد من حرية التعبير الديمقراطي الحر إلى حرية الإضراب والاحتجاج في إطار قانون يحمي الحريات والحقوق.

 

إن الحريات العامة في قضية الإصلاح تمثل المظهر الأهم من الديمقراطية السياسية، وهي (الشكل) ومع أهمية هذا (الشكل) فإنه قد يتحول إلى مجرد مظاهر قد تتعرض للتفسخ وتدفع إلى اليأس والتطرف، إذا ما بقيت مفتقر إلى المضمون الذي يؤسسها ويُغذّيها، إن مضمون (الشكل) في قضية الإصلاح يتعلق بالسلطة وطريقة ممارستها، والسلطة في الدولة الحديثة تمارس عبر مؤسسات، مع الفصل بين السلطات الثلاث، التشريعية والتنفيذية والقضائية، وتمكن السلطة القضائية من الاستقلال التام، وضمان النزاهة والحرية للانتخابات التشريعية، وتوسيع اختصاصاتها بالصورة التي تُمكِنها من التعبير فعلاً عن إرادة الشعب الذي يجب أن يعتبر هو وحده مصدر السلطات.

 

لذلك فإن استفحال ظاهرة الإرهاب والعنف كنتيجة لجميع تلك الأسباب التي ذكرناها يؤدي في نهاية المطاف إلى تداعيات خطيرة ومبررات للأنظمة المستبدة الرافضة للإصلاحات المنشودة تحت عذر أولوية المعركة ضد الإرهاب ليتحول بالتالي سبباً لتعطيل هذه الإصلاحات، وتعطيل التنمية المستدامة سياسياً واقتصادياً واجتماعياً وفكرياً.

 

وأخيراً سأنتقل من التنظير إلى بعض مظاهر الواقع الراهن كاجتهادات وتوقعات وضرورات، فلقد حاولت في هذه الورقة الابتعاد عن تحليلات الوضع الراهن ولكن الإرهاب الراهن أصبح له تأثير مباشر، وحيث أنني لا اؤمن بأن السياسة فن الممكن لأنها برغماتية انتهازية في اعتقادي، إنما أرى السياسة فن النتيجة، والنتيجة المبتغاة هي القضاء على الإرهاب.

 

لذا أنهي ورقتي باجتهاد قابل للإقناع أو الاختلاف، مركزاً على دور وتأثير والمطلوب من خارج هذه الأمة، وبالأخص من الدول الغربية التي أعلنت مساهمتها في القضاء على الإرهاب.

 

في هذا المقام أرى التالي:

 

أولاً: إذا كان السحر وقد انقلب على الساحر، حيث نقلت المنظمات الإرهابية عملياتها من الوطن العربي إلى عمق نيويورك في الحادي عشر من سبتمبر عام ٢٠٠١ وبغض النظر عن نظريات التآمر والتعاون الأمريكي مع القاعدة إلا أن الغرب أهمل جوهر الفعل، وضحى بشعوبه لصالح مصالح عسكرية وضخ أموال النفط وبيع الأسلحة بمليارات من الدولارات دون الضغط على بنية أنظمة عربية هي الأساس في خلق فكر وتربة الإرهاب.

 

ثانياً: جاءت الضربة الثانية والمتمثلة بمجزرة باريس لتؤكد بأن آن الأوان لإعادة النظر في استراتيجيات دعم أنظمة عربية استبدادية، ففي جوهر بنيتها ضد الحداثة والتقدم عبر فتاويها الدينية وسياستها التعليمية والإعلامية، وحيث بدأ الإرهاب الذي تم دعمه من هذا الغرب البرغماتي المصلحي من أجل إضعاف الأمة العربية فإذا به ينقلب على خالقه بسبب لا عقلانية مخططي الإرهاب وبسبب انفعالية العقل الإرهابي كما أوضحنا، ولو كنت إرهابياً أخطط بعقل سوي، ومُخطط لي تفجير وتشظي الأمة لما فجرت معركة مع حلفائي الغربيين خالقي كياني أصلاً، ولكن العقل الانفعالي يفجر معارك ليخلق المزيد من الأعداء له، وهذا ما حدث الآن في اعتقادي حيث أحست الدول الغربية بأن الوحش الذي خلقوه لإضعاف الأمة بدأ يهز أركان أمتهم الغربية لذا تداعت أعضاء الجسد الغربي لمواجهة وحش خلقوه.

 

ثالثاً: هذا تحول غربي إيجابي نتيجته لصالحنا بأن نتكاتف معاً كقوى تقدمية مع قوى الغرب الاستعماري لإجهاض مخططات الإرهاب تماماً كما تحالفت القوى الرأسمالية والاشتراكية في الحرب العالمية الثانية رغم تناقضاتهم ضد الفاشية والنازية، بل دعم الأمريكان أحزاب شيوعية أوربية بالسلاح باعتبارها كانت آنذاك أحزاب مؤثرة لهزيمة النازية.

 

أن الواقع يتطلب التعاون دولياً للقضاء على عدو أصبح متضرراً منه خالقه كالغرب وأمته التي كان الهدف الأساس من هذه الصناعة.

 

رابعاً: لقد أوضح المفكر المصري الفيلسوف فؤاد زكريا في إحدى إصدارته قبل وفاته، بأن بعد انهيار المعسكر الاشتراكي لم يعد مبرراً لوجود الكيان الصهيوني الذي دعم من الأمريكان والغرب ككيان مصطنع في قلب الأمة العربية لدعم الحرب الباردة بين معسكر اشتراكي فتي بدأ في الظهور بعد 1917، وهي بدايات تأسيس هذا الكيان، وحيث إنهار هذا المعسكر فالمطلوب من الغرب ان ينهي دعمه لكيان أصطنعه لمحاربة دول عربية وقفت مع معسكر اشتراكي ضد المعسكر الرأسمالي، وأن كان ذلك مبرراً في المصالح السياسية آنذاك، فقد أصبح هذا الهدف عبئاً على الغرب والأمريكان الآن، فقد أنتهى دور هذا الكيان استراتيجياً وبمقدور جميع الدول العربية الانضمام للأسواق الاقتصادية الرأسمالية والتعامل بسياسات لا تتعارض في مطلقها مع الرأسمالية كما تفعل روسيا والصين الآن ويبقى صراع قائم في إطار فكر واحد.

 

إن هذا الكيان الصهيوني أصبح صانع وداعم للإرهاب، وكل الشواهد توضح بأن الإرهاب الداعشي لم يمس مصالح هذا الكيان بل يخدمه، ولأنه كيان مارس الإرهاب أصلاً وما يزال ويخلق مزيداً من الإرهاب لاستمرار بقاءه في محيط عربي يلفظه ويرفض التعايش معه.

 

وعليه فإن أهم خطوة دولية العمل على إزالة كيان غاشم صانع للإرهاب وممارس له منذ البدء وحتى الآن، فهو الوجه الآخر لعملة الإرهاب في منطقتنا والوجه الثاني المنظمات الإرهابية ومنها داعش.

 

معتذراً عن أي تقصير لم أتطرق له في موضوع شائك أحسب أني غير قادر على تحليل كل جوانبه في هذا الوقت الضيق.

 
 
 
 
 
 

" الآراء المنشورة ليست بالضرورة تعبر عن موقف الجمعية "


نسخة سطح المكتب


جميع الحقوق محفوظه ©2017
لجمعية العمل الوطني الديمقراطي (وعد)