نهار آخر | شدوا الأحزمة وتحسسوا جيوبكم

| |
رضي الموسوي 2015-10-02 15:59:04




 

 

"سأل تاجر الفيلسوف المستنير (أوشو):هات حدثنا عن البيع والشراء. فأجاب الفيلسوف: إن الأرض تقدم لكم ثمارها، ولو عرفتم كيف تملئون أيديكم من خيراتها لما خبرتم طعم الحاجة في حياتكم. بمبادلة عطايا الأرض تحصلون على الوفرة والرضى. ولكن إن لم تتموا هذه المقايضة بروح المحبة والعدالة، فستؤدي ببعضكم إلى الطمع وبالبعض الآخر إلى المجاعة".

(من كتاب "النبي" لجبران خليل جبران)

 

كأن الفيلسوف أوشو قد تنبأ بنهايات غير محمودة لنعم طالت ولم تستثمر، فقد ساد الطمع فعشعش الفساد في كل الأركان، فما كان من الناس إلا شد أحزمة بطونهم بالطريقة التي يرغبون فيها. الطريقة هنا ليست مهمة وغير ذات قيمة إذا كان المطلوب وضع الحجر على البطون. لم نصل بعد إلى وضع الحجر وشده برباط حول الخصر، لكن الطريق إليه ليس بعيدا في ظل التخبط والضبابية التي تسود المكان. هذا المكان الجاذب للرزق يتحول الآن إلى غير طريقه. مدن طاردة لأبنائها ولزوارها، تتجمل بروح من الفكاهة السمجة التي لا تشعل في الروح سعادة، إنما تبعث كآبات متلاحقة وكأنها قدر محتوم ينبغي التسليم به.

 

ربما حان وقت الحصاد المر لما تم زرعه طوال عقود من الزمن عندما كانت المنطقة تعيش في البحبوحة والفوائض المالية والصرف بغير حساب بفضل ما أخرجته الأرض من عطايا لا تقدر بثمن، حتى جاء الوقت الذي يقف فيه الجميع أمام مفصل جديد من تاريخ هذه المنطقة، التي رغم نعمها الكثيرة، لم تعرف السلام الداخلي المتدفق من روح ليست أمارة بالسوء، ومدن ملح تنتظر اللحظة التي تذوب فيها لتتلاشى في سديم الأرض التي لم ندرك عطاياها من محبة وثروة بعدت عنها العدالة.

 

 

***

قبل عدة أسابيع، كانت بدايات تطبيق رفع الدعم عن البنزين. لم يصرخ المواطن هناك لأن دخله السنوي يبز دولا كبرى، إذ تتبوأ الإمارات مركزا مرموقا في دخل الفرد يقترب متوسطه من 50 ألف دولار سنويا. لكن مؤشر العجز في الموازنات يتجاوز الإمارات إلى دول مجلس التعاون الخليجي. ربما هو بالون اختبار يجرى في الإمارات التي هي واحدة من أغنى دول العالم وأعلاها دخلا مدعومة بمحفظة يصل حجمها قرابة تريليون دولار، وهو رقم فلكي في دولة يشكل المواطنون فيها أقلية لاتزيد نسبتهم عن 20 بالمئة من إجمالي السكان. لكن ما يمكن فهمه أن أصحاب الدخول العالية لايتأثرون بزيادة أسعار البنزين، بخلاف الجيران والعمالة الوافدة التي تسعى للحصول على الرزق وتحويل نسبة من الأجر للبلاد الأم. تلك البلاد التي تعيد تركيب سعر صرف عملاتها بما يتماشى مع الوضع المالي القائم.

 

تجربة رفع الدعم عن البنزين في الإمارات تسير بهدوء، كون المعطيات المالية تخدم المواطن، وحجم التوفير في موازنة الدعم كبير، ما يشجع الإقدام على اتخاذ خطوات من هذا النوع لمواجهة العجز الكبير الذي تمنى به الموازنة بسبب انهيار أسعار النفط إلى ما دون النصف منذ أكثر 15 شهرا.

 

من جانبها، تراقب دول مجلس التعاون الأخرى مشهد رفع الدعم وتتخذ قرارات شبيهة بطرق شتى منها زيادة الرسوم وفرض رسوم جديدة. فمنذ الأول من أكتوبر الجاري (أمس الأول) تم رفع الدعم في البحرين عن اللحوم الحمراء والبيضاء فزاد سعر الدجاج بنسبة 40 بالمئة منذ اليوم الأول لرفع الدعم، بينما ارتفع اللحم بنسبة 350 بالمئة. هذا يعني أن أسعار الوجبات السريعة وغير السريعة تأثرت ارتفاعا، في ظل جمود الأجور والرواتب. والمتداول أن الناتج من رفع الدعم عن اللحوم سيوفر على الموازنة العامة البحرينية للعامين الجاري والمقبل ما مقداره 28 مليون دينار بحريني، مقابل عجز يقدر بنحو مليار ونصف المليار دينار للعام الجاري ومثله لموازنة العام المقبل. أي أن رفع الدعم عن اللحوم لن يفضي إلى تقليص حقيقي في العجز، وربما يكون مقدمة لرفع الدعم عن المشتقات النفطية والكهرباء والماء التي يذهب النسبة العظمى من الدعم المسجل في الموازنة العامة إليها، فيما تزداد الأنباء عن اقتراب تنفيذ رفع الدعم عن هذه السلع مطلع العام المقبل وبشكل تدريجي، الأمر الذي يعني مزيد من استنزاف دخل المواطن العادي، المحدود أصلا، وانزياح كتلة كبرى من الطبقة الوسطى نحو الفئات محدودة الدخل.

 

لاشك أن مرحلة جديدة تدخل تدريجيا في مسام المواطن الخليجي الذي بعضه سيقصم ظهره، بينما سيتأثر البعض الآخر بشكل طفيف نظرا لتباين الدخول الفردية بين دول المجلس. كما أن الأسواق الداخلية ستتحرك إيجابا وسلبا نحو الأسعار الأرخص التي لم يأتها مقص رفع الدعم، وسنشهد هجرات "تسوقية" بين دول الجوار. لكن الأهم هو أن الدولة الريعية إلى اضمحلال، وان لذلك أثمان وتغيرات لا مهرب من دفعها، حتى وأن طغت بعض الفزعات الطائفية التي تريد تسميم الأجواء وتشتيت النسيج المجتمعي.

 
 
 
 
 
 

" الآراء المنشورة ليست بالضرورة تعبر عن موقف الجمعية "


نسخة سطح المكتب


جميع الحقوق محفوظه ©2017
لجمعية العمل الوطني الديمقراطي (وعد)