عين على إيران... القوة الناعمة للتاريخ

| |
أحمد عبدالأمير 2015-06-08 23:00:23




 

 

المقدمة: انه لا ينبغي أن يقتصر الأمر على تاريخ البشر وما ينتجونه من ظواهر إنسانية متعددة، وإنما من الضروري أن يمتد إلى تاريخ الأفكار. فالمعرفة ذات طابع تراكمي، وسيكون من الحماقة أن نبدأ من الصفر في التعامل مع أي مشكلة نريد حلها، أو قضية نسعى إلى الإلمام بمختلف جوانبها، بل من الضروري أن نبدأ من حيث انتهى الآخرون، ونضع لبنة جديدة فوق كل ما تركه لنا أولئك الذين سبقونا على درب العلم، من هنا فإن الإلمام بحكمة التاريخ غاية في الأهمية في معرفة ما سيأتي، أو التنبؤ به، فالماضي عنصر أساسي في تحديد المستقبل.

 

الثورة المشروطية: انفجرت التظاهرات في عام 1905م ضد نظام الأسرة القاجارية  وذلك بعد فرض ضرائب ورسوم جديدة لصالح خزينة روسيا القيصرية في محاولة من النظام القاجاري تسديد ديونه إلى روسيا وبضغط بريطاني وقد إحتجت طبقة رجال الدين وطبقة تجار طهران على فرض الضرائب الجديدة، وجاء رد حكومة الشاه سريعا حيث قامت بإعتقال مجموعة من التجار و قامت بإهانتهم في وسط االسوق القديم "البازار" في طهران مما أدى إلى تفجر إنتفاضة شعبية و غير مسبوقة شملت مختلف فئات المجتمع والمجموعات العرقية المختلفة، وطالب الثوار بسن دستور يقيد من سلطات الشاه و يؤسس لبرلمان وطني ويمنع التدخلات الأجنبية في الشأن الداخلي.

 

" الأسرة القاجارية (1785-1925م) سلالة ملكية حكمت الإمبراطورية الفارسية وشهد عهدها حروبا مع جيرانها وصراعا للنفوذ الروسي – البريطاني وقيام إنتفاضة التبغ (1891-1892م) وإكتشاف النفط (1908م) والثورة الدستورية –المشروطية- (1905-1907م) وقد سقط حكم الأسرة القاجارية في عام 1925م وذلك بإنقلاب عسكري قاده وزير الحربية رضا بهلوي والذي أعلن نفسه امبراطورا على إيران وقيام حكم الأسرة البهلوية (1925-1979م)".

 

مثلت ثورة 1906 محاولة للحد من السلطات المطلقة للملك. والمقصود من عبارة «حركة المشروطة» تعني الحد من السلطة المطلقة. قامت نخبة إيرانية بوضع الدستور و الذي أقره الشاه مظفر الدين قاجار، وفي عام 1906م تم تنظيم إنتخابات للبرلمان و تم تعيين ميرزا نصر الله خان كأول رئيس للوزراء في فارس.

 

في عام 1907م وصل إلى العرش الفارسي الشاه محمد علي شاه قاجار (حكم 1907-1909م) وقد عرفت عنه نزعته الإستبدادية و التسلطية، وقد استعان الشاه محمد علي بقوات القوزاق (2) من روسيا القيصرية وبقيادة العقيد فلاديمير ليكوف لضرب الحركة الدستورية. في عام 1908م قام القوزاق و الضباط الموالين للشاه بمحاصر طهران وقصفوا مبنى البرلمان بالمدفعية وإعتقلوا النواب "الدستوريين" و أعدموهم وعرضوا جثامينهم في وسط طهران.

 

" القوزاق هم مجموعة أثنية للسلافيين الشرقيين الذين يقطنون بجملتهم السهوب الجنوبية في شرق أوروبا وروسيا وكازاخستان وسيبيريا. وبعد خضوعهم للقياصرة بات القوزاق من أشجع الجنود وأمهر الفرسان وأسهموا كقوة موالية للقيصر الروسي في الحروب بالقوقاز وآسيا الوسطى".

 

في عام 1909م قامت قوات الدستوريين بالزحف من محافظة اذربيجان إلى العاصمة طهران وسيطروا عليها وقاموا بعزل الشاه محمد علي قاجار واعتقلوا العقيد فلاديمير ليكوف واعادوا العمل بالدستور والبرلمان.

 

نستطيع تقسيم العهد الدستوري "المشروطي" إلى ثلاث حقب رئيسية وهي:

  1. الحقبة الأولى: (1906 – 1908م) وإنتهت بقصف البرلمان وإعدام الدستوريين.
  2. الحقبة الثانية: (1909 – 1921م) وصعود رضا خان الذي اصبح في ما بعد رضا شاه الى السلطة.
  3.  الحقبة الثالثة (1941 – 1953م) و بدأت بعزل الشاه رضا بهلوي وتعيين الحلفاء في الحرب العالمية الثانية ابنه محمد رضا امبراطورا على إيران، وصدامه مع حكومة مصدق الوطنية والإنقلاب الأمريكي عليها في عام 1953م.

 

شهدت الإنتفاضة الدستورية (1905-1911م)  عدة أحداث ساهمت بإعادة تشكيل إيران وهي:

  1. إكتشاف النفط: حيث شكل ساهم إكتشاف النفط في عام 1908م في إعادة تشكيل السلطة والمجتمع ووجه أنظار القوى الغربية وخاصة الإمبراطورية البريطانية والولايات المتحدة الأمريكية إلى إيران، و تعتبر شركة النفط الأنجلو – فارسية الواجهة السياسية والإقتصادية للهيمنة البريطانية والأمريكية والتي إستمرت في تدخلها المباشر في جميع شؤون إيران بين الأعوام  1908-1950م.
  2. النفوذ البريطاني بدلا من الروسي: حيث مثلت المعاهدة الأنجلو – روسية عام 1907م تحولا نقل السلطة الحقيقية إلى بريطانيا واستمر تراجع روسيا بسبب مشاكلها الداخلية. وفي عام 1911م قام البرلمان الفارسي بتعيين الأمريكي وليام مورجان شستر مسؤولا ماليا عن الخزينة الإيرانية وقد مثل هذا التعيين بداية النفوذ البريطاني-الأمريكي المزدوج في الداخل الإيراني.
  3. سطوع النزعة القومية الفارسية: شهدت هذه الفترة سطوعا نمو النزعة القومية للفرس مما أدى إلى اصطدامهم مع باقي الأقليات العرقية وخاصة الكرد، العرب، البلوش، والأذر. مما أدى إلى ظهور النزعات الإنفصالية في المحافظات التني شكلت فيها هذه الأقليات أغلبية سكانية. وقد ساهم إكتشاف النفط  والتنمية الغير متوازنة بين باقي المحافظات والعاصمة في تعميق الفجوة والشعور بالظلم والإضطهاد، ولم تحسم هذه الحركات الإنفصالية إلا في عهد رضا بهلوي (حكم 1925 – 1941م) حيث قام وبيد من حديد بضرب جميع الحركات الإنفصالية والمطالبة بالإستقلال والحكم الذاتي وتقوية الحكومة المركزية.  ان عدم ايجاد تنمية متوازنة بين القومية (الفارسية) المسيطرة وبين سائر القوميات الايرانية (غير الفارسية) يعود مرده الي اللاتكافؤ القومي التي تكمن جذوره في الاضطهاد القومي. وكان هذا الاضطهاد نتيجة لعملية تكوين الدولة ــ الامة الحديثة بمفهومها الاحادي الفارسي وليس التعددي الايراني، حيث كانت هذه العملية مشفوعة بالقمع والعنف ضد القوميات غير الفارسية وذلك علي يد الشاه رضا البهلوي.

 

حركة محمد مصدق وجذور الثورة الإيرانية: بعد عناء طويل ومشوار عمر كامل، تمكن الرجل الستيني الحاصل على دكتوراه القانون الدولي من جامعة نيوشاتيل السويسرية والسياسي الإيراني المخضرم صاحب الشعبية الجارفة من الوصول لمقعد رئيس وزراء إيران كرجل الدولة الثاني بعد الشاه. تولى محمد مصدق رئاسة الوزراء الإيرانية في آخر أبريل لعام 1951، بعد توليه رئاسة الوزراء بيومين فقط أصدر أمرًا بتأميم شركة النفط البريطانية الإيرانية التي كانت تضخ أغلب نفط إيران لإنجلترا، وصادر الأصول وألغى امتيازات الشركة المنصوص على استمرارها تعاقدًا لأكثر من 40 عامًا أخرى، ثم بدأ برنامجًا للإصلاح الاجتماعي تمثل في دفع مساعدات بطالة وتأميم أراضي كبار الملاك الزراعية وإعادة توزيعها على صغار المزارعين وممن أممت أراضيهم عائلة الشاه نفسها، وبدأ في توجيه جزء كبير من ميزانية الدولة لإنشاء بنية تحتية تخدم عامة الشعب بشكل حديث.

 

في عام 1949م، وبنصيحة السفيرين البريطاني والأمريكي، وخوفا من التمدد الشيوعي داخل إيران،  اجتمع المجلس الدستوري الإيراني بأمر من الشاه ليقوم بتعديل الدستور الصادر سنة 1906م، وقد ترتب على هذه التعديلات إنشاء مجلس للشيوخ نصفه معين والنصف الآخر منتخب، وإنشاء مجلس أعلى للتخطيط و التنمية الإقتصادية مما عزز وقوى سلطة الشاه الشاب محمد رضا بهلوي.

 

وعندما شعر بالهزيمة تلوح جراء عدم منحه السلطات الكافية للسيطرة على الجيش والانتخابات قدم استقالته إلى الشاه الأمر الذي نتج عنه عاصفة سياسية وشعبية عنيفة راح ضحيتها الكثير من المتظاهرين وتميزت بتحالف مؤقت وعابر ولكنه مفيد بين مختلف الاتجاهات والحركات السياسية من يسارية ودينية وكان أبرزها دعم آية الله قاشاني لمصدق حين أصدر فتوى دينية بوجوب انضمام عناصر الشرطة إلى المتظاهرين ضد الشاه وإعلان العصيان المسلح وكانت هذه هي المرة الأولى التي يتدخل فيها رجل دين في الشأن السياسي الداخلي على هذا النحو وستكون هذه المرة هي المقدمة لما تلى من أحداث عاصفة في إيران في العقود التالية. وانتهت الأزمة بعودة مصدق إلى السلطة بعد لقائه بالشاه وتسليم الأخير بشروط الأول.

هذا الخط من السياسات كان كارثيًّا على المملكة المتحدة التي حاولت عزل إيران عن العالم بسبب النفط خصيصًا، وأغضب الإدارة الأمريكية، تم تشكيل فريق عمل مشترك بين الـ CIA والـ MI6  واتخذت خطوات إسقاط مصدق، وأسند قيادتها بعد ذلك لحفيد ثيودور روزفلت الرئيس الأمريكي الأسبق (كيرميت روزفلت)، وصدق الرئيس أيزنهاور على بدئها، وأطلق عليها اسم العملية (أجاكس Ajax).

 

أنفقت الأموال بسخاء على شراء كل من وما يمكن شراؤه بداخل إيران، تأليب الداخل على مصدق باستعمال الأحوال الاقتصادية الرديئة التي تسبب فيها حصار بريطانيا الدولي على طهران، وتكوين جبهة معارضة بارزة، وفض حلفائه من حوله، والضغط على الشاه بإصدار قرار بعزله من منصبه كرئيس للوزراء. مع تنفيذ عمليات اغتيال لقيادات الجبهة الوطنية (جبهة مصدق)، بعد عامين من التخطيط والتنفيذ نجحت المخابرات الأمريكية بالفعل في إسقاط مصدق عام 1953م، حيث أصدر الشاه قرارًا بعزله وتعيين الجنرال فضل الله زاهدي محله، وقصف زاهدي بالفعل منزل مصدق الذي نجح في الفرار بأعجوبة، ثم سلم نفسه ليحاكم محاكمة صورية انتهت بحكم إعدام خفف للسجن ثلاث سنوات ثم إقامة جبرية في إحدى قرى إيران مدى الحياة، وهنأ أيزنهاور الـ CIA على نجاح العملية وطلب مقابلة كيرميت ليقدم له تقريرًا تفصيليًّا عنها.

 

" ثمّ تواصلت مساعي خطة الإنقلاب بصرف مبلغ مائة وخمسين ألف دولار لرشوة خطباء مساجد الذين وصفوا مصدّق بأنه يهودي وملحد وكافر. وكما تمّ شراء صحافيين لإثارة حملة تشكيك في مصدق. وقد أصدرت بعض الصحف كاركتيرات تصور مصدّق على أنه شاذ جنسياً. إلا أن مصدق كانت لديه قناعة مطلقة في الديمقراطية وحرية التعبير لذا رفض قهر الصحافة والحريات المدنية وخرق القانون. كما تمت رشوة نواب برلمانيين لسحب الثقة من رئيس الوزراء. ولما أدرك مصدّق ذلك، دعا لإستفتاء شعبي لحل البرلمان والدعوة لإنتخابات جديدة ونجح في ذلك الإستفتاء في آب (أغسطس) 1953.
وتم إيجار عصابات شوارع بمبلغ خمسين ألف دولار لإثارة القلاقل والهجوم على منازل رجال الدين وتصوير الأمر كأنه حدث من مؤيدي مصدق. عملت تلك العصابات أيضاً على تحطيم المحال التجارية وضرب المارة وإطلاق النار على بعض المساجد. ولما أُرسلت وحدات الشرطة لحفظ النظام إنضمّ بعض ضباطها الذين تمّ شراؤهم للمتظاهرين. وتمّ إحراق دور الصحف المؤيدة للحكومة ووزارة الخارجية وقيادة الشرطة وراديو طهران.


وقد تمّ إرسال وحدة جيش مزودة بدبابات لإعتقال مصدّق إلا أن حرسه قد أبدى مقاومة سقط خلالها العشرات من الجانبين مما إضطر مصدق لتسليم نفسه. ثم أُحرق منزله بعد أن سُرقت محتوياته وأثاثه. وقد كان مصدق الحاصل على دكتوراه في القانون من إحدى جامعات أوروبا أكثر إيماناً بالديمقراطية من بريطانيا وأمريكا. وذلك لأن حزب تودة عندما تأكد من المؤامرة ضد النظام عرض عليه تسليح كوادره للدفاع عن الديمقراطية ولكنه رفض.


وقد اختير البديل الجنرال المتقاعد فضل الله زاهدي الذي تلقى مبلغ 130,000 دولار. أعلن زاهدي من راديو طهران أنه رئيس الوزراء الشرعي حسب أمر الشاه ثمّ عاد الشاه لإيران. وبعد نجاح الإنقلاب، أمر الشاه بإعدام حسين فاطمي وزير الخارجية المؤيد لمصدّق، بالإضافة إلى إعدام العشرات من مؤيدي مصدّق من العسكريين وقادة الحركة الطلابية. وكان نصيب مصدّق السجن ثلاث سنوات ثمّ الإعتقال المنزلي في إحدى القرى حتى وفاته. وكانت هذه العملية أول تجربة للسي اّي ايه لتغيير نظام من اساسه، إذ كان معظم نشاطها ينحصر في رصد النشاط الشيوعي ودعم الأحزاب المناوئة للشيوعية في أوروبا.
وقد كان نصيب أمريكا من إزاحة مصدّق الحصول على 40 في المائة من أسهم شركة النفط الإيرانية القومية من جراء مجهودها في إزاحة مصدّق. وكان نصيب بريطانيا أيضاً 40 في المائة مما يعني أقل مما إقترحه مصدق قبل إقدامه على التأميم وهو 50 في المائة لبريطانيا".

 

و من أهم نتائج إسقاط حكومة مصدق (المدنية) وأول ثورة مدنية في الشرق الأوسط تشكيل منظمة الأستخبارات والأمن الوطني (السافاك) التي حكمت إيران إلى عام 1979م وتكوين تيار ديني أقوى وأكثر رسوخًا تخلخل في البنية الاجتماعية الإيرانية أكثر وأكثر ومن ثم قيام الثورة الإيرانية (الإسلامية) كما أطلق عليها في أواخر السبعينيات.

 

 

الثورة الإيرانية و قيام الجمهورية الإسلامية: في 26 يناير من العام 1963م اطلق الشاه ما أسماه "الثورة البيضاء" و التي هدفت إلى تحصين الجبهة الداخلية في إيران ضد التمدد الشيوعي والرفع من شعبيته مقبال الأحزاب اليسارية والوطنية والملالي في مدينة قم، وتم طرح "وثيقة الثورة البيضاء" على  إستفتاء عام وحصل على 5598711 صوت بالموافقة مقابل 4115 بالرفض. و النقاط 19 في الوثيقة هي:

  1. إصلاح ملكية الأراضي وإلغاء الإقطاع.
  2. تأميم الغابات والمراعي.
  3. خصخصة الشركات الحكومية.
  4. تطبيق نظام المشاركة في أرباح مع العمال بنسبة 20%.
  5. إعطاء المرأة الحق في التصويت.
  6. تشكيل فرق محو الأمية.
  7. تشكيل فرق الخدمات الصحية.
  8. تشكيل فرق للتنمية الزراعية والتعمير.
  9. تشكيل مجالس منتخبة في كل قرية.
  10. تأميم وتنمية الموارد المائية في إيران.
  11. إطلاق مشاريع للتنمية الحضرية والريفية والإنشاءات العامة.
  12. إصلاح المناهج والنظام التعليمي.
  13. مشاركة العمال في ملكية 49% من المجمعات الصناعية.
  14. وضع برنامج  لإستقرار أسعار السلع والخدمات.
  15. توفير التعليم المجاني وإلزامي ووجبة مجانية يومية لجميع الأطفال من رياض الأطفال إلى 14 سنة من العمر.
  16. توفير الغذاء مجانا للمحتاجين من الأمهات والأطفال حديثي الولادة كل إلى سن الثانية.
  17. توفير الضمان الإجتماعي والتأمين الوطني لجميع الإيرانيين.
  18. تطبيق برنامج لضبط أسعار العقارات السكنية (تأجير وشراء).
  19. تطبيق التدابير اللازمة لمكافحة الفساد.

 

بسبب غياب الرقابة الشعبية الحقيقية على هذه المشاريع الكبرى، وقيام نظام الشاه بإفراغ الدستور من محتواه سواء بالتعديلات المتكررة التي عززت من سلطته أو بتزوير الإنتخابات مما أفقد البرلمان مصداقيته. وقد خضعت البلاد في الفترة الممتدة من (1953 إلى 1979م) للنفوذ الأمريكي مما افقد البلاد استقلاليتها وظهر النظام بمظهر المعتمد بشكل كامل على النفوذ الأمريكي. وفي عام 1964م وحديدا في عاشوراء وصف الإمام الخميني إمبراطور إيران بالرجل المسكين البائس، فتم إعتقال الإمام الخميني ونفيه، مما فجر إحتجاجات واسعة، وتدخل الجيش لضرب المتظاهرين مما أدى إلى مقتل 15000 متظاهر برصاص الجيش الإيراني. وفي عام 1967م قام الشاه بتنظيم حفل تتويج كلف الخزينة مئات الملايين من الدولارات تبعه في عام 1971م بتظيم إحتفالات مكلفة ومرهقة للخزينة بمناسبة مرور 2500 عام على تأسيس الإمبراطورية الفارسية، والذي وصفه الإمام الخميني بحفل "الشيطان".

في عام 1975م قام الشاه بتحويل البلاد إلى نظام الحزب الواحد  وتم تأسيس حزب Rastakhiz Party أو حزب العودة بقيادة رئيس الوزراء أمير عباس هويدا وتم إلغاء التعددية الحزبية وفرض على جميع الإيرانيين الإنضمام في الحزب الأوحد للدولة والقائد للمجتمع.

 

فى أكتوبر 1977 بموجه عفويه من الإحتجاجات و المظاهرات الشعبيه ضمت فى البدايه تنويعات مختلفه من مهنييى الطبقه المتوسطه و الطلاب و كانت الغالبيه منهم من القوى السياسيه العلمانيه و الليبراليه و قوى الإسلام الليبرالى , ثم بدأت الإضرابات فى المصانع و المؤسسات الحكوميه مع دخول القوى اليساريه بقوه الى ساحه التمرد و الإحتجاجات و كانت القوى اليساريه الأساسيه هى حزب توده الشيوعى "القياده التاريخيه للطبقه العامله الإيرانيه" و حركه مجاهدى خلق اليساريه.

 
تطورت هذه الإحتجاجات من مظاهرات صغيره لاتزيد عن عده الاف فى كل مدينه الى مظاهرات جماهيريه حاشده خلال 1978, و كانت البدايه عندما بدات قوات الامن بمواجهه التظاهرات بالقمع و الرصاص الحى و كانت البدايه بسقوط 70 طالب ضحيه لرصاص الأمن فى يناير 1978 , و كان وفقا للعادات الشيعية يجرى حفل تأبين في ذكرى مرور أربعين يوماً من الوفاة ، وهكذا أطلقت المساجد في كل البلاد الدعوى للمشاركة في تكريم الطلاب القتلى، واستجابت عدة مدن للنداء وسارت المظاهرات فى 20 فبراير تكريماً للقتلى واحتجاجاً على حكم الشاه بعد أربعين يوماً من الحادثه الاولى ، و هذه المرة وقعت أعمال العنف من جانب الامن في مدينه تبريز، وقتل هذه المره المئات من المتظاهرين ، وتكررت الحلقة مرة أخرى في 29 مارس فى الذكرى الأربعين الجديده للشهداء الجدد ، حيث وقعت جولة جديدة من الاحتجاج في سائر البلاد، وهوجمت الفنادق الفارهة ودور السينما والبنوك والمكاتب الحكوميه وغيرها من رموز نظام الشاه، وتدخلت قوات الأمن مرة أخرى، وقتلت المئات من المتظاهرين ، وتكرر الأمر نفسه في التأبين الأربعينى لهم فى العاشر من مايو.

و استمر القمع الوحشى لنظام الشاه ليحصد أكثر من 400 شخص قضوا في حريق سينما ريكس، وهو حريق متعمد وقع في أغسطس 1978في عبدان، ورغم أن دور العرض السينمائي كانت هدفاً مستمراً للمتظاهرين الإسلاميين فقد بلغ انعدام ثقة الجماهير بالنظام حداً جعل الجماهير ترى أن السافاك كان وراء الحادث في محاولة منه لتقسيم المعارضة. في اليوم التالي تجمع 10.000 من أقارب القتلى والمتعاطفين لتشييع جماعي حاشد ومظاهرة "تنادي ليحترق الشاه و الشاه هو المذنب".

و كان الشاه فى محاوله للسيطره على التضخم و الزياده فى الأسعار قد بدأ فى صيف 1978 فى إتباع سياسات تقشفيه و تقليل فى الإنفاق الحكومى , و لكن أثر هذه السياسات بالرغم من حدها لإرتفاع الأسعار كان زياده فى تسريح للعماله الغير مثبته خاصه بين العماله الغير ماهره فى المدن الكبيره , و قد أنضم مئات الالاف من هؤلاء للمظاهرات ليكسبوها زخماً جديداً , و هكذا مع حلول سبتمبر، كان الصراع الطبقى كان أحتدم ، وتحولت المظاهرات الحاشدة إلى أحداث منتظمة يشارك فيها مئات الالاف من المتظاهرين ، وفرض الشاه الأحكام العرفية كرد فعل، وحظرت كل التظاهرات.

وفي يوم الجمعة 8 سبتمبر 1978، خرجت مظاهرة مليونيه حاشدة في طهران لتحدى هذا القانون ، إنها المظاهرة التي حولت ذلك اليوم إلى ما بات يعرف اليوم باسم الجمعة الأسود.حيث أطلقت ميليشيات الأكراد التابعه لنظام الشاه النار على المتظاهرين و تسببت فى سقوط مئات القتلى ، و ظهرت حكومة الشاه بصورة الحكومة الوحشية الملطخه بالدماء مما أبعد عنها الكثير من الإيرانيين الموالين للنظام والكثير من الحلفاء والمؤيدين لها في الخارج.

و كانت الضربه القاصمه للنظام على يد الطبقه العامله في أكتوبر 1978, حيث أضرب بشكل متزامن مئات الألاف من عمال البنوك و المصانع و السكه الحديد و المواصلات و الموانى و المؤسسات الحكوميه و الشركات مما أدى إلى شل الاقتصاد والصناعات الحيوية التي أغلقت أبوابها و كان إضراب عمال البترول أخيراً الضربه القاضيه التى حسمت مصير الشاه.

حيث بلغت الاحتجاجات ذروتها في ديسمبر 1978، خلال شهر محرم أحد أهم الشهور لدى المسلمين الشيعة. وفي 12 ديسمبر خرج إلى شوارع طهران نحو مليوني شخص مطالبين برحيل الشاه وعودة الخميني , و فى النهايه و بعد تزايد الضغط الشعبى الى أقصاه أستجاب الشاه الى طلب رئيس وزراؤه شابور بختيار بالرحيل و في 16 يناير 1979 غادر الشاه والملكة إيران , و عاد الخمينى الى إيران من المنفى فى الاول من فبراير 1979و كان فى إستقباله فى المطار 3 مليون إيرانى.

 من أهم أسباب نجاح ثورة 1979م في إيران:

  1. تنظيم المظاهرات التي بدأت و إستغلال جميع المناسبات للتظاهر سواء كانت دينية أو وطنية.
  2. تطبيق الإضرابات العامة والعصيان المدني على نطاق واسع جعل الدولة برمتها غير خاضعة لسيطرة النظام. شملت الإضرابات المؤسسات الكبرى كالنفط والطاقة والنقليات. لم يستطيع الشاه سجن العمال لأنه كان بحاجة لعملهم، أرسل الشاه الجيش لإجبار العمال على العودة للعمل لكنه لم يفلح في إرغامهم على الإنتاج، وبعد مرور مدة قصيرة كان العمال يبدؤون إضراباً جديداً وهكذا.
  3. طبقت المعارضة استراتيجية تآخي (مع الموالين للنظام وقوات الأمن) على نطاق واسع، وتعمدت عدم استفزاز رجال الأمن (سواء في الهتافات أو النشاطات) وأرسل الناشطون رسائل التآخي ودعوهم للانضمام إلى الشعب وقدموا لهم الورود خلال التظاهر. كان لهذه الاستراتيجية دور كبير في تزايد الانشقاقات، وتزايد عدد المنضمين للثورة، وتقليل عدد الضحايا بشكل كبير. 
  4. نظمت المعارضة أيضاً استراتيجية فعالة لحماية عناصر الأمن والجيش المنشقين دون تسليحهم (تهريب العسكريين وتوفير لباس مدني ومخبأ).
  5. تزامنت الثورة الإيرانية السلمية مع ظهور معارضة مسلحة نظمت هجمات نوعية ضد النظام. لكن نظام الشاه استطاع ضرب هذه الحركات وإرهاقها واستغلها في كثير من الأحيان كذريعة لقمع التظاهر السلمي، كما أن هذه الحركات فشلت في حشد دعم واسع لها بالمقارنة مع الحراك السلمي (خمسون ألف مسلح مقارنة مع عدة ملايين متظاهر سلمي).
  6. عانت المعارضة المسلحة من انشقاقات واقتتالات فيما بينها وتناقص دورها تدريجياً مع تقدم الثورة.
  7. استطاعت الثورة السلمية حشد أعداد هائلة من الثوار (من مليونين إلى ست ملايين) شملت جميع أطياف المجتمع (نساء رجال شباب شيوخ مدرسون مثقفون فنانون ممثلون الخ). استفادت هذه الجماهير من شبكة المساجد للتواصل والانطلاق.  
  8. استفاد الإيرانيون من وجود شخصية معارضة كالخميني تستمع لها الجماهير، وكان لتبني الخميني مبدأ العمل السلمي (ولو على شكل تكتيك كما تبين من خطاباته) دور كبير في نجاح هذا الأسلوب.
  9. كان للحركات المسلحة في آخر أيام الثورة دور في القضاء على محاولات الجيش الإمبراطوري السيطرة على الحكم، لكن ثمة دراسات تشير إلى أن سقوط النظام كان واقعاً خصوصاً بعد رحيل الشاه، وقد أدى تدخل الحركات المسلحة خلال يومين فقط إلى وقوع عدد كبير جداً من الضحايا (من مئات إلى آلاف) فاق أي مرحلة من مراحل الثورة السلمية.  
  10. وقف الجيش مع الشاه طول الثورة، وفي حالات كثيرة اقتحمت دباباته ومدرعاته وجنوده المدن وحاصرتها وسيطرت عليها. الجيش اضطر للوقوف على الحياد بعد سقوط نظام الشاه. 

 

الخلاصة: في هذه الورقة محاولة لفهم إيران وقد تعرفنا ومن خلال السرد التاريخي لأهم ثلاثة أحداث شكلت إيران المعاصرة وزرعت البذور التي شكلت النظام الإيراني الحالي وتوجهاته إتجاه المجتمع الدولي وجيرانه. ان التوجهات العدائية لإيران كما يدعي البعض قد يجد البعض الآخر المبرر لها خاصة وعند الإطلاع على آخر قرن من عمر إيران حيث شكلت محطة لأطماع جميع القوى الإستعمارية وساحة لتصفية الحسابات خلال الحرب الباردة من خلال نخبة حاكمة وضعت نفسها  رهن إشارة القوى الغربية.

 

ان إيران لا تشكل خطرًا على الاقليم، فالخطر على ايران والاقليم على حد سواء يأتي أولًا من الفساد الحكومي الداخلي وغياب العدالة واضطهاد المواطنين؛ وثانياً من التواجد العسكري الأمريكي في المنطقة؛ وثالثًا من تطبيع الدول العربية لعلاقاتها مع الصهاينة والسماح لهم بالحضور والتواجد في بعض الاجتماعات والمؤتمرات. هذه هي المصادر الرئيسة للخطر على الوطن العربي.

 

*قدمت هذه الورقة في الحلقة النقاشية "عين على إيران"بتنظيم المكتب الشبابي لجمعية وعد 

 
 
 
 
 
 

" الآراء المنشورة ليست بالضرورة تعبر عن موقف الجمعية "


نسخة سطح المكتب


جميع الحقوق محفوظه ©2017
لجمعية العمل الوطني الديمقراطي (وعد)