الوسط:عبدالحسين شعبان يحكي قصة «عبدالرحمن النعيمي» في كتابه «الرائي والمرئي والرؤية»

| |
2015-04-08 00:41:53




 

 

لم يترجّل ورحل مثل نخلة بحرينية باسقة... عبدالحسين شعبان يحكي قصة «عبدالرحمن النعيمي» في كتابه «الرائي والمرئي والرؤية»

 

 

«شعوري بالواجب الأخلاقي والصداقي يدفعني لاستذكاره بهذه المناسبة الحزينة»، هكذا قال المفكر والباحث عبدالحسين شعبان وهو يبعث بمقدمة كتابه «عبدالرحمن النعيمي الرائي والمرئي والرؤية» لـ «الوسط»، بالتزامن مع الذكرى الثامنة لغيبوبة الراحل المناضل «أبوأمل» والتي تصادف ذكراها يوم (6 أبريل/ نيسان 2007).

وبقراءتك لمقدمة الكتاب، تستشعر لدى شعبان مزيجاً من الحزن على رحيل رفيق عمرٍ ونضال وحياة، لكنه مطعم باشتياق المحبين، تتلمس في كلماته اعتزازاً بأبي أمل الإنسان والمناضل والصديق والأخ.

تتبعك لكلمات المفكر شعبان عن الراحل النعيمي يرسم للقارئ لوحة بيد فنان مرهف الإحساس تتناوب فيه علامات الجدة والرصانة جنباً إلى جنب مع عبارات الاشتياق والود والحب إلى حد الثمل، أراد شعبان اختزالها في عبارة واحدة، فلم يجد أبلغ من عبارة ملهمة تختزل كل الكلمات والمشاعر وسيل الذكريات «عبد الرحمن النعيمي سلاماً... سعيد سيف اشتياقاً».

وعن محتوى كتاب المفكر والباحث عبدالحسين شعبان، «الرائي والمرئي والرؤية»، فهو يضم خمس مساهمات، الأولى كانت الكلمة التي ألقاها شعبان في المنامة في العام 2007 حين أقيمت للنعيمي أمسية تكريمية بعد أن دخل في غيبوبة وقد نشرت بعنوان: هنا الوردة فلنرقص هنا. أما الثانية فهي استعادة الأولى بعد أن طلبت صحيفة السفير اللبنانية من الكاتب كتابة مادة عن عبدالرحمن النعيمي بعد رحيله، وقد نشرت بعنوان (عبدالرحمن النعيمي سلاماً... سعيد سيف اشتياقاً)، وذلك في العدد 11986 بتاريخ 14 سبتمبر/ أيلول 2011، واشتملت على اثنتي عشرة محطة جمعت الراحل بالكاتب.

وكانت المساهمة الثالثة بعنوان: عبدالرحمن النعيمي - الرجل الذي مشى بوجه الريح «سيمفونية الرحيل»، وهي كلمة ألقاها الكاتب في أربعينية الراحل في المنامة باسم أصدقاء عبدالرحمن النعيمي، العرب وذلك بتاريخ 10 أكتوبر/ تشرين الأول 2011.

وحملت المساهمة الرابعة عنوان «اليساري الأكثر اعتدالاً - حين يعجن وسيلته بالغاية» وذلك بمناسبة مرور عامين على رحيله، حيث أقيمت له ندوة كبرى في بيروت يوم 15 ديسمبر/ كانون الأول 2013، وقد نشرت في مجلة المستقبل العربي، التي يصدرها مركز دراسات الوحدة العربية، العدد 425 في يوليو/ تموز 2014.

وجاءت المساهمة الخامسة بعنوان «عبدالرحمن النعيمي: في مسألة الهويَّة وتوابعها» وذلك في مؤتمر التأم في بيروت بمبادرة من منتدى عبدالرحمن النعيمي، بتاريخ 20 ديسمبر 2014، واشتمل الكتاب أيضاً على نبذة مختصرة عن الراحل، وهي عبارة عن بطاقة شخصية تعريفية، كما تضمن سطوراً عن الكاتب.

وفي مقدمة كتابه، يقول شعبان: «في آخر مرّة أكحّل عيني بمرآه الجميل، زرته في بيته في منطقة قلالي في البحرين بعد أن كان قد مضى على غيبوبته أكثر من عام. كان معي صديقه الصدوق عبدالنبي العكري «حسين موسى». كانت عيناه المشعتان هما وحدهما، اللتان تتحركان يميناً ويساراً، وكان مسجّى وبقربه ممرّضة ومعه رفيقة عمره السيدة مريم «أم أمل». قالت لي أم أمل كلِّمه عسى أن يسمعك وربما يردّ عليك ويكون ردّ فعله انفعالياً كما يعتقد بعض الأطباء، وإن كان الاحتمال ضعيفاً جداً، بل يكاد يكون مستحيلاً، لكي ينهض من غيبوبته».

وأضاف شعبان: «قلت له أنا فلان واقتربت من أذنه كأنني أريد أن أختصر المسافة وبصوتي العالي، ناديته «سعيد سيف» ألا تستيقظ لقد جئت لزيارتك، هل تتذكر يا أبا أمل أيام الشام الحبيبة، وكرّرت ذلك مرات عدّة ووضعت يدي على رأسه وقبلته، ثم دخلت في حالة حزن مريع لدرجة الاختناق، فقد تيقّنت أن الجسد يذبل، وأن موعد الرحيل قد لا يكون بعيداً».

وأردف «شعرت أن هذا آخر لقاء، وأنا الذي كنت أحرص على التواصل مع الأصدقاء، فهم ثروتي الكبيرة في هذا العالم، لكنني في الوقت نفسه لم أكن أحتمل أن أرى أصدقائي وهم في حالة ضعف، كنت أريدهم وهم بتوقّدهم وحيويتهم وكبريائهم، فالمرض حين يتمكّن من إنسان يقعده ويشغله بل ويذلّه، وأنا أرفض أن أرى أصدقائي وهم في وضع غير قادرين فيه على مجابهة هذا الغادر الذي يتسلل إلينا، على نحو ماكر وبطريقة مراوغة وخادعة، محاولاً القضاء على مصادر قوتنا، وإبعادنا عن أصدقائنا وأهلنا ومحبينا».

وتابع «بعد نحو ثلاث سنوات، وكنت خلالها قد زرت البحرين مرات عدّة، لكنني لم أرغب في زيارته، فقد اكتفيت بمهاتفة رفيقة حياته والسؤال من أصدقائه فيما إذا كانت هناك بادرة أمل، فقد كنت كما كان غيري يائساً من إمكانية شفائه على رغم العناية الذي بُذلت لعلاجه في الرياض والمنامة، ولكن تلك الغيبوبة اللعينة، كانت قد تمكّنت منه وطرحته أرضاً، وكان قبلها منهكاً لدرجة كبيرة، إلى أن غيّبه الموت».

وواصل شعبان «هكذا اختفى وكأنه شعاع قد انطفأ، لكنه لم يغب عنا ذاكرة وذكرى ووجداناً ، بقيمه وسمو روحه، فقد بقيت إلى الآن أشعر أنني فيما أكتب وأنشر أجده قريباً مني، ناقداً لي، محاوراً في أمور كثيرة. شعرت أنني أخسر أخاً وصديقاً عزيزاً وكريماً، وصدق من قال: «ربّ أخ لم تلده أمك»، فقد كان في القلب والعقل والوجدان والروح.

وذكر «لم يكن المناضلون التقدميون، قوميون ويساريون، هم وحدهم من شعروا بخسارة أبوأمل، بل إن الإسلاميين عبّروا عن حزنهم الوافر برحيله، وجاء في نعي جمعية الوفاق أنها تطالب بأن «يأخذ النعيمي ما يستحقه من مكانة وطنية بعد رحيله، لأنه عانى أثناء مسيرته الوطنية، بسبب مواقفه الوطنية المشرّفة في مطالبته بالحقوق والعدالة لكل أبناء وطنه بلا استثناء وتمييز وظلم لأحد...» كما دعت الجمعية إلى المشاركة الفاعلة في تشييعه في مقبرة المحرّق.

وأشار إلى أن «عاهل البلاد حضرة صاحب الجلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة كان قد بعث برقية تعزية حارة إلى عائلة الفقيد ضمنها المواساة بوفاة المغفور له داعياً له المولى العلي القدير أن يتغمّده بواسع رحمته ورضوانه ويسكنه فسيح جنّاته، متمنياً أن يلهم العائلة الصبر وحسن العزاء».

وأفاد شعبان «كم كان صعباً ومؤلماً أن تتلقّى نبأ فقدان رفيق درب وصديق فكر وزميل حرف وكلمة، ولكن لا أحد يستطيع تغيير سنن الحياة، فهي منذ الأزل وإلى ما شاءت الخليقة، منشغلة بفكرة الموت باعتباره الحقيقة المطلقة، مثل التغيير، وكم كان جلجامش حزيناً في بحثه عن فكرة الخلود بعد موت صديقه أنكيدو».

وشدد «لم يردّ الإساءة بالإساءة، بل كان يغضّ النظر عنها ويتعامل غالباً بالتسامح ولديه ميل شديد للوسطية والاعتدال، وقد تعزّزت هذه النزعة عنده مع مرور الأيام وبحكم مسئولياته، من دون أن يعني تخلّيه عن قيمه العروبية اليسارية ودفاعه عن الحقوق والحريات ومصالح الفقراء والكادحين. وفي ميدان إدارته واستضافته لقوى وحركات التحرّر الوطني في دمشق، كان رأيه جامعاً وكان يحاول التوفيق بين الآراء، حتى وإن احتفظ بصوته الخاص».

وذكر أن «النعيمي كان يعتزّ بانتمائه البحريني العروبي، ولم أشعر خلال زمالتي معه التي امتدت لثلاثة عقود ونصف أي مَيْلٍ أو انحياز أو ميزٍ طائفي أو مذهبي لديه. كان يشعر بأهمية وجود إسلاميين أو متدينين في الساحة السياسية، لكنه كان عابراً للطائفية والطوائفية، وينظر إلى البشر باعتبارهم بشراً متساوين في الحرية والكرامة الإنسانية، وهو حين ينظر إلى الإسلام باعتباره حضارة لهذه الأمة ويمثل أحد أركان هوّيتها، فإنه يعطيه موقعه المتميز في دائرة العروبة، إذ كان طموحه في أن يكون عامل تغيير، بمعنى انحيازه إلى المظلومين والكادحين أصحاب المصلحة الحقيقية في التحوّل الذي ينشده».

وأكمل «أُعجبتُ بعلاقته مع عائلته، التي كانت أقرب إلى خلية نحل، فالكل يكتب ويطبع ويصحح ويرزم ويتعاون على إعداد المائدة وغسل الصحون وتحضير القهوة وتقديم الحلوى البحرينية، وكان مجلسه لا يخلو من القهوة الشقراء والحلوى البحرينية البرتقالية. كان جو الحب والمرح يملأ حياة عائلته الجميلة المتواضعة الصميمية. ولعلّ هذا جزء من موقفه من المرأة التي كان يحترمها كثيراً ويضعها في المقدمة دائماً لشعوره بحجم التمييز الواقع عليها».

وتابع المفكر والباحث شعبان «لم يترجّل النعيمي ورحل مثل نخلة بحرينية باسقة، فقد مات واقفاً كما يقال، وفياً لشعب أحبه ومنحه هذا الأخير كل الاحترام والاعتزاز والتقدير. أستعيد بهذه المناسبة ما قاله انجلز على قبر ماركس في مقبرة هاي غيت بلندن بعد رحيله في 14 آذار (مارس) العام 1883: لقد كان له خصوم كثيرون، لكنه لم يكن له عدو واحد، لأنه كان بعيداً عن الكراهية والحقد، بل كان داعياً للوئام والتوافق مع الاختلاف والتناقض، فقد آمن بجوار الأضداد، مثلما كان يؤمن بإمكانية إيجاد مشتركات حتى بين المختلفات، وتلك سمة عبدالرحمانية أو سمة سعيد سيفية ولنقل سمة «نعيمية»، إضافة إلى كاريزمية قيادية متميّزة، حيث كان جديراً بكسب ود الأصدقاء واستشارتهم في أمور عامة وخاصة، وبالطبع فإن مثل هذا النهج التصالحي كان يقلّل من كيدية الخصوم ويخفّف من غلوائهم».

 

 

 

حسن المدحوب - صحيفة الوسط البحرينية - العدد 4595 - الثلثاء 07 أبريل 2015م الموافق 17 جمادى الآخرة 1436هـ

 
 
 
 
 
 

" الآراء المنشورة ليست بالضرورة تعبر عن موقف الجمعية "


نسخة سطح المكتب


جميع الحقوق محفوظه ©2017
لجمعية العمل الوطني الديمقراطي (وعد)