مقارنة بين برنامج عمل الحكومة والبرامج الحكومية العربية

| |
عبدالله جناحي 2015-03-03 20:35:57


عرضت الحكومة برنامج عملها للأعوام 2015 ـ 2018 وتم اعتماده، والمطلوب الآن تحويل هذا البرنامج العام والنظري إلى أفعال وتنفيذه على أرض الواقع، ومن المفيد في هذا المقام أن نقارن هذا البرنامج ببعض البرامج للحكومات العربية وذلك لعدة أسباب منها منهجية إعداد البرامج الحكومية المعروضة على المجالس النيابية، واستيعاب الفروقات الجوهرية فيما بينها، ومعرفة الأدق والأفضل منها.

 

وفي هذا المقال سيتم مقارنة برنامج عمل حكومة البحرين بكل من برنامجي العمل في المغرب والأردن نظراً لتشابه الكثير من أنظمتها السياسية، وبعض التوجهات الاقتصادية والاجتماعية، رغم وجود تمايزات كثيرة بسبب نوعية الاقتصاد فيهما والمساحات الجغرافية الشاسعة والمتنوعة للمغرب والأردن قياساً للبحرين.

 

يتوضح من المقارنة العامة بين برنامج العمل البحريني والمغربي بأنهما غارقان في العموميات والعناوين الكبرى و"الينبغيات" بدلاً من التفاصيل الدقيقة الموجودة في برنامج العمل الأردني.

 

يبدأ البرنامج البحريني في مقدمته عرض فقرات تفاؤلية حول التنمية الاجتماعية والاقتصادية الشاملة من الزيادة السنوية للناتج القومي بمعدلات بين 4 إلى 5% ويعتبرها من المعدلات الجيدة على المستوى العالمي، وأن برامج إصلاح قطاعات العمل والتعليم والاقتصاد والاستثمار أدت إلى نمو الاقتصاد في العقد السابق حوالي 70% وانخفاض البطالة إلى حوالي 4%، كما رأى هذا البرنامج أن الصادرات غير النفطية قد تضاعفت وزادت مساهمتها في الناتج الإجمالي المحلي، رغم إن الاستراتيجية الاقتصادية الوطنية وبعض إحصاءات منظمة العمل الدولية والمنظمات الدولية الأخرى تشير إلى عكس ذلك.

 

ومن الأرقام التفاؤلية الموجودة في هذا البرنامج بأن دخل المواطن البحريني من الناتج المحلي قد شهد ارتفاعاً حيث بلغ في عام 2009 نحو 18.7 ألف دولار سنوياً، حتى وصل في العام 2013 إلى 24.154 ألف دولار، ما يعني أن البحرين قد أصبحت في فئة البلدان عالية الدخل وفقاً للمعايير الدولية، ويجعلها تتفوق بمعدل يقارب الضعف على المعدل العالمي البالغ 13 ألف دولار لدخل الفرد.

 

وأكد البرنامج جودة الخدمات الحكومية المقدمة في مجال التعليم والصحة والإسكان والبنية التحتية وتشجيع القطاع الخاص للمساهمة في التنمية الاقتصادية والاجتماعية وكلها في تحسن مستمر، رغم المؤشرات والانتقادات التي ترى بأن الدخول الفردية وجودة الخدمات في جمود إن لم نقل في تراجع وليس في تقدم.

 

وبعد هذه المقدمة التفاؤلية يعرض البرنامج أبرز التحديات السياسية والاقتصادية والمتمثلة في الوضع الإقليمي المتوتر وتزايد خطر الارهاب والأحداث الداخلية منذ العام 2011م والتي أثرت سلباً على جهود جذب الاستثمار، ومحدودية الموارد الطبيعية من الأراضي والمشتقات النفطية والمياه والأراضي الزراعية، مع زيادة في الاستهلاك للمواد الغذائية، أو النضوب المتوقع لحقول النفط والغاز الطبيعي، وتزايد الطلب على الموارد المائية في ظل استنزاف المياه الجوفية، أما التحدي الثالث فيتمثل في ارتفاع الدين العام والعجز المالي في ميزانية الدولة نتيجة تخصيص اعتمادات مالية كبيرة في دعم السلع الغذائية والطاقة والمحروقات ومواجهة التحديات الأمنية، إضافة إلى الاعتماد الأساسي على الإيرادات النفطية حيث تمثل حوالي 86% من الإيرادات العامة مع التأثيرات السلبية المتوقعة نتيجة انخفاض أسعار النفط، والتحدي الرابع يتمثل في العجز الاكتواري لنظام التأمين الاجتماعي وزيادته بسبب الزيادة الكبيرة في المستحقات التقاعدية مقابل ما يدفعه المساهمون في هذا النظام، والتحدي الأخير هو التأثيرات السلبية للأزمة المالية العالمية عام 2008، وبالأخص في المشروعات العقارية، وبعض الصناعات الرئيسية مثل الألمنيوم وتراجع الاستثمار في الكثير من المشروعات التي يقوم بها القطاع الخاص.

 

وتتوضح من كل هذه التحديات مدى تأكيدها على نقيض اللغة التفاؤلية المطروحة في مقدمة البرنامج، وإن معظمها ـ إن لم نقل كلها ـ تشير إلى انخفاض الصادرات غير النفطية، وعدم قدرة القطاع الخاص المساهمة في التنمية بسبب الأحداث الأمنية وعدم جذب الاستثمارات وتراجعها بسبب الأزمات السياسية والاقتصادية، المحلية والإقليمية والعالمية، وهذا ما يعني زيادة في البطالة وانخفاض في الدخل الفردي.

 

وبعد سرد هذه التحديات يتوسع البرنامج في تفاصيل نظرية وبلغة تستخدم (سنعمل، سنطور، سنعزز، سنتابع، سنواصل، سننفذ، سنحقق، سنسعى ... ألخ) ويقدم البرنامج ضمن هذا السياق اللغوي العام أهم الأولويات الاستراتيجية لبرنامج الحكومة والمتمثلة في تعزيز الأمن والاستقرار والنظام الديمقراطي والعلاقات الخارجية، وترسيخ اقتصاد قوي ومتنوع ونظام مالي ونقدي مستقر، وتمكين البحرينيين لرفع مساهمتهم في عملية التنمية، وتأمين بنية تحتية داعمة للنمو الاقتصادي المستدام، والإدارة للموارد المستدامة الاستراتيجية مع تأمين التنمية الحضرية المستدامة، وأخيراً تعزيز فعالية وكفاءه الأداء الحكومي.

 

برنامج عمل حكومة المغرب: 

 

المفارقة الكبرى في برنامج المغرب بأنها شبيهة في لغته وعمومياته ببرنامج البحرين، رغم أنه المفترض أن يكون أكثر تفصيلاً ووضوحاً خاصة بوجود حكومة قادمة من صناديق الاقتراع بعد استفتاء على دستور جديد تم بموجبه تعيين الملك المغربي لرئيس الحكومة الذي قام بتشكيل حكومته من الأغلبية المنتخبة القائمة على برامج تعاقدية انتخابية لأحزاب التحالف الحكومي. غير إن مضمون البرنامج جاء أيضاً في عموميات وأكد على أنه يهدف إلى تحقيق الأولويات التالية:

تعزيز الهوية الوطنية الموحدة وصيانة تلاحم وتنوع مكوناتها والانفتاح على الثقافات والحضارات من خلال التشبث بالمرجعية الدينية وتعزيز مواطنة متساوية، وإطلاق سياسه لغوية لتقوية النسيج اللغوي الوطني والانفتاح على اللغات الأجنبية، واعتماد سياسات ثقافية وإعلامية وفنية تعزز الحرية والمسؤولية والإبداع. أما الأولوية الثانية فتركز على ترسيخ دولة القانون والحكامة الرشيدة الضامنة للكرامة والحقوق والحريات والأمن عبر الاستناد على المواطنة الحقة وربط المسؤولية بالمحاسبة والحقوق والواجبات، وذلك من خلال تعزيز التشاركية الديمقراطية، وإقامة علاقات مبنية على الاحترام المتبادل مع المعارضة وتمكينها للقيام بمهامها على الوحه الأكمل، وإصلاح المنظومة الانتخابية بهدف تطوير آليات المنافسة السياسية الحرة والنزيهة والتي تعبر عن إرادة الناخبين وتؤسس للتمثيل الديمقراطي، والإصلاح العميق والشامل لمنظومة العدالة بهدف تعزيز المكانة الدستورية للقضاء ووصوله إلى سلطة مستقلة، وغيرها من الإجراءات التي أسردت بعموميات ودون توضيح للطرق والوسائل ونوعية وماهية هذه الإصلاحات، وفي ذات السياق قدمت الأولويات الأخرى، كمواصلة بناء اقتصاد وطني قوي متنوع الروافد القطاعية وتنافسي ومنتج للثروة وللشغل اللائق وسياسة اقتصادية ضامنة للتوزيع العادل لثمار النمو، وتطوير وتفعيل البرامج الاجتماعية بما يضمن الولوج العادل إلى الخدمات الأساسية خصوصاً التعليم والصحة والسكن وبما يضمن تكافؤ الفرص للمواطنين والفئات، وفي هذا المجال أشار البرنامج لبعض الأرقام البسيطة مثل توقع زيادة عدد الطلبة في الجامعات بنحو 60% للعامين القادمين 2015 ـ 2016 مقارنة مع عدد الطلبة المسجلين سنة 2011 ـ 2012، وإن الحكومة "ستعمل" على تقليص العجز في توفير السكن من 840 ألف وحدة إلى 400 ألف وحدة سكنية، والعمل على تخفيض معدل البطالة إلى 8% في 2016م، والعمل على إنشاء صندوق للضمان الاجتماعي للمعوزين، وتوسيع التأمين الصحي الإجباري ليشمل العاملين بالقطاع الخاص والمهن الحرة والتجار والصناع التقليديين والطلبة والمشتغلين الذاتيين، وتخفيض قسط التكاليف التي تتحملها الأسر في تمويل الصحة،والأولوية الخامسة والأخيرة تتمثل في تعزيز التفاعل الإيجابي مع المحيط الجهوي والعالمي وتقوية الأداء العمومي لخدمة المغاربة المقيمين في الخارج، والوصول إلى حل سياسي نهائي في قضية الصحراء المغربية.

 

برنامج عمل الحكومة الأردنية: 

 

وهو البرنامج الذي عرضه رئيس الحكومة على مجلس النواب للأعوام 2013 ـ 2016م، ويتميز عكس البرنامجين البحريني والمغربي بالتفاصيل الدقيقة والإحصاءات الشاملة من مقدمته وحتى خاتمته، فعلى صعيد التحديات التي تواجه الأردن تراجع وتيرة النمو الاقتصادي ليصل إلى 3.3%، وعجز في الموازنة العامة بسبب تزايد الانفاق العام بشكل أكبر من زيادة الإيرادات العامة، حيث نما عجز الموازنة بعد المساعدات بنسبة 30.7% في عام 2012 مقارنة مع عام 2011م وليشكل ما نسبته 8.2% من الناتج المحلي الاجمالي، وارتفاع المديونية وعجز الحساب الجاري، وارتفاع معدلات البطالة ومعدلات الفقر، حيث كشف البرنامج كل هذه العجوزات بالأرقام المقارنة من عام إلى عام. وعند الدخول في تفاصيل البرنامج يسرد الإجراءات التنفيذية التي ستقوم بها الحكومة وبشكل واضح وبتفصيل، ومن خلال مؤشرات إحصائية وتوقعات مستقبلية يبدأ بأرقام عام 2012م الفعلية ثم أرقام كل سنة من سنوات البرنامج 

 

وذلك من 2013 ولغاية 2016م، وفي كل القطاعات والحسابات الحكومية سواء الناتج المحلي الاجمالي، معدل التضخم، عدد السكان، معدل البطالة، نسبة الفقر، الإيرادات، الضرائب، النفقات العامة والجارية، العجز،عرض النقد وصافي الأصول الأجنبية والمحلية، الحساب الجاري، الميزان التجاري، الصادرات والواردات، التحويلات ومساهمة القطاعات الاقتصادية المتوقعة لهذه الأعوام.

 

إن قوة البرنامج الأردني تتوضح في وجود منهجية اقتصادية قياسية لكل مفاصل الحياة في الأردن مطعمة بأهداف وتوجهات وسياسات وإجراءات مقترحة، إضافة لمؤشرات قياس الأداء في كل هذه المفاصل للأعوام المرتبطة بعمل الحكومة في هذا البرنامج ونظراً لضخامة هذا البرنامج فسوف يتطرق هذا المقال لنموذجين فقط من عشرات النماذج الموجودة بنفس المنهجية، فعلى صعيد قطاع السياحة والآثار مثلاً يبدأ البرنامج في شرح أنواع السياحة في الأردن كالسياحة الدينية والبيئية وسياحة المغامرات والأنشطة والمؤتمرات والتراث الثقافي والسياحة الاستشفائية والرحلات البحرية والسياحة العلميةوالأكاديمية والتعليمية والمهرجانات الفنية والثقافية والرياضة والاستجمام والإجازات، ثم يشرح التوجهات المستقبلية فالسياسات والإجراءات المقترحة، وأخيراً مؤشرات قياس الأداء سواء في حجم الاستثمارات في السياحة للسنوات القادمة والدخل السياحي وأعداد السواح وحجم العمالة المباشرة في كل سنة من سنوات البرنامج. والنموذج الثاني في قطاع التشغيل والتدريب المهني والتقني حيث يبدأ البرنامج بنفس منهجية باقي القطاعات، وان التوجهات المستقبلية هي خفض نسب البطالة لتصل إلى 11% عام 2011 ومتطلبات نجاح ذلك من خلال إيجاد فرص عمل صافية للأردنيين بمعدل 60 ألف فرصة عمل سنوياً، والاحلال التدريجي للعمالة الوافدة بعمالة أردنية، ويقدم البرنامج في هذا المجال مؤشرات قياس الأداء من نسبة البطالة المتوقعة في كل سنة من سنوات البرنامج ونسبة العمالة الوافدة وفرص العمل المستحدثة للأردنيين سنوياً والمشاركة الاقتصادية للمرأة ونسبة العاملين إلى السكان في سن العمل ونسبة العاملين المشمولين في الضمان الاجتماعي، ثم ينتقل إلى المزيد من التفاصيل القياسية حسب كل محافظة من المحافظات الأردنية المكونة من 12 محافظة. وهكذا يتوسع البرنامج بذات المنهجية في جميع القطاعات الأخرى، إضافة لشرح تفصيلي للملفات الاقتصادية والسياسية والأمنية الجديدة مثل كيفية التعامل مع ملف اللاجئين السوريين والملف الأمني، ويختتم البرنامج بملاحق احصائية شاملة للواقع والتوقعات المستقبلية، كملحق للبرامج والمشاريع الممولة، وملحق آخر للبرامج والمشاريع التي بحاجة إلى تمويل، وملحق ثالث عن تفاصيل برنامج تنمية المحافظات للعام 2013.

 

ومن شمولية هذه التفاصيل دخولها حتى في أدق المطلوب مثل مكافحة الذباب المنزلي في الأغوار ومصدر التمويل والانفاق المتوقع لكل عام والنتائج المتوقعة والموقع الجغرافي المتوقع البدء في تنفيذ هذا المشروع.

 

واعتقد بأن المطلوب إعداد برامج  عمل الحكومة على نفس منهجية البرنامج الحكومي الأردني، ليس فقط ليكون المقياس المستقبلي لأداء عمل الحكومة واضحاً وجلياً، بل ليصبح البرنامج خارطة طريق لإعداد الموازنة العامة،وللمقارنة فيما بعد عند إصدار الحساب الختامي، وليصبح بالتالي حقائق من الممكن في ضوئها التقييم والمحاسبة بعد انتهاء سنوات عمل الخطة في العام 2018.

 
 
 
 
 
 

" الآراء المنشورة ليست بالضرورة تعبر عن موقف الجمعية "


نسخة سطح المكتب


جميع الحقوق محفوظه ©2017
لجمعية العمل الوطني الديمقراطي (وعد)