الحركة النقابية العربية بعد الربيع العربي

| |
عبدالله جناحي 2014-12-05 22:42:53




 

الشعب العربي من المغرب إلى عٌمان لم يعد نفسه بعد ثورات الربيع العربي، فقد تم الفرز الاجتماعي والسياسي بين طبقاته وشرائحه الاجتماعية، وبرز جيل شبابي ثائر ومطالب بالتغيير والاصلاح، كما برزت تحولات في بنية الاحزاب التقليدية منها والجديدة، وانقسم المجتمع بمؤسساته المدنية والسياسية إما على بقاء الوضع السابق وعدم التغيير الجذري المطلوب، أو إلى التغيير والإصلاح. هذه التغييرات والتحولات أصابت الحركة النقابية العربية أيضاً، ففي كثير من الدول العربية تأسست نقابات جديدة وتمردت نقابات عمالية ضد الاتحادات التي انحازت للأنظمة السابقة،  بل وقامت هذه الأنظمة بتأسيس نقابات واتحادات عمالية جديدة ودعمها لمواجهة النقابات والاتحادات العمالية التي انحازت لثورات شعوبها.

 

والنموذج الواضح لهذا الانقسام والولادة الجديدة للحركة النقابية هو تأسيس الاتحاد العربي للنقابات والذي كان رداً وبديلاً عن الاتحاد الدولي لنقابات العمال العرب الذي انحازت قيادته وبعض الاتحادات العمالية العربية الموالية للأنظمة السابقة، الأمر الذي فرض خروج كثرة من الاتحادات العمالية منه والعمل لخلق اتحاد عربي نقابي جديد.

 

تأسس الاتحاد العربي للنقابات في العاصمة الاردنية عّمان وذلك في 1 ـ 2 أكتوبر 2014م، وقد انعقد هذا المؤتمر بحضور 220 مشاركاً من 17 اتحاداً نقابياً عربياً، مدعوماً بحضور نقابي دولي.

 

ولقد كشف هذا الحضور الدولي الكبير في المؤتمر بأن الحركة النقابية الأممية الأكثر تمثيلاً قد انحازت لهذا الاتحاد العربي وبالتالي رفعت دعمها وتأييدها عن الاتحاد الدولي لنقابات العمال العرب.

 

واقع الاتحادين الجديد والقديم:

 

بالنسبة للاتحاد الدولي لنقابات العمال العرب الذي استمرت قيادته مؤيدة لأنظمة عربية فاسدة سقطت في الثورات العربية، أو داعمة لأنظمة عربية مازالت تقاوم التغيير والإصلاح، فإن من بقيت من الاتحادات العمالية العربية في عضويته هي تلك الاتحادات المدعومة من هذه الأنظمة التقليدية أو التي تم تشجيعها في التأسيس لمواجهة الاتحادات العمالية العربية التي  انحازت لثورات وانتفاضات شعوبها.

 

 

وقد خرجت من هذا الاتحاد عدد من الاتحادات العمالية العربية ليشاركوا في تأسيس الاتحاد الجديد، وذلك على النحو التالي:

 

 

الاتحاد العام لنقابات عمال البحرين                 الاتحاد العام لنقابات عمال عٌمان

الاتحاد العام لنقابات عمال الأردن                  الاتحاد العام لنقابات عمال موريتانيا

الاتحاد المغربي للشغل                               الاتحاد التونسي للشغل

الاتحاد العام لنقابات  عمال اليمن

 

 

وهذه الاتحادات قد انفصلت من الاتحاد الدولي لنقابات العمال العرب والانضمام لهذا الاتحاد الجديد، إضافة لهم شاركت كثرة من الاتحادات العمالية المستقلة التي كانت بالأساس خارج الاتحاد الدولي لنقابات العمال العرب والنقابات الجديدة في تأسيس هذا الاتحاد العربي الجديد وهي على النحو التالي:

 

 

الكونفدرالية الوطنية للشغيلة الموريتانية                    الكونفدرالية الحرة لعمال موريتانيا

الكونفدرالية العامة لعمال موريتانيا                            الاتحاد الديمقراطي لعمال مصر         

الفيدرالية الديمقراطية للشغل في المغرب                   الكونفدرالية الديمقراطية للشغل في المغرب الاتحاد العام لنقابات عمال فلسطين                                                      الاتحاد العام لنقابات عمال ليبيا 

النقابة الوطنية المستقلة لمستخدمي الإدارة العمومية في الجزائر

 

أما على الصعيد الأممي فقد انحازت كثرة الاتحادات الدولية لهذا الاتحاد العربي الجديد وهي على النحو التالي:

 

ـ القاء مدير عام منظمة العمل الدولية السيد غاي رايدر كلمة عبر الفيديو

 

ـ مشاركة الأمين العام للاتحاد الدولي  للنقابات السيدة شارن بررو ونائبها السيد ياب.

  حيث أعلنت في المؤتمر "أن ولادة هذا الكيان النقابي العربي تحت مظلة الاتحاد الدولي للنقابات"

 

ـ وقد شاركت اتحادات عالمية عديدة في هذا المؤتمر تعبيراً منهم لدعم هذا الاتحاد الجديد مثل: الاتحاد الدولي للمعلمين ـ اتحاد الصناعات الدولي ـ الاتحاد الدولي للنقل ـ الاتحاد الدولي للخدمات ـ الاتحاد الدولي النقابي لشبكات الإعلام ـ الاتحاد الدولي لعمال البناء والاخشاب ـ  واتحاد عمال إيطاليا ـ مركز التضامن العمالي الأمريكي ـ اتحادات ومؤسسات من إسبانيا والمانيا والدنمارك وبلجيكا وبريطانيا وفرنسا وتركيا.

 

ـ كما شاركت منظمات دولية وشخصيات نقابية مرموقة في تأسيس هذا الاتحاد مثل: السيدة ندى ناشف، مسؤولة مكتب منظمة العمل الدولية في الدول العربية وغيرها من المسؤولين الكبار في منظمة العمل الدولية المتواجدين في جنيف أو في القاهرة مثل الأستاذ النقابي العربي وليد حمدان، ومن معهد تورين التابع للمنظمة في تورين بإيطاليا، اتحاد عمال النرويج، الفيدرالية العامة لعمال النفط في العراق، الاتحاد الشعبي اللبناني، المنظمة العمالية العالمية، الفيدرالية العامة لعمال اتحاد التجارة بالعراق، ومن تونس، الأردن المغرب، مصر، ليبيا والبحرين من الشخصيات النقابية المرموقة التي تم تكريمهم في المؤتمر، ومنهم أول أمين عام للاتحاد العام لنقابات عمال البحرين الأخ العزيز عبدالغفار عبدالحسين.

 

       

التحول العربي المناقض للتحول الأممي:

 

في ظل الصراع الدولي إبان وجود المعسكرين الاشتراكي والرأسمالي انقسمت الحركة النقابية العمالية العالمية إلى قسمين، قسم انحاز للمعسكر الاشتراكي رغم أن هذا المعسكر لم يجسد التعددية النقابية في دوله، فلم يكن هناك وجود سوى لاتحاد عمالي واحد في كل دولة من هذه الدول الاشتراكية تم فرضة من قبل الحزب الحاكم دون أن يترك للعمال حق الاختيار بين الوحدة النقابية أو التعددية النقابية، وقسم انحاز للدول الرأسمالية التي تركت للعمال حق الاختيار بين التعددية أو الوحدة النقابية، ولكن بعد انهيار المعسكر الاشتراكي بدأت الحركة النقابية العمالية بقطبيها تقتربان تدريجياً مع بعضها البعض لتتوحد جهود الحركة العمالية لمواجهة العولمة المتوحشة، ولذلك اندمج الاتحاد الدولي للنقابات الحرة والاتحاد العالمي للعمل في اتحاد نقابي عمالي واحد وذلك في نوفمبر 2006م، وذلك بعد أن استوعبا أهمية توحيد صفوف الطبقة العاملة في جميع أنحاء العالم لمواجهة السياسات النيوليبرالية الرأسمالية والعولمة المتوحشة التي أفرزت نتائج سلبية على جميع العمال سواء في الدول الرأسمالية أو في العالم الثالث.

 

وعلى العكس من هذه الحالة التوحيدية المطلوبة والتي اؤمن بها رغم قناعتي بحق العمال في الخيار بين الوحدة أو التعددية النقابية، ورغم وضوح هذه الحرية في الاختيار بين التعددية أو الوحدة في الاتفاقية الدولية رقم (87) المعنية بالحقوق والحريات النقابية الصادرة عن منظمة العمل الدولية، بترك هذا الحق للعمال حسب تفسير لجنة الحريات في  المنظمة، ويجب أن لا تفرض التعددية على العمال من خلال القانون، ويجب عدم تدخل الحكومات في هذا الخيار. ففي مرحلتنا الراهنة وفي  ظل العولمة المتوحشة وقيام الشركات عابرة القارات في تفتيت الطبقة العاملة واستغلالها بات الوعي والضرورة والمصلحة العمالية يفرض الوحدة  والديمقراطية والحرية والاستقلال وذلك على حساب التعددية لتكون هذه الطبقة العاملة متوحدة وقوية وقادرة على مواجهة جشع الرأسماليين، ولكن على العكس من هذا التوجه المطلوب انقسمت الحركة النقابية العربية بدلاً من أن تتوحد من جراء تأثير السياسة والانحيازات لأنظمة عربية فاسدة ومستبدة، الأمر الذي فرض على كثرة من الاتحادات والنقابات العمالية المنحازة لثورات شعوبها العربية أن لا تتحمل الصراع الداخلي وتنفصل، وهذا ما جرى عند تأسيس الاتحاد العربي للنقابات كبديل عمالي للاتحاد الدولي لنقابات العمال العرب.

 

ورغم أن أمين عام الاتحاد الجديد قد أوضح في  كلمته أمام المؤتمر التأسيسي "بأن إنشاء منظمة عربية جديدة كانت فكرة سابقة على انطلاق انتفاضات الربيع العربي، ولكن الفكرة تعززت بعد كشف حراك الربيع العربي عن تشابك موضوعات العدالة الاجتماعية والديمقراطية وأهمية دور منظمات المجتمع المدني والنقابات، وأن سبب التفكير في تأسيس اتحاد نقابي عمالي عربي جديد هو وجود خطر الاطماع الخارجية التي يطمح أصحابها إلى الاستيلاء على ثروات المنطقة عبر الهاء شعوبنا بالاقتتال وخطر الاستبداد والإرهاب".

 

وأمام هذا المشهد يبدو أن ثنائية القطبين بين المعسكرين الرأسمالي والاشتراكي والذي انتهى، قد تحولتا إلى ثنائية عربية بين حركات نقابية عمالية  حرة ومستقلة وديمقراطية ومنحازة للشعوب ومدافعة عن حقوق الطبقة العاملة في دولها، وحركات نقابية عمالية منحازة للأنظمة العربية المستبدة وغير  الديمقراطية، وإلى حين ينهار أحد المعسكرين في الوطن العربي سيكرر التاريخ نفسه كما كان إبان الحرب الباردة ولكن بوجهه العربي.

 

 

 
 
 
 
 
 

" الآراء المنشورة ليست بالضرورة تعبر عن موقف الجمعية "


نسخة سطح المكتب


جميع الحقوق محفوظه ©2017
لجمعية العمل الوطني الديمقراطي (وعد)