تركيا و الشرق الأوسط الكبير \كان صرحاً من خيال فهوى\

| |
إبراهيم كمال الدين 2014-11-30 01:44:01




التشظي و التمزق و الانهيار هو مصير الممالك و الامبراطوريات التي تؤسس على الغزو و الاستبداد و الاستعباد. فدولة تركيا قامت منذ تأسيسها على غزو القبائل التتارية و المغولية لأراضي الدولة البيزنطية المنهارة، فتمددت هذه الدولة \"الامبراطورية العثمانية\" لتستعمر أجزاء كبيرة من الوطن العربي الكبير مستغلة حالة التشتت و الضعف التي سادت بعد انهيار الامبراطوريات العربية الأموية و العباسية و الفاطمية ليسود حكم أعاد الوطن العربي لحالة التخلف و السخرة و حكم الأسياد الأتراك. و بعد هزيمة الامبراطورية العثمانية في الحرب العالمية الأولى، عمل الغرب على وراثة تركات هذه الدولة المريضة ثم المنهارة و قامت الثورة العربية الكبرى بقيادة الشريف حسين من أرض الجزيرة العربية، و ما رافقها من انتكاسات حيث اتفاقية سايكس بيكو التي قسمت الوطن العربي إلى أجزاء بين المستعمر الفرنسي و البريطاني و لتوهب بريطانيا الحركة الصهيونية أرض فلسطين لإنشاء كيان مصنطع لدولة سكانها من كل بقاع الأرض على حساب الشعب الفلسطيني صاحب الأرض. و أكملت حركة اتاتورك ما بدأته الثورة العربية لتقوم على أنقاض الامبراطورية العثمانية التي توسعت لتستعمر أجزاء من أوروبا.  و قد تحولت تركيا الى دولة علمانية خاضعة للغرب، و منذ ذلك الوقت أصبحت هذه الدولة المرتبطة بحلف شمال الأطلسي و حلف بغداد الذي ضم كل من تركيا و ايران و باكستان و بريطانيا رأس حربة ضد تطلعات الوطن العربي و أقطاره في التحرر من الاستعمار البريطاني و الفرنسي و آماله في وحدة عربية رفع شعارها القائد القومي الرئيس جمال عبدالناصر و اصبحت دولتان تحد المشرق العربي من الشمال و الشرق \"تركيا و اسرائيل\" معاديتان لتطلعات هذه الأمة و مصدر قلق و اضطراب لاستمرار استفزازاتهما و عدوانيتهما ضد دولة الوحدة (سورية و مصر). هكذا كانت دولة العدو الصهيوني و هكذا كان دور تركيا و مع الزمن نسى الكثيرون منا التاريخ المخزي و ما ارتكبته الدولة العثمانية من بطش و تجهيل و نهب و سرقة لممتلكات المواطنين (و المسلسلات السورية خير شاهد و موثق) لهذه الحقبة المظلمة من التاريخ. و قال الناس عفى الله عن ما سلف .. و خصوصاً بعد قيام حزب العدالة و التنمية برئاسة الاقتصادي البارع رجب طيب اردوغان الذي صفى قيادات الحركة الاسلامية المتنامية ليتفرد بالسلطة مستغلاً شعبية الاتجاه الاسلامي. و ليقدم للغرب نموذج للاسلام المهجن و المتوافق مع الغرب مع تمسكه بالتداول السلمي للسلطة و التعددية أي أصول اللعبة الديمقراطي، مما أحدث انبهاراً بهذا القادم الجديد و الذي يخفي مطامع اعادة الحياة للامبراطورية العثمانية بشكلها المستحدث فعمل على تمتين علاقاته بالغرب طمعاً في تحقيق حلمه و للحصول على رضى و قبول الغرب بضمه ضمن منظومة الوحدة الأوروبية. فبدأ الغرب بالترويج له على اعتباره \"الاسلام\" المتعدل في مواجهة التنظيمات الاسلامية المتطرفة كالقاعدة و النصرة و داعش لاحقاً. و أخذ الريادة في التسويق لحركة الاخوان المسلمين في أجزاء الوطن العربي أمام الغرب كحركة معتدلة فبدأت الحوارات بين الغرب و الحركة لتأهيلها لاستلام الحكم كبديل للأنظمة الفاسدة، فنجحت الحركة في مصر نتيجة لانتخابات ديمقراطية صوت فيها المواطن المصري ضد الفساد و التوريث و التفرد بالسلطة و كذلك في تونس. إلا أن المعضل الذي واجه تركيا في تنفيذ أحلامها بأن تكون هي المسير\"للشرق الأوسط الكبير\" و خصوصاً بعد انتصار المعارضة المسلحة و المدعومة بالتدخل الغربي و الأمريكي في الاطاحة بنظام معمر القذافي و تمدد المعارضة المسلحة و احتلالها أجزاء كبيرة من الأراضي السورية - الذي جاء بدعم و تدريب لكل المسلحين من قبل تركيا و تسهيل دخول المقاتلين المقدر عددهم بـ 180 الف من 80 دولة حسب احصائيات الأمم المتحدة و تزويدهم بالسلاح و قيام غرف العمليات من الأراضي التركية بإدارة العمليات الحربية و تهريب المقاتلين و السلاح، و كان الموقف التركي الرافض لأي حوار مع النظام السوري و الدعوة لإسقاطه. بعد مرور ستة أشهر من القتال و التدمير للأرض السورية و الاستيلاء على المعامل و بيعها في تركيا و الاستيلاء على حقول النفط في دير الزور و البوكمال و بيع نفطها على السماسرة الأتراك و عجز الجيش الحر و النصرة و بعدهم داعش من تحقيق انتصارات على الجيش السوري. طالبت تركيا مع الدول الغربية من مجلس الأمن اصدار قرار بإنشاء منطقة عازلة بين تركيا و سورية يمنع الطيران السوري و الجيش السوري من الاقتراب منها، و مع فشل مؤتمر جنيف 1 و جنيف 2 - و استعادة الكثير من الأراضي السورية و طرد المنظمات الارهابية منها، بدأ التفتيش عن مخارج أخرى و خصوصاً بعد سقوط مشروع المناطق العازلة بواسطة الفيتو الروسي و بعد تمدد الدولة الإسلامية \"داعش\" من الشام إلى العراق فعادت تركيا بتشددها من الحلف المقاوم لداعش و رفض المشاركة بهذا الجهد الغربي إلا بشرط الاستجابة لمطلبها بإنشاء منطقة عازلة يمنع فيها دخول الطيران السوري و اضافت لهم فرنسا منطقة الحدود مع الأردن. فهل ينجح المشروع التركي الفرنسي أمام المشروع الروسي الداعي لحوار بين أطراف الصراع (النظام و المعارضة). و بعد انحسار نفوذ الأخوان المسلمين في مصر و تونس و الاحتواء الخليجي لقطر و الهلع الذي أصاب الأنظمة من تمدد داعش مما استدعى قيام رئيس الدولة التركية رجب طيب أردوغان بزيارة للجزائر التي لا يقيم علاقات حسنة معها و وزير خارجيته أوغلو للعراق للبحث و التفاكر في مخارج للوضع السوري العراقي و اعادة الاعتبار لتركيا التي سقطت كل مشاريعها للمشاركة كقائدة \"للشرق الأوسط الكبير\" بل الأدهى من ذلك خشية الدول الأوروبية من عودة المقاتلين \"مواطنيها\" من سورية كقنابل موقوتة و ما صاحب عودة بعض الفصائل المهزومة في صراع المنظمات الارهابية على الحقول و النقود و خطورة تواجد هذا الكم من المقاتلين على الأراضي التركية على أمنها و استقرارها و رفض تركيا تقديم الدعم للمواطين السورييين الأكراد للدفاع عن مدينة عين العرب \"كوباني\" و ما شكله من توتر في العلاقات بين تركيا و الأكراد بشكل عام و حزب العمال الكردي بشكل خاص و خشية تركيا من عودة العمليات العسكرية للحزب على الأراضي التركية فلجأت تركيا بالمساومة لتحصيل المغانم من وجود بقايا الجيش الحر (1500) المهزوم من النصرة و طلب تغطية نفقات انشاء مناطق المناطق العازلة التي نأت الولايات المتحدة بنفسها عن انشائها انتظاراً للعون و المدد و الكرم العربي.  هذه كلها عوائق اسقطت قبول تركيا في الاتحاد الأوروبي و بخرت أحلامها في الزعامة للمشروع الجديد بتقسيم المجزء من الوطن العربي فأصبحت تركيا: كصرح من خيال فهوى - و نحن بانتظار السقطة الكبرى.

 
 
 
 
 
 

" الآراء المنشورة ليست بالضرورة تعبر عن موقف الجمعية "


نسخة سطح المكتب


جميع الحقوق محفوظه ©2017
لجمعية العمل الوطني الديمقراطي (وعد)