غياب الشفافية والمستقبل الغامض

| |
رضي الموسوي 2014-06-26 10:28:37




غياب الشفافية والمستقبل الغامض

 

 

 

 

 

 

                                                                إعداد: رضي الموسوي

                                                                القائم بأعمال الأمين العام

                                                                جمعية العمل الوطني الديمقراطي "وعد"

 

 

 

مقدمة:

يمر الاقتصاد البحريني بمرحلة مفصلية من ناحية الأداء ومدى القدرة على التنافسية مع اقتصاديات المنطقة والعالم. يزيد من صعوبة وضعه حالة الانكماش المتزايدة بشهادة صندوق النقد الدولي الذي حذر من تداعيات هذا الانكماش والتراجع على مجمل الوضع العام، وطالب بتقليل العجز في الموازنة العامة والدين العام المتصاعد واتخاذ قرارات مفصلية ستؤثر في حال تنفيذها على الاقتصاد الكلي، كما ستؤثر على المواطن العادي الذي قد يواجه موجة جديدة من زيادة الرسوم تنفيذاً لتوصيات صندوق النقد الدولي بفرض ضرائب على القيمة المضافة للشركات وإعادة هيكلة الدعم المقدم للمواد الأساسية وضبط وتقليص التوظيف والزيادات في القطاع الحكومي. هذه الدعوات والمطالبات دعمها الصندوق بتوقع انكماش النمو في الناتج المحلي الإجمالي إلى 2.5 بالمئة هذا العام.

ولأن الرقابة المالية والإدارية هي أضعف من أن تضع أيديها على الجرح وتعالجه، نظراً لعدم تبعيتها للسلطة التشريعية وعجز الأخيرة عن القيام بمهامها بسبب الصلاحيات المحدودة جداً، فقد شهدت السنوات الماضية استفحالاً في الفساد الإداري والمالي مما أثر على النظام الإداري وقاده إلى التآكل وعدم الفاعلية، وبالتالي عدم القدرة على تنفيذ بنود الموازنة العامة كما يتطلبه علم الإدارة العامة، وتعثر الوزارات ومؤسسات الدولة في تنفيذ واحد من أهم بنود الموازنة العامة وهو بند المشاريع، حيث تأكد أن نسبة إنجازها في الموازنة العامة لسنة 2013، لا تتجاوز 56 بالمئة بسبب تعطيلها في العديد من المناطق وممارسة الانتقائية في تنفيذها مما يثير مخاوف ذات صلة بالعقاب الجماعي. وقد  شمل  تقليص الانفاق كل الوزارات باستثناء الدفاع وجهاز الأمن الوطني والداخلية حيث صرفت الجهات الثلاث كل المبالغ المخصصة للمشاريع بنسبة 100 بالمئة للأولى والثانية و77 بالمئة للثالثة.

ولا شك أن الأزمة السياسية الدستورية التي تفجرت في فبراير 2011،  قد فعلت فعلها في مسيرة الاقتصاد الوطني المتعثرة. حيث زاد الغموض بغياب الشفافية، وتزايد الفساد المالي والإداري، واستفحال سياسة التمييز لتصل إلى قطاعات مهمة مثل التعليم والصحة والبلديات، ما قاد إلى تأثر قطاع المرافق والخدمات العامة بصورة سلبية، الأمر الذي أدى إلى تفاقم سياسة الإقصاء والتهميش التي مورست منذ عدة عقود لتتفجر أزمة سياسية دستورية قبل أكثر من ثلاث سنوات. ومع الامعان في مصادرة صلاحيات السلطة التشريعية ومنح السلطة التنفيذية صلاحيات مضاعفة، بما فيها تحصين الوزراء ومن في حكمهم من المسائلة النيابية بوضع شروط تعجيزية تصل إلى شرط موافقة ثلثي أعضاء المجلس النيابي لمسائلة الوزير بدلاً من تقدم 5 أعضاء التي كانت مقررة في السابق.

هذه التداعيات من شأنها أن تقود إلى مزيد من الاحتقان السياسي والطائفي، ما سيؤثر على حجم تدفق الاستثمارات الأجنبية ومغادرة الاستثمارات المحلية وبالتالي تقليص نسبتها في تحريك الاقتصاد الوطني المعتمد اليوم بشكل رئيسي على عائدات النفط، حيث تشكل نسبة مساهمة هذا القطاع في الموازنة العامة 88.3 بالمئة. ذلك يعني أن البحرين بحاجة ماسة للحل السياسي الوطني الجامع وليس الحل الأمني السائد في الوقت الراهن، وإلى اقتصاد متنوع في مصادر الدخل وعدم الركون إلى النفط كمصدر رئيسي للدخل.

في هذه الورقة نحاول تسليط الضوء على العناصر التي قادت إلى تفاقم الدين العام والعجز في الموازنة وانعكاس ذلك على تردي الأداء الاقتصادي والإداري في البلاد، وذلك من خلال التركيز على القطاع النفطي باعتباره يشكل النسبة الكبرى من إيرادات الموازنة العامة.

أولاً: القطاعات الاقتصادية المحركة للاقتصاد.

تعتمد البحرين في موازنتها على قطاع النفط والغاز، حيث تشكل عائداته نسبة تزيد على 88.3 بالمئة من الموازنة العامة في البحرين. تنتج البحرين نحو 200 ألف برميل يومياً، منها نحو 50 ألف برميل يومياً من حقل البحرين، و150 ألف برميل يومياً من حقل أبو سعفه المشترك مع المملكة العربية السعودية، والتي تقوم بعملية الإنتاج فيه شركة أرامكو السعودية، فيما تتعدد روايات مصادر تسلم عائدات الحقل ما بين استلامه شيك بعد بيعه من قبل الطرف السعودي وبين تسويقه من قبل البحرين. كما تكرر البحرين نحو 265 ألف برميل يومياً وتأتي أغلب الكمية من السعودية عبر أنابيب من المملكة العربية السعودية، فيما يدخل إنتاج حقل البحرين كاملاً في عملية التكرير الذي تقوم به مصفاة النفط. كما بلغت مبيعات الغاز الفعلية للعام 2013 مبلغ قدره 401 مليون و14 ألف و351 دينار، هي عوائد إنتاج البحرين من الغاز الطبيعي التي تصل إلى 591.684 مليار قدم مكعب في 2012، حسب تقرير الشركة الوطنية القابضة للنفط والغاز.

بلغت إيرادات قطاع النفط والغاز وفق الحساب الختامي للدولة 2.600.157.462 مليار دينار في موازنة 2013، وفي العام الجاري مقرر لها في الموازنة العامة 2.404.200.000.

ويعتمد قطاع الألمونيوم على الغاز الذي يقدم بأسعار مدعومة تصل إلى 2.5 دولار لكل مليون وحدة حرارية. وتنتج شركة ألمونيوم البحرين نحو 820 ألف طن متري سنويا، تصدر ما نسبته 65 بالمئة إلى أو عبر دول الجوار الخليجي، وأغلبه عبر جسر الملك فهد الذي يربط البحرين بالسعودية ويعتبر الطريق البري الوحيد للبحرين. يضاف إليها المنتجات البتروكيماوية حيث تنتج البحرين أكثر من 2000 طن متري سنوياً من مادة اليوريا.

واجهت الموازنة العامة سنة 2013 عجزا بلغ أكثر من 410 مليون دينار، أي ما يعادل مليار و85 مليون دولار أمريكي، بينما حققت دول التعاون الخمس الأخرى فوائض بلغت 146.7 مليار دولار، استحوذت السعودية على 37 في المائة منها بقيمة 54.9 مليار دولار، تلتها الكويت 34.1 مليار دولار، ثم الإمارات بفوائض مقدارها 29.7 مليار دولار ثم قطر 25.3 مليار دولار وأخيراً سلطنة عمان أربعة مليارات دولار.

أما الدين العام للبحرين فقد بلغ 5.3 مليار دينار، 43.8 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي البالغ 28.6 مليار دولار  بالأسعار الثابتة و32.8 مليار دولار بالأسعار الجارية في 2013، حسب المصرف المركزي البحريني. وقد تواصلت زيادة الدين في الأشهر الخمسة الأولى من العام الجاري، ما حدا بمجلسي الشورى والنواب إلى رفع سقف الدين ليصل إلى أقل من 60 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي، وهو الأمر الذي تسير البلاد إليه، ومن المتوقع أن يصل إلى 6 مليارات دينار (نحو 16 مليار دولار)، أي ما يعادل 60 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي وهي منطقة الخطر التي تقود إلى تعثر في تسديد الأجور والرواتب لموظفي الحكومة، في منطقة تنعم بالفوائض المالية.

ثانياً: لماذا تدمج عائدات حقل البحرين بعائدات المصفاة؟

في مطالعة بنود الموازنة العامة والحساب الختامي، يلاحظ دمج عائد إنتاج حقل البحرين مع عائد مصفاة النفط، بالرغم أن شركتين منفصلتين تقومان بعمليتي الإنتاج والتكرير وهما بابكو وتطوير، حيث تتخصص الأولى في التكرير والثانية في عملية الإنتاج، بينما في دولة مثل الكويت تفصل بين التكرير والإنتاج من خلال شركة وطنية تطلع بمسئولية التكرير في مصانع التكرير الثلاثة: الشعيبة وميناء عبدالله والأحمدي.

اللافت أن إنتاج مصفاة ميناء عبدالله مقارب لإنتاج مصنع التكرير في البحرين، حيث تكرر 270 ألف برميل يومياً، مقارنة بمصنع التكرير في البحرين الذي يكرر 265 ألف برميل في اليوم. وبالمقارنة بعوائد كلتا المصفاتين، نلاحظ أن مبيعات مصفاة ميناء عبدالله تصل إلى 10 مليارات دولار وتحقق ربح بنسبة 8.2 بالمئة ليصل إلى 823 مليون دولار أي ما يعادل 311.09 مليون دينار بحريني، بينما تصل إيرادات مصفاة النفط في البحرين وحقل البحرين مجتمعين إلى نحو 3.855 مليار دينار  أي ما يعادل 10.1 مليار دولار، وقد حققت عائداً مقداره 223 مليون و654 ألف و144 دينار.

وبحسبة بسيطة نلاحظ أن إنتاج نحو 50 ألف برميل يومياً من حقل البحرين وكأنه خارج الحسبة. فقد بلغ سعر النفط في العام 2013 متوسط قدره 108.7 دولار للبرميل، ما يعني إيراد سنوي قدره أكثر من مليار و984 مليون دولار أي ما يعادل قرابة 750 مليون دينار بحريني، وبعد خصم التكاليف التي يفترض في المتوسط إلا تزيد عن 15 دولار للبرميل يمكن أن يكون صافي العائد أكثر من 86 بالمئة  وليس 5 بالمئة كما هي محددة في أرقام الحساب الختامي.

في الفرضية الأولى أن عائدات حقل البحرين والمصفاة ينبغي أن تصل إلى أكثر من 12 مليار دولار، أي 4.536 مليار دينار.

ثمة فرق كبير بين أرباح مصفاة ميناء عبدالله بالكويت وبين عائد مصفاة البحرين. والسؤال هنا: لماذا هذا الفارق؟ وأين يذهب؟!!

بعض التوضيح قد يقود إلى إجابات جزئية: فمصفاة البحرين تعتبر من المصافي القديمة رغم عمليات التحديث والإضافات الإنتاجية الأخيرة التي حسنت من قدراتها، وأن جزء من إنتاجها يعتبر هدراً إنتاجياً، وحسب بعض المصادر فإن قرابة ما بين 15 إلى 20 بالمئة من إنتاج المصفاة، الأمر الذي ينبغي أن يضع في الحسبان. لكن السؤال الآخر هو لماذا إذن الحديث عن زيادة الطاقة الإنتاجية لمصفاة قديمة؟

العنصر الآخر المؤثر على الربحية هو ما يرشح عن المسئولين من أن السبب يعود إلى زيادة العاملين في المصفاة فوق استيعابها وذلك لأسباب اجتماعية.

نشير هنا إلى أن حجم العمالة في عقد السبعينات قد بلغ نحو 8000 موظف، ويبلغ الآن ما متوسطه 3300 موظف حيث سارت بابكو على خطى الشركات الكبرى الأخرى التي سارت على نهج العقود الجانبية للهروب من نسب البحرنة.

ثالثاً: الفارق بين كلفة إنتاج حقل أبو سعفه وحقل البحرين ومصفاتها؟

 يوضح الحساب الختامي أن إجمالي كلفة إنتاج حقل أبو سعفه تصل إلى 103 مليون و316 ألف و501 دينار مقابل إيراد يبلغ 2.083 مليار دينار، ويبلغ صافي الإيراد 1.959.669 مليار دينار، أي بصافي إيراد يصل إلى نحو أكثر من 95 بالمئة. بينما تلتهم التكاليف جل إيرادات حقل البحرين ومصفاتها حيث تشكل التكاليف أكثر من 94 بالمئة من إجمالي الإيرادات.

أن كلفة الإنتاج النفطي في الخليج هي الأقل على المستوى العالمي (في السعودية ما بين دولار إلى دولارين يضاف لها نفقات رأسمالية تتراوح ما بين 4 - 6 دولار للبرميل) ولا تتجاوز 15 دولار للبرميل، علماً أن إنتاج النفط من البحر تكلف أضعاف إنتاجه من البر وان النفقات الرأسمالية تتراوح ما بين 4- 6 دولار للبرميل. وهنا يكمن التساؤل المشروع إزاء الكيفية التي حسبت فيها كلفة إنتاج حقل البحرين ومصفاته والفارق النسبي الكبير بين كلفة إنتاج حقل أبو سعفه وبين كلفة الحقل ومصفاة البحرين.

رابعاً: عائدات مصفاة البحرين

بالعودة إلى المقارنة بين مصفاة البحرين وبين مصفاة ميناء عبدالله، نلاحظ أن مصفاة عبدالله تحقق قيمة مضافة مقدارها 5 دولارات للبرميل. وبحسبة المتوسط العام يمكن الركون إلى 5 دولارات كقيمة مضافة يمكن تحقيقها من مصفاة البحرين، علماً أن المتوسط العالمي يتراوح ما بين 6 - 9 دولار للبرميل. وحيث تكرر المصفاة 265 ألف برميل فان الحسبة السنوية تصل إلى 483.625.000 مليون دولار سنويا، أي 182 مليون و810 آلاف دينار. وبإضافة عائدات حقل البحرين البالغة نحو 600 مليون دينار، تكون العائدات 782.810.000 مليون دينار، وهذا يغطي العجز المسجل في الحساب الختامي البالغ 410 مليون دينار، بل يحقق فائض مقداره 372 مليون و810 ألف دينار، وذلك أسوة بالفوائض التي حققتها دول التعاون الخليجي، كما أسلفنا القول.

خامساً: حقيقة إنتاج حقل أبو سعفة

تتحدث بعض التقارير والأنباء عن حجم حصة البحرين من حقل أبو سعفه وإنتاجه ومن بينها مقالات متعددة كان الكاتب في صحيفة الحياة اللندنية جهاد الخازن يردد أن حصة البحرين من الحقل تصل إلى 200 ألف برميل يومياً، رغم التوضيحات التي وصلته، إلا أنه أعاد وسجل هذا الرقم عدة مرات. والسؤال: أين الحقيقة؟ هل حصة البحرين 150 ألف برميل في اليوم من حقل أبو سعفه كما هو معلن من الجانب الرسمي؟ أم هي 200 ألف كما يقول الخازن الذي يدعي معرفته بكل تفاصيل أهل البحرين؟ وأين تذهب الـ 50 ألف برميل الإضافية، إذا كان ما يقوله صحيحا؟

لنفتش عن مكمن الخلل بين تفاصيل هذه الأرقام لنتعرف على حقيقة الأمر الذي عجز ديوان الرقابة المالية عن معالجته بعد تسعة تقارير سنوية تتضاعف عدد صفحاتها سنوياً دون فائدة. إن ذلك يفرض ضرورة الإفصاح والشفافية عن كل الميزانيات العامة للشركات ومؤسسات الدولة.

سادساً: الخلاصة

توضح البيانات التي تم استعراضها أن الاقتصاد البحريني يمر بفترة حرجة تحتاج إلى رافعة عملاقة لتنتشله من الحال الذي وصل له، خصوصاً العجز المستمر في الموازنة العامة وتسديد هذا العجز باستمرار الاستدانة وزيادة حجم الدين العام.

المعطيات التي تم التطرق إليها في هذه الورقة ومعطيات أخرى تؤكد على أن تعثر مسيرة الاقتصاد الوطني ناجمة عن غياب الشفافية والإفصاح وعدم وجود محاسبة حقيقية تقوم به سلطة مشرعة، مما قاد إلى استشراء الفساد المالي والإداري في مفاصل مؤسسات الدولة ليتحول إلى وباء يصعب اجتثاثه دون عملية إصلاح جذرية تشمل الأوضاع الاقتصادية والسياسية والاجتماعية وترتكز على شرط المشاركة الشعبية في اتخاذ القرار ومتابعة تنفيذه. فما أشارت له بيانات الحساب الختامي الذي رفضه مجلس النواب بحالته الراهنة، تؤكد أن الوضع أكثر من حرج، كما أن مطالباتهم بفصل حسابات شركة بابكو التي تكرر النفط عن حسابات وزارة المالية ليس مطلباً آنيا بل أنه تكرر عدة مرات دون تجاوب من الجانب الحكومي الذي زاد على ذلك بدمج حسابات شركة تطوير مع شركة بابكو مع المالية من خلال دمج حسابات الإنتاج بالتكرير لنصل إلى هامش ربح أقل ما يقال عنه أنه خسارة. وقد يفسر الإرباك وعدم الشفافية وجود أربعة رؤساء تنفيذيين في شركة بابكو منذ تفجرت الأزمة السياسية قبل ثلاث سنوات حتى الآن، ما يثير تساؤلاً عن مدى أداء شركة بابكو وباقي الشركات التي تمتلك الدولة حصصاً رئيسية فيها وتقرر إداراتها العليا. ان ذلك يفسر أيضاً تآكل النظام الإداري الذي يشكل عصب النجاح في أي بلد.

إن شعار الكفاءة في العمل وزيادة الإنتاجية ليس شعاراً هلامياً أو ضبابياً بقدر ما هو شرط أي اقتصاد ناجح ومنافس، وقد تم اختباره في دول النمور الآسيوية التي انتشلت شعوبها من الفقر والمرض والبطالة إلى مواقع متقدمة على الخريطة العالمية، وذلك بعد إن استثمرت في التعليم والصحة، أي في الإنسان بغض النظر عن انتماءه السياسي أو العرقي أو الأثني، فحققت نجاحات وبردت التوترات العرقية التي كانت سائدة وحافظت على النسيج الاجتماعي والسلم الأهلي لتستقر وتتفرغ إلى التنمية المستدامة. أما الدول التي شيدت اقتصادياتها على المحاصصات القبلية والطائفية والعرقية فقد واجهت استحقاقات بعضها دامية نظراً للمحاباة وتحويل مؤسسات الدولة إلى عزب خاصة بهذه القبيلة أو تلك الطائفة. فلا يمكن لأي اقتصاد أن يحقق النجاح وهو يميز بين مواطن وآخر. كما لايمكن لأي اقتصاد أن يحقق نجاحاً في ظل غياب التشريعات والقوانين الواضحة المنظمة للعملية الاقتصادية التي تنطلق من مبدأ أن الإنسان هو هدف التنمية المستدامة ووسيلتها في آن واحد. وهذا لا يتحقق في ظلال الدولة الأمنية وأزمة الثقة القائمة، إنما من خلال الدولة المدنية الديمقراطية المنفتحة على رياح التغيير التي تقود المجتمع إلى التطور. إن التعاطي مع توصيات صندوق النقد الدولي يمكن معالجتها إذا تمكنت الدولة من إقناع مواطنيها بأنها تسعى من أجلهم اقتصادياً وسياسياً واجتماعياً.

لقد كشفت الحسابات الختامية للدولة خلال السنوات الخمس الماضية، الكثير من مكامن الخلل لكن الجهاز التنفيذي لم يعالجه، حتى أن النواب لم يتجرع حساب 2013 الختامي وهو يلاحظ أن إنجازاً متواضعاً وفاشلاً في نسبة تنفيذ المشاريع الحيوية، كما يلاحظ اقتراضاً مضاعفاً يفوق حاجة الموازنة العامة لتغطية العجز، الأمر الذي يفرض تساؤلات مشروعة عن مصير هذه الأموال المقدرة بالمليارات من الدنانير المهدورة، التي يتحمل المواطن العادي عبئ تسديدها في شكل رسوم أو ضرائب غير معلنة أو ورفع الدعم عن السلع الاستهلاكية أو اختفائها من الأسواق.   

وينذر استمرار الوضع على ما هو عليه من نهج بتفاقم عجز الموازنة، حيث أصبح اليوم نقطة التعادل فيها بسعر برميل يصل إلى 125 دولار،  بينما تؤكد كل التقديرات أن اسعار النفط في العام الجاري ستشهد تدنياً مقارنة بالسنة الماضية، حيث بلغ متوسط سعر برنت القياس يوم أمس الثلاثاء 106.23 دولار للبرميل، مما يعني زيادة العجز وكذلك الدين العام.

 

 
 
 
 
 
 

" الآراء المنشورة ليست بالضرورة تعبر عن موقف الجمعية "


نسخة سطح المكتب


جميع الحقوق محفوظه ©2017
لجمعية العمل الوطني الديمقراطي (وعد)