حياة بعد الموت - قصة الشهيد الرفيق جاسم خالد \محمد غلوم بوجيري\

| |
غسان سرحان 2013-12-02 13:18:24




أبصر النور عام 1950، لأب وأم تعودا أن تأخذ الحياة منهما أكثر مما تعطيهما، كجميع أبناء ذلك الجيل الذي ابتلي بالفقر والجوع والاحتلال... كبر ونمى في بيتٍ على ناصية الطريق بنهاية حيٍ دافئٍ كقلوب القاطنين فيه... هي جزيرة المحرق تلك التي اشتد ساعده فيها... تنقل بين مدارسها، وأحيائها وحواريها، وبيوتها التي تحتضن بعضها البعض... حفظها عن ظهر قلبٍ... حفظ أسماء نخيلها ووجوه الساكنين فيها، قبل أن ينتقل لمدرسة المنامة الثانوية.

هناك في المنامة، وعلى بعدِ جسرٍ واحدٍ من مسقط رأسه... قضى أيام وشهور مع رفاق دراسته، أنفق معظمها ينظر للميناء القديم حيث ترسوا السفن المتعبة، ويستقر البحارة... هناك حيث تتكسر أمواج الخليج العربي الهادئة، على شاطئٍ رمليٍ ناعم حفره صراع البحر الأزلي بين مدٍ وجزر... حتى أكمل دراسته الثانوية، وأصبحت المنامة جزأً منه وهو جزأ منها... كما المحرق.

حمل رائحة نخيل بلاده معه باتجاه بيروت العروبة... حفظ صور وأسماء شهداء انتفاضة الخامس من مارس عام 65... سجل اسمه بالجامعة الأمريكية ببيروت، مسقط رأس حركة القوميين العرب، وانضم منذ لحظات وصوله الأولى إلى صفوف الجبهة الشعبية ليناضل في صفوفها وبين كوادرها باسم الرفيق \"جاسم خالد\"... إلا أن الأقدار كانت تخفي له فصل جديداً اضطر على إثره أن يتحول للدراسة في مصر قلب العروبة النابض، والتي تخرج من جامعتها الأمريكية بدايات العام 76.

عاد إلى أرض الوطن شاباً يملئه حب الحياة، ووقوده في النضال أحلامٌ كبيرةٌ بالتحرر والتحرير وبناء دولةٍ عربيةٍ اشتراكيةٍ موحدة... عمل في ديوان الموظفين لشهور بسيطةٍ قبل اعتقاله، عندها وعندها فقط بدأت فصول حياته الأقصر والأكثر دموية، وتركزت أحداثها في زنازن القسم الخاص بمبنى المخابرات البحرينية.

هو الآن جالس في غرفته الدافئة ببيتهم القديم، يسترق النظر من شباكها إلى نخلة مقوسة الهامة في زاوية فنائهم غير المسقوف، قست عليها الريح كثيراً حتى انحنت، تأمل فيها وأفكارهُ عوالمٌ فيضيةٌ ينتج بعضها إثر بعضٍ... يا ترى هل ستتهم الجبهة الشعبية بمقتل المرحوم عبدالله المدني؟؟... هل سيصمد تنظيمنا أمام هذه الضربات العنيفة التي يوجهها جهاز الأمن بقيادة الملعون هندرسون؟؟ أم سننحني مثل هذه النخلة؟؟، أسئلة وأفكار كثيرة تدور في عقله المثقل بالهموم، حتى قاطعه طرق على باب منزلهم الذي تعود رؤيته مفتوحاً منذ الطفولة، اتجه إلى ذلك الباب كعادته، لكنه لم يعرف أنها المرة الأخيرة.

هم رجال المخابرات يسألونه عن نفسه، رحل معهم بعد أن صادروا جميع صوره، أردوا أن يصادروه حتى من عقول الساكنين هناك... عصبوا عينيه... كبلوه بالسلاسل... رموه في زنزانة إسمنتية صماء موحشة، ما زالت تتردد فيها أنات المعذبين، ورائحة دماء ضحيتها الأخيرة تتسلل إلى رئتي أحدث القاطنين فيها.

 بدأت وجبات التعذيب منذ لحظات الاعتقال الأولى، والتي لم يستطع جسده المتعب أن يتحملها كثيراً... سياطهم تنهش في جسده... كلابهم تنبح خلف باب الزنزانة طالبة حلمه بالحرية... ضباعهم وكواسرهم تنتظر جثةً جديدةً تغذي حقدها الأسود... أيام وساعات من التعذيب وما زال صامدً لم ينحني.

أسبوع مضى على اعتقاله، وها هي وحوشهم الكاسرة تسحبه في ساحة السجن بعد وجبة تعذيب دسمه... عيناه متورمتان لا تبصران سوى أملٍ في الحياة بحرية وكرامة، وهو حقه الذي لم يكتمل... جسده مثخنٌ بالجراح... قدماه لم تعد تحمله أكثر... رئتيه لم تعد تقوى على التنفس بعد أن هشمت أضلاعه... وصلوا به إلى زنزانته الأخيرة، لم يقوى على الكلام... لم ينبس ببنت شفة... فقط صرخت جروحه لنا المجد والعار كل العار لكم.

طرق رفاق دربه أبواب زنازنهم حتى يعرض على طبيب السجن، وهناك عندما اختلى الرفيق \"جاسم خالد\" بطبيب السجن، أمسك ذراعه وقال له:-

-         أريدك أن تنهي حياتي، لم أعد أستطيع أن أتحمل أكثر.

عندها فقط أغمض عينيه للمرة الأولى على دانة الخليج ليحميها من بطشهم... لم ينحني ولم ينكسر... بل ولد مجدداً من أب أسمه الوطن وأم اسمها الجبهة الشعبية... وفي مساء مثل هذا اليوم في الثاني من ديسمبر عام 1976 اختطفت خفافيش الظلام جثمانه الطاهر واتجهت به نحو مقبرة المنامه.

هناك وفي ظلمة ذلك المساء البارد، أرسلوا زبانيتهم إلى بيت الشهيد يطلبون والده، الذي ذهب معهم معتقداً بأنه حان موعد الإفراج، ذهبوا به إلى تلك المقبرة وأمام حفرة من الحفر كشفوا له عن وجه الشهيد المهشم قائلين له:-

- هذا هو ولدك.

بعدها استقبلته أرض المنامة في قبر أخفوه علهم يخفون بشاعتهم، عاد الأب إلى منزله بدون ولده، أخبر عائلته بما ارتكبته أجهزة الإجرام، وبعد عام واحد حكمت أحدى المحاكم البحرينية ببراءة جميع عناصر الجبهة الشعبية من تهمة اغتيال المرحوم عبدالله المدني، ومن ضمنهم الشهيد محمد غلوم بوجيري الذي قضى نحبه تحت سياط التعذيب في أقبية الموت.

هذه قصة الشهيد محمد غلوم بوجيري \"الرفيق جاسم خالد\"، مناضل يولد من جديد مع كل صرخة يطلقها معتقل لم ينحني في السجون، مع كل زائر لمقبرة المنامة، مع كل شهيد يسقط من أجل الحرية والكرامة، مع كل رفيق ما زال يناضل من أجل حق لم يكتمل... هكذا –مثل ما تقول كلمات الأغنية الخالدة- لقد أضفنا يا بلادي... نجم جديد إلى سماك... محمد يا فخر بلادي... هذا أخوك سعد ينادي.   

 

 
 
 
 
 
 

" الآراء المنشورة ليست بالضرورة تعبر عن موقف الجمعية "


نسخة سطح المكتب


جميع الحقوق محفوظه ©2017
لجمعية العمل الوطني الديمقراطي (وعد)