الربيع العربي بين الواقع الثقافي والرؤية المستقبلية- البحرين

| |
وليد النعيمي 2013-07-17 09:31:49




هذه الورقة قدمت ضمن حلقة حوارية حول (الربيع العربي) بمجلس وعد الرمضاني.

 

قيل، أن الثورة التكنولوجية جعلت من العالم قرية صغيرة.

كلنا يعلم أن أي قرية لايتجاوز عدد سكانها بضع مئات وقد يصل لآلآف قليلة أحياناً. فما بالكم إن أصبحت هذه القرية تضم ما يعادل 7 مليارات نسمة! ولكم أن تتصوروا حجم التعقيد والتداخل الثقافي والاجتماعي والاقتصادي والسياسي والأخلاقي والإنساني، وما يولده من مفاهيم عصرية جديدة قادمة.

في ظل هذا المخاض تلعب الخبرة الفردية والتراكم الثقافي الإنساني حين خروجهما من حيز الانفعال العاطفي إلى نطاق التأمل الذهني، وتدخل العقل لصياغة تلك التجربة الإنسانية وإسقاطها على العالم الخارجي، بعد تداخلها مع المعتقد الديني والفكري، على تكوين صيغ جديدة للمعتقد أو القناعة. وستعمل الأجيال اللاحقة على صقل المعتقد أو القناعة وتطويرها بشكل يتزامن ودرجة التطور المجتمعي والحضاري. قبل مايسمى بالربيع العربي كانت عجلة التطور الفكري شبه متوقفة في العالم العربي، حيث أن المعتقدات والقناعات تحولت إلى ثوابت وتقاليد تصل لدرجة التابو الغير قابلة والمحرمة على النقاش الموضوعي. مما جعلها أطر لقوالب وتعاليم جاهزة. بنت حواجز غلفت العقل البشري وجعلته عرضه للتحجر الفكري منذ ولادة الإنسان العربي وبداية تكون وعيه. ذلك الوعي أصبح أسير صندوق مظلم محكم الإغلاق بتلك القوالب، وكلما تقدم به الزمن زاد تصلب هذه الحواجز الفكرية. لقد كان الواقع بحاجة لصدمة قوية تفتت كل هذه الحواجز، الصدمة وقعت وستساهم في إعادة صياغة هذه المعتقدات والقناعات بشكل إيجابي أو سلبي. ذلك مرهون طبعاً بتطور الأحداث وبتطورالوعي الجماهيري، إلا أن الوضع العام الحالي فاقدٌ للإتزان.

إن الورقة التي سأقدمها تتناول الشأن البحريني بتجرد ومن زاوية تركز على الجانب العاطفي والثقافة المجتمعية بما تحمله من قيم وعادات وتقاليد وأفكار مورثة ومستحدثة، ورؤية سريعة تحاول استقراء المستقبل واحتمالاته.

 

لا شك بأن الإنسان هو المحرك الرئيسي لأي مجتمع، والمجتمع عبارة عن تكتلات بشرية تجمعها روابط متعددة كالتاريخ والثقافة واللغة والمصير المشترك والمصالح الطبقية. الكتلة البشرية في البحرين على الرغم من كونها نقطة صغيرة إلا أنها تقع على أحد خطوط الصراع الرئيسية ونتائج أي هزة ستظهر واضحة للعيان.

 

منذ ظهور البحرين على الخارطة التاريخية كأرض الخلود، مروراً بالغزوات التي تعرضت لها ودخولها الإسلام، إلى بناء أول دولة تقوم على المفاهيم الاشتراكية الأولية متمثلة في "دولة القرامطة" التي كانت أحد أخطر الحركات الفكرية على الدولة الإسلامية حينها. وتعرضها بعد ضعف سلطة الدولة الإسلامية وأخرها العثمانية للعديد من الغزوات والفتوحات. إلى العصر الحالي حيث تمت صياغة تاريخ جديد يتمحور حول انجازات الدولة والاصلاحات التي حاول الحكم القيام بها وعلى الطريقة التي يرى بأنها الأمثل لتحقيق المزيد من المكاسب والتي ستؤدي بمسار موازٍ لتحقيق التنمية الوطنية من وجهة نظره.

البحرين قبل 14 فبراير: بعيداً عن كيان جماعة 14 فبراير وهل هم نخبة شبابية وطنية، أم أنهم مجموعة مدسوسة لقلب النظام، أو أن لهم علاقات مشبوهة مع أجهزة الاستخبارات الأمريكية والصهيونية. إلا أن الواقع يقول بأن الدولة الشمولية - وعلى الرغم من محاولات الإصلاح السياسي والاقتصادي- وبسبب الاستفراد بإدارة الدولة من قبل أقطاب الحكم ومن يدور في فلكه من منظور أحادي الجانب هي المسبب الرئيسي لما حدث ويحدث من تداعيات.

لقد رحل عهد الحركات والأحزاب الثورية التي تهدف لقلب نظام الحكم، كما أن القوى الوطنية وصلت لحالة من اليأس، ساهمت في وصولها لجمود عقائدي فكري، فأصبحت تدور في حلقات مفرغة محاولة ً تغيير واقع شعبي تنقصه الكرامة من خلال خطابات لم تعد جذابة للجماهير وتفتقر للرؤية المستقبلية. وكذلك الأمر بالنسبة للإسلام السياسي -الشيعي تحديداً في البحرين- والذي حوصر مؤخراً في زاوية ما يسمى بأطماع الطائفة في الوصول لسدة الحكم، والذي لم يلجأ للعنف الثوري المسلح لأسباب عديدة منها الواقع الجغرافي والقوى الإقليمية المحيطة وطبيعة البحرين كجزيرة تداخلت فيها الأعراق والثقافات على مر العصور، إلا أن إمكانية تحولها -في مراحل متطورة من الصراع الطائفي وتدخل قوى إقليمية- من الحالة السلمية أو حالة العنف الحالية كحرق الإطارات واستخدام المولوتوف إلى العنف المسلح وتحول روايات اكتشاف مخابئ الأسلحة والخلايا المسلحة لواقع حقيقي واردة، ولو أنني استبدع ذلك لطبيعة البحرين وشعبها حيث ستكون –على ما أعتقد- من أقل الدول تأثراً في حالة وقوع أي زلازل دموية.

من جهة أخرى حاول النظام ومن منطلق أبوي قبلي تطوير البلد بشرط أن تكون الكتلة البشرية متلقية ومنفذة للأوامر دون تفاعل أو اعتراض للتوجيهات قدر المستطاع أو بشكل لا يخرج عن إطار السيطرة. أي أن الواقع اليومي للحياة يراد له أن يكون كالماء الراكد. الحقيقة أن هذا الماء الراكد تحول لآسن من روائح الفساد والسرقات والقبضة الأمنية التي تسعى لضبط الأمور من منظور النظام. كانت بداية الحرك واعدة وخطرة على الدولة والمجتمع. فهي ترفع شعارات غير مستندة لفكر واضح يبين الأهداف المستقبلية وخارطة طريق للوصول إليها، أو على الأقل بصورة مرحلية تبين ماهيه هذا التغيير وإلى أين يسير.

لقد كانت العاطفة والحنق على الوضع السياسي والاقتصادي والاجتماعي المتدهور، وتنامي الفقر في شرائح تتوسع في المجتمع هو المحرك، فليس المهم أين المسير أو كيف الوصول إلى أهداف التغيير. المهم هو التعبير العاطفي لما في الصدور. تجلى ذلك في غالبية الشعارات التي طرحت أيام الدوار. ومازاد الطين بلة عدم وضوح الرؤية للقوى السياسية، فهي لم تستطع الرد على سؤال ما العمل؟ ولسرعة الأحداث كانت تحاول اسقاط تفاعلات الحراك في مصر وتونس على الوضع البحريني. غاب التخطيط الفعال لإدارة الحراك حتى عن النخب فكانت عاطفة المشاعر هي المحرك. وما حراك القوى السياسية إلا ردود أفعال تتراوح بين محاولة السيطرة على هذا الحراك واستثماره سياسياً لتحقيق مصالح شعبية أو ضمن أحلام بتسلم السلطة أو على الأقل المشاركة في الحكم (أذكر -وبعد اقتحام الدوار- أنني سألت أحد القياديين ما هي الخطة "ب"! فرد بجواب مازال يرن في أذني وهل كانت لدينا خطة "أ" كي ننتقل للخطة "ب"!!!). بالعودة لمرحلة الدوار تكون وسط الأحداث ما يشبه الفراغ، الذي استدعى وبحكم القوانين الفيزيائية أن يملئ -فأي فراغ يتحول لنقطة ومنه للعدم إن لم توجد مادة تحل محل المادة التي حدثت فيها اهتزازات مسببة لحدوث ذلك الفراغ- السلطة من جهة وبعض أقطاب المؤسسة الدينية بشقيها من جهة أخرى، استغلت وطبقت بجدارة مبدأ فرق تسد غير آبهة بتداعيات استخدام الورقة الطائفية على مستقبل الوطن، فالطائفية هي أخطر أداة يمكن اللعب بها خصوصاً وأن الأرث التاريخي في تكوين وعي أغلبية الجماهير يشكل حاضة خصبة لنموها. في زمن الدوار كانت القوى السياسية الوطنية تعيش مرحلة جمود فكري يفتقر للرؤية الواضحة التي قد تنهض بالمجتمع، كما وتقافز لمنصة الدوار بعض رجال دين ٍ سياسي وآخرون وطنيون يحاولون المزاحمة بخجل (أذكر حين دُعيت لإلقاء كلمة باسم عائلة المرحوم أبو أمل من منصة الدوار ولأسباب مختلفة تأخرت كلمتي من الثامنة حتى الحادية عشر! بعد مرور نصف ساعة فكرت بالاعتذار والخروج. لكن المشهد والصراع على اعتلاء المنصة من قبل الأطراف المختلفة استوقفني، ونسيت الوقت وأن اشاهد صراع المنصة! يا هل ترى كيف لو كانت منصة تقاسم كعكة نجاح الحراك والصراع لنيل أكبر المكاسب! لم يختلفوا للأسف عن السلطة، فالاستبداد والتسلط متجذر في المجتمع ويحتاج للمصارحة والمصالحة مع النفس أولاً قبل الشروع به مع أي طرف آخر، أو مطالبة الأطراف الأخرى به. السلطة كانت تراقب وتحيك الخطط للضربة القاضية، ومن هم رجال سياسية -لا أقول الكل ولكن معظمهم- كان يحلم بكرسي ترآى له فوق شموخ اللؤلؤة) حدث الشرخ حال إقحام قيادات كانت لها مكانتها الوطنية والدينية – حتى أن أحدها ذكر صراحه في تقرير البندر- ومن منبر مسجد الفاتح تحديداً، لما له من قيمة رمزية للنظام بحقه المكتسب في الحكم. تم استغلال العاطفة بطريقة مبتذلة، كتداول الكلام عن الحمام والأجنحة وما إلى ذلك من استجداء لعاطفة طائفة باسم الوطن وأمنه.

قد يتقبل الإنسان المعتدل والمثقف والمحصن فكرياً والمتصالح مع نفسه قبل تسامحه وتصالحه مع الآخرين حق كل فرد في المعتقد والفكر الذي ينتهجه والعقيدة التي ينطلق منها سواءً كانت دينية أو دنيوية وبحقه في التعبير وبالوسيلة التي يؤمن بها بشرط أن لا تتعدى على فكر وعقيدة الآخر أياً كانت. إلا أن من كان تكوينه الفكري قائم على النزعة التي تدور في فلك الطائفية والمعتقد والتابو والمتاريس الجامدة التي تُصَف في عقول البشر ومنذ الصغر لن يتقبل وسيتخوف من الآخر وسيؤمن بكل قول ضده حتى وإن كان حراكه يدعوا لكرامة وحرية كل أبناء المجتمع. إن الشرخ الذي حدث في المجتمع حينها يتحمله النظام ولا شك ولكن المؤسسة الدينية والقوى السياسية والثقافة المجتمعية القائمة على الإنتماء الديني والمذهبي والقبلي والمناطقي –على الرغم من صغر البحرين- لعبت بقصد أو بدون قصد دوراً محورياً في تأزيم الصراع وحرفه عن مساره. وما دخول درع الجزيرة إلا غطاء لتبرير وجود مؤامرة إيرانية، على الرغم من حقيقة وجود أطماع إيرانية في المنطقة وتدخلها من فترة لأخرى بطرق مباشرة وغير مباشرة. وتلك مسألة تتعلق بكون إيران قوة إقليمية -قبل وبعد الثورة الإسلامية-  تحاول أن ترسخ مصالحها في المنطقة، وستنتهز أي فرصة لفرض سيطرتها إلى أقصى حد تستطيع الوصول إليه. إضافة لعدم تقبل دول منطقة الخليج العربي لأي تغيرات جذرية في بنية الحكم في البحرين لمعرفتهم بتداعيات ذلك على دولهم،

البحرين ما بعد 14 فبراير: إن الجرح الذي تعرضت له فئات المجتمع باسم أمن الوطن وباسم الحرية والكرامة والديمقراطية والدولة المدنية تتحمله جميع الأطراف التي تواجدت على الساحة وتلك مسألة لا يمكن أن ينساها التاريخ. ولكن التاريخ لا يمكن أن يتوقف عندها بل يجب أن تستخلص منه العبر وأن يكمل كل إنسان محب لهذه الأرض طريقه بمعزل عن الأحقاد وإكراماً للوطن، وما حفظ البحرين حقيقةً من الانزلاق لاحتراب أهلي طائفي هو وجود هؤلاء الناس من مختلف الإنتماءات الدينية والمذهبية والفكرية والطبقية.

 

ولكن أين نقف الآن؟ دائرة مفرغة وأزمة تدار من خلال خلق أزمات، قيادات في المعتقلات قد نتفق مع بعضهم أو نختلف مع الآخر لكن هم من تخشى السلطة اطلاق سراحه قبل انتهاء المرحلة التي تتمثل بقطار سريع لا يعرف اتجاهه أو مساره، تحاول القوى العالمية تجاذب مقود قيادته أو تقاسم عرباته قبل انحرافه للهاوية.

إن ما يحدث في بلداننا العربية والبحرين جزء من ذلك هو تداخل موزاييكي بين إرادة الشعوب لنيل كرامتها، ومحاولة السلطات المحافظة على مكتسبات العائلة أو الحزب الحاكم وبين تدخلات العالم الغربي متمثل في الإمبريالية الأمريكية والصهيونية وما تحمله من جشع رأسمالي وتراث ثأري ضد الإنسانية وخصوصاً المنطقة العربية ومبدأ الفوضى الخلاقة لهم والخناقة لعالمنا العربي. إلا أن الغرب في تعاطيه مع الشرق يقوم على الخطط -التي نسميها مؤامرات- ودائماً ما توجد لديهم الخطط البديلة وتلعب "لو" الاحتمالية دوراً كبيراً في صياغة الخطط البديلة بينما "لو" بمفهومنا تفتح عمل الشيطان!  فهم يستخدمون العصا والجزرة مع النظام والمعارضة. الغريب أن أغلب الأطراف ترى في هذا العالم "الحر" المخلص! تلك معادلة عصية على الفهم! لقد تشابه الأمر -من وجهة نظري- على قوى المعارضة بين تحقيق المطالب الشعبية، وتحقيق مصالح ضيقة لبعض الأطراف الانتهازية. فمن الخطورة السير على حبال تتقاطع فيها مصالح الشعب والحكم وأمريكا، إن تمييع الصراع من مسيرات مصرحة تمتص الغضب الشعبي ومن خلال حوار يغازل السلطة وإن كان بحالة من الجفاء وينتظر في واقع الأمر لمخارج الأزمة السورية ويترقب تطورات وتداعيات –لا سمح الله- الوضع المصري وإعادة تقسيم كعكة الوطن العربي بين القوى العالمية الحالية والصاعدة بقوة سينهك الوطن والمواطن وسيجعله ينزوي عن كل تراهات السياسة، وستتكبل كل الأفكار والقيم باسم الدين وباسم أمن الوطن.

 

إن أي حل سواء من السلطة الحاكمة أو من القوى المؤثرة في المجتمع السياسية منها خصوصاً لا يقوم على أساس الوطن وكرامة المواطن أولاً بعيداً عن القوى الطامعة ومستنداً على الإنسان ولمصلحة الإنسان لن يتقدم بنا أي خطوة إلى الأمام وسيتكبل الإنسان بكل الأغلال التي تعيق تطوره الفكري والإنساني. إن الأزمة التي نعاصرها هي في حقيقة الأمر أزمة عالمية أزمة بين قوى تسعى للسيطرة على الإنسان وكرامته وقوى تحمل القيم الأخلاقية التي تحاول أن ترفع البشرية لعلاقات ترتقي بها للإنسانية. إننا نعيش أزمة فكرية وأزمة غياب المفكريين الذين باستطاعتهم النهوض بالإنسان وتحقيق غاياته السامية في الحرية والكرامة والمساواة. نعيش مرحلة استحقاقات تاريخيه قد تخرج منها الأمة دامية إن لم تعي أن مجرد كون الهدف هو الوصول أو المحافظة على السلطة انتحار.

أنني على ثقة بأن كل فرد إنسان مخلص يحاول جل جهده وبقدر استطاعته وإمكانياته أن يؤدي إلى إنقاذ الأمل كما سمى د. نادر كاظم كتابه الرائع، لكن الخلاص يتمثل في إعادة تشكيل الفكر الوطني ذو العمق القومي المبني على الفكر العلماني. وليس بالضرورة أن يكون توجه الفرد سياسياً بحتاً كي يساهم في رفعة الوطن والأمة، فلكل منبع لعطاءه وإبداعه وإن تمكن من العثور عليه فسيكون رافداً لجرف ماء الأمة الآسن.

 

المصادر الرئيسية:

-          دين الإنسان لفراس السواح.

-          إنقاذ الأمل للدكتور نادر كاظم

-         ثورات الكرامة (رؤى ما بعد النيوليبرالية) منتدى البدائل العربي للدراسات.

 
 
 
 
 
 

" الآراء المنشورة ليست بالضرورة تعبر عن موقف الجمعية "


نسخة سطح المكتب


جميع الحقوق محفوظه ©2017
لجمعية العمل الوطني الديمقراطي (وعد)