الإتحاد الخليجي بين رؤيتين

| |
عبدالنبي العكري 2012-12-16 23:43:55


ورقة مقدمة لمنتدى الحوار الخليجي السادس

بيروت 14-15/12/2012

 

الأخوات والأخوة السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

خلال القمة الخليجية في ديسمبر (ك1) 2011 فوجئ زعماء مجلس التضامن الخليجي كما فوجئ باقي المسؤولين والمواطنين في مجلس التعاون الخليجي بمقترح من قِبل الملك عبد الله بن عبد العزيز ال سعود, ملك المملكة العربية السعودية بتقديم مقترح إقامة "الإتحاد الخليجي" بعد كلمة عاطفية حول الأخطار المحدقة بمجلس التعاون الخليجي ودوله, وما يجمع بين دوله من روابط مشتركة , تحتم توحده في صيغة اتحادٍ أرقى من مجلس التعاون الخليجي, ويأتي هذا المقترح بعد واحد وثلاثين عام من قيام المجلس في مايو 1980.

وكما هي العادة في تعاطي زعماء المجلس مع القضايا الخطيرة, وتماشياً مع التقاليد القبلية والتي هي في عمق التفكير وسلوك هذه القيادات أو ما يُعرف بلهجتنا "بالسفح"  فلم يعارض أي منهم صراحة المقترح, وتقرر أن يحال إلى لجنة مختصة لدراسة المقترح والتقدم بتقرير في القمة غير الاعتيادية المقررة في جده في مايو 2012, وهو ما حصل لكن اللجنة لم تتوصل إلى نتيجة قاطعة وبررت خلافات في أوساطها وتقرر إجراء المزيد من الدراسات ومن الواضح بعدما أنه باستثناء مملكة البحرين, فلم يكن أي من الآخرين مرحبًا بالفكرة بل إنها جميعًا في علاقات غير مريحة مع الأخ الأكبر حيث مشاكل الحدود لا زالت عالقة بين السعودية والأعضاء الأربعة "الكويت وقطر والإمارات وعمان," بعد اقتطاع لسلطات واسعة وغنية بالنفط وخصوصًا من الكويت والإمارات.

 بل أن مشروعًا حيويًا إقامة جسر يربط قطر والإمارات فتعطل بسبب رفض السعودية مروره في مياهها الإقليمية الفاصلة ما بين قطر والإمارات  بعد أن اقتُطعت أراضي من البلدين وترتب عليها مياه إقليمية في خور العديد.

 

 

وإذا راقبنا مسيرة مجلس التعاون, فإن مشاريع حيوية أهمها السوق الخليجية المشتركة والعملة المشتركة والبنك المركزي الخليجي والهوية الموحدة متعطلة,بسبب خلافات ما بين الدول الأربع من ناحية والسعودية من ناحية أخرى, وقد أُضيف عامل مستجد على الخلاف حيث أن السعودية تُعتبر الراعي للإتجاهات والتنظيمات الإسلامية السنية وخصوصًا تنظيمات الأخوان المسلمين والسلفيين في منطقة الخليج, حيث دخلت كلًا من الكويت والإمارات في صدام مع تيار الأخوان المسلمين والسلفيين.

وفي خضم هذه التناقضات تبقى البحرين وحدها متحمسة لمشروع الإتحاد الجليجي, وذلك في محاولةٍ للهروب من إستحقاقات الحركة الجماهرية من أجل التغيير ولتأمين دعم ثابت لا من قِبل الجار الأكبر.

 

موقف القوى السياسية

في ظل حالة الإستقطاب السياسي والطائفي الذي عمقته رياح الربيع العربي, والذي ممث في إنتفاضة 14 فبراير في البحرين وحركة 17 فبراير في عمان ؤالحراك الجماهري في الكويت والحركات السياسية الحقوقية في السعودية والتحرك الحقوقي في الإمارات. فقد شكل مشروع الإتحاد الخليجي قضية جلافية أخرى في ما بين القوى السياسية وخصوصًا في البحرين حيث نرى القوى والشخصيات الديمقراطية والعلمانية المعارضة في الخليج مشروعًا لتعزيز القبضة السعودية والإماراتية في البحرين إثر انتفاضة 14 فبراير وفي الوضع الخاص في البحرين في ظل تحالف التنظيمات والشخصيات الشيعية والديمقراطية المعارضة.

 

فقد كانت معارضتها للمشروع حازمة وعبرت عن ذلك خلال تجمع جماهري في الماحوز, بالمنامة العاصمة في يناير 2012. كما بيانًا واضحًا لتحالف القوى المعارضة تؤكد فيها أنها تشترط في إقامة أي اتحاد خليجي أن يقومك على الإرادة الشعبية المتمثلة في إستفتاء مواطني المجلس في كل بلد على حده, وأن يكون ذات بنية ومحتوى ديمقراطي ويضمن المشاركة الشعبية.

 

من ناحية أخرى, فقد استُخدمت القوى والشخصيات الموالية للترويج للمشروع, باعتباره خشبة الخلاص في مواجهة ما اعتبروه بالأطماع الإيرانية, وكذلك المعارضة المطالِبة بالإصلاح والتي يعتبرونها متعلقة بايران. وتساوق مع هذه الحملة شخصيات عامة خليجية وحماة ترويجية في الصحافة والمحطات الفضائية بالإضافة إلى الفضاء الإلكتروني.

 

ثم تطور الأمر وبايعازٍ من النظام في البحرين  بعقد مؤتمرات ترويجية ممولة من الديوان الملكي في البحرين ودعوته لمؤتمرات في فندق ديبلومات في نوفمبر 2011 بتنظيم من قِبل مركز دراسات كويت, وفي فندق انتيركونتيتتتال في أبريل 2012 بتنظيمٍ من قِبا جمعية الوسط العربي الإسلاميز وفي مندق الشيراتون في نوفمبر 2012 بتنظيم من قِبل تجمع الوحدة الوطنية, أحد إفرازات الأزمة الحالية.

 

وفي جميع هذه المؤتمرات استُنفزت الشخصيات العامة الجليجية للترويج لمشروع الإتحاد الخليجي والتسقيط بحق معارضي المشروع وخصوصًا المعارضة البحرينية. ولا بأس بالسماح لبعض الأصوات النافذة لإعطاء نوعٍ من المصداقية عليها. كما نظم المجلس الأعلى للشباب والرياضة مؤتمرًا شبابيًا خليجيًا للترويج للمشروع.

 

مواقف الأنظمة الخليجية

كان واضحًا أنه باستثناء السعودية الداعية للمشروع والبحرين التي تعلقت بالمشروع كخشبة خلاص, بأن باقي أعضاء المجلس لم تكن متحمسة بالأساس للمشروع لأنها ترى فيه مزيدًا من تشديد القبضة السعودية على مجلس التعاون الخليجي وعليها. كانت عمان هي الأوضح والأكثر حزمًا, فقد صرح وزير الدولة للشؤون الخارجية يوسف بن علوي في إجتماع وزراء الخارجية في الرياض. أثناء التحضير للقمة الجليجية التشاورية في مايو 2012, بأن المشروع مؤجل حتى اجتماع وزراء الخارجية القادم في سبتمبر 2012. ولم يناقش المشروع أيضًا حينها.

 

ومن الواضح أن مشروع الإتحاد قد طوي مؤقتًا, فقد صرح وزير خارجيو البحرين الشيخ خالج الدين أحمد الخليفة. وعلى هامش حوار المنامة 7-8\11\2012 على أن مشروع الإتحاد الخليجي لن يكون على جدول أعمال القمة المرتقبة في المنامة في هذا الشهر ديسمبر 2012. وهذا يعني تأجيل مناقشته إلى أجلٍ غير معروف.

 

كما أن الكويت وعلى لسان رئيس مجلس الأمة المُنحِل أحمد السعدون قد صرح بشكلٍ صريح أن الكويت ترفض مشروع الإتحاد الخليجي لأنه لا يستند إلى آليات ديمقراطية وأنه سيشكل إضعافًا للنظام الديمقراطي في الكويت. ورغم أن كلًا من الإمارات وقطر لم تصرحها بشكلٍ علني  معارضتها للإتحاد إلا أنها لم تصرح تأييده.

 

وحدة الخليج في برامج الشعوب وقواها الحية

حتى إجبار بريطانيا العظمى ومشايخ الخليج على توقيع الإتفاقيات المانعة في 1820 تحت دعوى مكافحة القرصنة وتجاوة العبيد والسلاح. ثم اتبعتها باتفاقية الحماية في نهاية القرن التاسع عشر. لم تكن هناك كيانات سياسية أو هويات محلية أو حدود مرسومة فيما بين الخليجيين ليس فقط على الساحل العربي بل أيضًا على الساحل الإيراني. فقد كانوا ينتقلون ويتملكون ويقيمون ويعملون بكل حرية. وكان الجليج العربي مفتوحًا للتجارة وللصيد والغوص من أجل اللؤلؤ.  لكن بريطانيا وفي معالجتها لوضع حدٍ لفوضى اقتتال القبائل والقرصنة وتجارة العبيد والسلاح, ولتقزيم الإمبراطورية العثمانية, عمدت على إضفاء الشرعية على  زعماء القبائل وحولت التجمعات القبائلية إلى كيانات سياسية عشوائية.

الشعب في الخليج شعب عربي واحدٌ يرتبط بروابط العيش والهوية والدين. لذلك ينتهي كل تعريف وعنوان بريدي: "الخليج العربي". وبشكل مبكر طرح رواد الوطنية في الخليج وحدة شعب الخليج كما في الحركة الإصلاحية للمشالس التشريعية في الكويت والبحرين ودبي 1938. كما أن بواكير الحركة الوطنية الحديثة في البحرين والكويت وعمان وا|لإمارات وقطر في الخمسينات أكدوا على وحدة الخليج العربي وخصوصًا في وجه الأطماع الإيرانية والإخضاع البريطاني.

 

وقد سارت حركات القومية واليسارية في الستينات على ذات الهدى مع إضفاء محتوى تقدمي وتحرري وديمقراطي على هذه الوحدة.

وقد وحدت صفوف الثورة والنضال بين الخليجيين وسقط الشهداء على ثرى ظفار. كما استضافت الزنازن الخليجيين المناضلين من مختلف البلدان والإتحادات.

 

مجلس التعاون الجليجي

هناك مفارقة كبيرة ما بين إعلان مجلس التعاون الخليجي في الإمارات ديسمبر 1980 والذي ينص على ديباجة إعلانه وبناءٍا على ما يجمع بين أبناء الخليج العربي من وشايح الغرب والهوية والدين واستجابة لمتطلعات المواطنين نحو إقامة كيان يوحد, نعلن قيام مجلس التعاون لدول الخليج مع العربية. مع أن الدوافع الحقيقية لقيام المجلس وبنيته وأهدافه مختلفة تمامًا.

من الواضح أن قيام مجلس التعاون الخليجي  جاء إثر إنتصار الثورة الإسلامية بايران في فبراير 1979ز وما  شكلته من تحديات لنظم الحكم الخليجية. أيضًا يليها الحرب العراقية الإيرانية المدمرة والتي شكلت تهديدًا أمنيًا وعسكريًا بخطورة امتدادها وتأثيرها على الملاحة وتوقف النفط شريان الحضارة.

فالمجلس تم بقرارات فوقية من قِبل حكام لا يعتبروننا مواطنين لهم حقوق ورأي في مصيرهم, بل مجرد رمايا يتم التصرف بهم وبأوطانهم حسب قولهم "الشيوخ أبخص أي أفهم" ولا تزال هذه العقلية مستمرة حتى اليوم وغدًا.

جرى بناء مجلس التعاون الخليجي من قبل الأنظمة وعلى شكلها, بناء إبير بيروقراطيًا فوقيًا يتافق وإرادة الحكام ولا دور للشعوب فيه ولل برلمان يعبر عن مصالحهم ويراقب المجلس, ولا آلية ديمقراطية لمعرفة رأي المواطنين والإنصياع لها.

يقال أن مجلس التعاون هو الأنجح بين المشاريع الإتحادية العربية, مثل الإتحاد المغاربي والإتحاد العربي. وهذا صحيح لأن الأنظمة الخليجية الأقرب للتماثل بين نظرائها من الأنظمة العربية لكنه ليس نجاحًا بالمقاييس الإتحادية العالمية مثل الإتحاد الأوروبي والمشكل من أمم مختلفة.

 

صحيح أيضًا أنه قد تحققت للمواطن الجليجي بعض المكاسب مثل حرية التنقل والتملك والعمل وتنسيق محدود في مختلف المجالات مثل العلاقات الخارجية والصحة والتعليم والمواصلات, والتجارة وغيرها, لكن ذلك بثمن باهظ  دفعه المواطن الخليجي من حريته ودفعته الشعوب من حريتها وهويتها الخليجية لحساب هويات محلية.

فمنذ الإتفاقية الأمنية في 1985 حتى الإتفقين الأمنية الأخيرة في إجتماع وزراء الداخلية في نوفمبر 2012, فقد طورت الأنظمة الخليجية آلياتها وتعاونها لإحتواء وقمع أي تحرك جماهيري للثورة أو للتغيير في أي بلدٍ خليجي. لقد سبق أن تكاتفوا مع ايران في قمع الثورة العمانية في الستينات وها هم قد تكاتفوا في قمع إنتفاضة 14 فبراير 2011 البحرينية, وما بينهما فقد أمعنوا في ملاحقة المناضلين السياسيين المعارضين والحقوقيين والإصلاحيين الخليجيين بمختلف السبل قبل الرصد, والحرمان من العمل, والمنع من التنقل والسجن وها هي قوائم المناضلين الخليجيين متداولة في ما بين سلطات المخابرات الخليجية.

ومنذ إنطلاقة الربيع العربي وهبوب نسائمه على الخليج, فقد تصاعدت وتيرة وشمولية القمع ضد حركة التغيير في البلد الخليجي بدعمٍ أمني وسياسي ودعاوى  من قِبل مجلس التعاون ودوله الأعضاء.

بل أن مجلس التعاون الخليجي يشكل حاليًا رأس الحربة في إحتواء الثورة التي نجحت نسبيًا ومواجهة الثورات والإنتفاضات وحركات التغيير التي تمر بالمخاض وهي في تحالف استراتيجي مع الغرب بقيادة الولايات المتحدة في ذلك, وفي إحباط ثورة الشعب الفلسطيني,

وبالقبول بكيان هزيل مقابل التطبيع العربي الكامل مع إسرائيل حسب ما يُعرف "بمشروع السلام العربي" والذي هو في الأصل خليجي.

 

الربيع الخليجي والبديل

لقد أطلق الربيع الخليجي قوى جماهرية خليجية هائلة في الصراع عمادها الشباب وبمشاركة النساء بشكل واسعٍ وليس رهنًا لاتفاق القوى السياسية المعارضة التقليدية, ويتجاوز للإنتماءات الإيدلوجية والسياسية والإجتماعية. وها نحن نشهد الحراك الجماهري بشكل قوي في البحرين و الكويت و بدرجةٍ ما في السعودية وعمان والإمارات, و حتي قطر.

 

هذه الإرصادات تطرح مشروع تحديد الوحدة الخليجية وإن منتدى الحوار الخليجي هو ثمرة الفكر التجديدي للوحدة الخليجية. ووجوده سابق للربيع الخليجي, لكن الربيع الخليجي يطرح عليه مسؤولية كبيرة أن يكون رافعة للنضال جماهريًا ونخبويًا من أجل اتحاد خليجي ديمقراطي منطلقًا من الشعب ويعود إلى الشعب.

لذلك أقترح على مؤتمرنا هذا إلى جانب الدعم والتضامن مع المناضلين في الساحات في دوار الؤلؤة وساحة الحرية و ساحة الإرادة, ساحة العالم وباقي الساحات. ومع التنظيمات السياسية والنقابية والحقوقية والمجتمعية والشخصيات المناضلة في خليجنا العربي, أن يصوغ وثيقةٍ لرؤيتنا للإتحاد والخليج الديمقراطي بديلًا عن الإتحاد الخليجي السلطوي.

سيظل شعبنا موحدًا وسيظل خليجنا واحدًا.

نحن جزءًا من الأمة العربية وإليها ننتمي وفلسطين في قلبنا.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

 

 

 

 
 
 
 
 
 

" الآراء المنشورة ليست بالضرورة تعبر عن موقف الجمعية "


نسخة سطح المكتب


جميع الحقوق محفوظه ©2017
لجمعية العمل الوطني الديمقراطي (وعد)