وأنتهى كرنفال تقرير الرقابة المالية

| |
عبدالله جناحي 2012-12-13 00:46:20


تأكدت قناعات قطاعات واسعة من المواطنين والنشطاء السياسيين بأن التقرير التاسع لديوان الرقابة المالية والإدارية سوف يمر في كرنفال إعلامي وعلاقات عامة وينتهي كما انتهت التقارير السابقة، إما في لجان رسمية تصدر منها تقارير وتصريحات بأنها نفذت توصياته أو في طريقها لتنفيذ هذه التوصيات، وأما في لجان مجلس النواب التي ستثار حولها معارك جانبية حتى يتم تجميده.

فمنذ التقرير الأول لم يحاسب أي مفسد، وكأن لسان الحال يقول بأن لدينا فساد ولكن لا يوجد مفسدين.

فمجلس الوزراء بعد صدور التقرير (وجه) الوزارات لأخذ ملاحظات التقرير وأعلن بأنه لن يسمح بالتجاوزات!! واكتفى عند هذا الحد وكفى المسلمين شر القتال.

ما كشفه التقرير التاسع:

كشف التقرير الكثير من التجاوزات، سواء في إيرادات الحكومة المسئولة عنها وزارة المالية ولم تدخل في خزينة الشركات التابعة لها (71,4 مليون دينار شراء وزارة الكهرباء للغاز الطبيعي، 179 مليون دولار مبيعات وقود الطائرات ـــ وشراء ألبا للغاز الطبيعي، 52 مليون دينار فائض هيئة تنظيم الاتصالات الذي لم يدخل في الخزانة العامة)، أو التجاوزات المتعلقة بعدم التزام الوزارات بقانون المناقصات والمزايدات والمشتريات والمبيعات الحكومية، أو إعفاء عدد من المباني والمنشآت من الرسوم البلدية من دون أن تنطبق عليها شروط الإعفاء، أو تجاوزات إدارية كتداخل مجالس إدارات كل من شركة بابكو والهيئة الوطنية للنفط والغاز والشركة القابضة للنفط والغاز، وغياب أعضاء من مجلس إدارة هذه الشركات بنسبة أكثر من 50%، وضعف رد هذه الشركات على ملاحظات الديوان بأن سبب هذا الغياب هو بأن بعض أعضاء هذه المجالس لديهم مناصب والتزامات أخرى ومنهم وزراء، دون وجود إحساس حقيقي بأن في البلاد هناك كثرة من الثروة البشرية المتمكنة والمتخصصة والتي يجب إحلالهم دون تمييز محل هؤلاء أصحاب المناصب الحكومية الكثيرة، وكأن لا يوجد في هذا البلد إلا هذا الولد!!.

وبالطبع هناك تجاوزات أخرى تم الكشف عنها كعدم الالتزام بالبحرنة وإحلال المواطن محل الأجانب رغم وجودهم لأكثر من 35 عاماً في هذه الوظائف.

ما لم يكشفه التقرير:

لم يتمكن ديوان الرقابة أن يكشف عن الوضع المالي والإداري في بعض الأجهزة الحكومية بسبب أن القانون الجديد للديوان قد أبعد هذه الجهات عن الرقابة، كالديوان الملكي، وديوان ولي العهد، والمصروفات والمشتريات العسكرية، رغم أن موازنات هذه الجهات ليست بقليلة.

كما لم يقترب تقرير الرقابة من الاستحواذ من قبل كبار المتنفذين على حوالي 65 كيلو متر من الأراضي والسواحل، رغم وجود تقرير لجنة في مجلس النواب ناقشت هذا الموضوع الخطير والكبير والمؤثر على حاضر ومستقبل البلاد، وعلى الموازنة والعجوزات والدين العام.

كما لم يقترب التقرير من فضيحة مكاتب العلاقات العامة الخارجية التي وقعت معها أجهزة الحكومة وصرفت عليها مبالغ بهدف تلميع سياسات الحكم غير الديمقراطية وتشويه مواقف المعارضة، بجانب العديد من القطاعات والشركات التي برزت فيها تجاوزات ولم يتم الإشارة إليها.

بيد أن الأخطر في هذا الموضوع هو عدم الإشارة للتجاوزات الإدارية التي حدثت إبان حالة السلامة الوطنية بحق آلاف من ثروة الوطن البشرية من أطباء وأساتذة الجامعات والممرضين والمسعفين والمعلمين والموظفين والعمال والطلبة والذين تم فصلهم عن وظائفهم، حيث أشار تقرير "بسيوني" بوضوح عن لا قانونية هذا الإجراء الماس بحقوق الإنسان، ورغم أن تقرير الرقابة المالية والإدارية قد ركز في كثير من محاوره على الثروة البشرية في الوزارات والشركات ومدى صحة ترقياتهم ومدى تطبيق القانون على مؤهلاتهم وحضورهم وغيابهم، ومع ذلك لم يقترب نهائياً من مرحلة مورس فيها الفصل التعسفي البغيض على أساس الهوية والموقف السياسي، وهو الأمر الذي سيؤثر ليس فقط على تدهور كفاءة الجهاز الحكومي وإنما على إضعاف مبدأ المواطنة.

إضافة لذلك فكان الأحرى من الديوان أن يرجع لتقرير "انخفاض التصنيف الائتماني للبحرين وهبوط مؤشر الفساد العالمي" ويتأكد من معايير هذا التصنيف الدولي وأسباب انخفاض مؤشر البحرين، حيث يعتبر ذلك مؤشراً مهماً للاستثمارات العالمية في مدى استفحال أو انخفاض الفساد في البحرين.

علاقة التقرير التاسع بالتقارير السابقة:

دون الدخول في التفاصيل، فإن التقرير الأخير كان من المفروض منه أن يشير إلى مدى التزام بعض الأجهزة بالتوصيات التي نشرتها التقارير في االسنوات السابقة، فعلى سبيل المثال التوصية الموجهة لهيئة التأمينات والتقاعد والتي أكدت على افتقارها لتقييم المخاطر لإدارة 3 مليار دينار، وهل التزمت الهيئة بذلك أم لا، حيث أنه مبلغ ضخم مرتبط بمصير الآلاف من المتقاعدين حاضراً ومستقبلاً.      

وكذلك التوصية المنشورة في تقرير الرقابة لعام 2009م بشأن حلبة البحرين والتي أشارت إلى وجود خسائر مالية وصلت إلى 86,8 مليون دينار في ديسمبر 2009م، وقامت ببيع ـأصولها لوزارة المالية عام 2006م بقيمة 65,5 مليون دينار وأجرتها مرة أخرى لمدة 90 عاماً بقيمة دينار واحد سنوياً ودون وجود عقد!!

والأهم من ذلك توصياته السابقة بشأن تقييم جدوى التخصيص لمحطة الكهرباء والنقل العام والميناء، ومدى القيمة المضافة لعمليات التخصص، وهل استفاد الاقتصاد والثروة البشرية منها؟

إن كل هذه التجاوزات تعتبر اقتصادياً ـ وحتى سياسياً واجتماعياً ـ ذات تأثيرات واضحة على نجاح الاستراتيجيات الاقتصادية التي أعدت بما فيها الرؤية الاقتصادية للبحرين حتى عام 2030م، ومن يقرأ تحديات الإستراتيجية الاقتصادية الوطنية يكتشف بأن وجود الفساد المالي والإداري يشكل تحدياً كبيراً لتحقيق هذه الإستراتيجية، وحسب معايير الحكم الرشيد التي تلتزم بها المؤسسات المالية والنقدية العالمية فإن اجتثاب الفساد والقضاء عليه يعتبر شرطاً للتمويل ولنجاح السياسات الاقتصادية.

ما المطلوب؟

المطلوب ضمن منظور "ما ينبغي أن يكون" لا يمكن تحقيقه في ظل غياب أسس دستورية وسلطة رقابة شعبية واسعة الصلاحيات، ولذا لن نطرح حلولاً بعيدة المنال ضمن الوضع الراهن البائس، وإنما المطلوب ضمن منظور "ما هو كائن" أي ضمن صلاحيات ديوان الرقابة هو الانتقال خطوتان للأمام وذلك من خلال الإجراءات التالية:

1 – تعديل منهجية التقرير بحيث يتضمن بجانب المحاور الحالية المتمثلة بسرد المخالفات ثم التوصيات ثم رد الجهة ثم تعقيب الديوان على الرد، أن يضاف محور تكرار المخالفات في كل وزارة سنوياً، حيث يعتبر مؤشراً مهماً لمدى التزام الجهة الحكومية بالتوصيات السابقة أو عدم التزامها بذلك.

2 – في ظل عجز مجلس النواب وفشله في الاستفادة من التقرير لتفعيل دوره الرقابي، وفي ظل عدم جدية الحكومة في محاسبة المفسدين وعزل الوزراء والمسئولين عن هذه التجاوزات، فالمطلوب من الديوان تفعيل المادة (11) من المرسوم بقانون رقم (49) لسنة 2010م والتي تنص على "... وللديوان صلاحية" إحالة المخالفات المالية والإدارية إلى الجهة المختصة لتحريك الدعوى الجنائية إذا ما توفرت لديه أدلة جدية على وجود جريمة جنائية".

نقول أن تفعيل ذلك قد يحرك المياه الآسنة ـ لعل وعسى!!    

 
 
 
 
 
 

" الآراء المنشورة ليست بالضرورة تعبر عن موقف الجمعية "


نسخة سطح المكتب


جميع الحقوق محفوظه ©2017
لجمعية العمل الوطني الديمقراطي (وعد)