أنا الغريق فما خوفي من البلل !!

| |
عبدالله جناحي 2012-10-16 07:40:52


 

نعم أنا الغريق فما خوفي من البلل، هذا هو شعور من وصل فيه الحال إلى مرحلة نفسية وعقلية بأن استمرار التمييز بحقه وعدم نيّل حقوقه، وبعدما مورس بحقه وبحق أسرته وأبناءه وأصدقائه أبشع أنواع الانتهاكات الحقوقية، وأهينت كرامته ومست مقدساته ومذهبه، ونهبت سواحله وأراضيه، فأزيل عن روحه حاجز الخوف والتردد وأصبح كذاك الذي قال عنه أحد الفلاسفة الكبار بأن الكادح المعدوم سيكون مقداماً شجاعاً لن يهاب ويستقبل الموت بصدر مفتوح لأنه لن يخسر سوى أغلاله!

 

إن الهدف من الفقرة أعلاه ليس تحدي للسياسات الأمنية ومواصلة الانتهاكات الحقوقية، وليس تذكير بأن كافة شعوب العالم الذي انتفضت واستمرت في مقاومتها ضد الاستبداد لم تهدأ أو تستقر إلا بعد أن أيقنت حكوماتها بضرورة تحقيق مطالبه السياسية والدستورية والحقوقية والمعيشية واحترام رغباتها وأحلامها المشروعة، وان الحكومات التي عاندت وارتأت بأن قمع شعوبها وقتل مقاوميها وكبت حرياتها الطريقة الأمثل لإطفاء ثوراتها وانتفاضاتها لم تستمر طويلاً فمنها من سقطت ودخلت في سواد التاريخ، ومنها من دمرت البلاد والاقتصاد والعباد وخلقت الشروخ والجروح في الشعور والجسد والحياة، ومنها ما زالت مستمرة في عنادها وقمعها فأصبحت مكروهة لدى شعوبها وموصومة بالظلم والاستبداد والانتهاكات من قبل شعوب والدول الحرة الديمقراطية.

 

ليس القصد من مقدمة هذا المقال كل هذه الأهداف، وإنما القصد والهدف بأن أية سياسة اقتصادية أولاً، واجتماعية ثانياً، وثقافية فكرية إعلامية تعليمية ثالثاً، لا تخلق مجتمعاً بمستوى معيشي محترم، وتوسع من دائرة ومساحة الطبقة الوسطى كطبقة توازن للاستقرار بحيث تصبح أغلبية المواطنين يمتلكون ثروة ويحلمون بمستقبل أفضل لأسرهم ويحصلون على فرص عادلة للمزيد من العمل والإنتاج والادخار ليزدادوا غناء واستقراراً، إذا لم تكن هناك مثل هذه السياسة الاقتصادية فإن المقاومة والاحتجاجات ستستمر، حيث لا يفقد الفاقد غير أغلاله ولا يرى طريقه للنجاح والحرية إلا بالمزيد من البلل، فهو غريق وغارق ولا يرى أي أفق مضيء أمامه إلا بمواصلة هذا النهج.

 

بيد أن مثل هذه السياسة الاقتصادية العادلة والناجحة التي تحققت في كثرة من الدول الغربية والآسيوية  ـ وبالأخص الدول الاسكندينافية ـ  لن تنجح بدون وجود حكم عادل رشيد يمنع ويحاسب المفسدين ويخفض نسبة الفساد إلى حدود دنيا يصل لدى بعض الدول إلى الصفر.

 

بيد أن أيضاً لن يستطيع الحكم أن يخفض مستويات الفساد ويحمي المال العام ويزيد الفائض إلا بوجود رقابة شعبية صارمة على الحكومة وكبار المسئولين عن تنفيذ السياسات، وصحافة حرة قادرة أن تصبح بمثابة سلطة رابعة حقيقية تستطيع الوصول بشفافية للمعلومات ولا تتردد في كشف الأخطاء والمفسدين وغير الكفوئين وغير الجديرين من المسئولين منفذي السياسات.

 

بيد أن ثالثاً هذه الرقابة الشعبية مطلوبة لإنجاح الاقتصاد المنشود ومحاربة الفساد لن تتحقق دون وجود دولة المؤسسات والقانون والتي أساسها وجود سلطة تشريعية رقابية حقيقية تجسد من خلالها معنى وجوهر المشاركة السياسية في صناعة واتخاذ القرار السياسي والاقتصادي والاجتماعي، وتحقق الحرية والعدالة وعدم التمييز واحترام كرامة وحقوق الإنسان والمساواة على أساس المواطنة الحقة دون تمييز مذهبي أو اثني أو جندري.

 

حينها فقط يمكن توسيع مساحة الطبقة الوسطى كمؤشر لنجاح السياسة الاقتصادية المنشودة منها وخلق استدامة للتنمية والاستقرار السياسي والأمني.

 

إنها دوائر متداخلة ومن يلغي دائرة الحق الدستوري في الشراكة الكاملة لن ينجح في تقوية الدائرة الاقتصادية ولا الدوائر الأخرى الاجتماعية والحقوقية، لن ينجح إلا في خلق المزيد من الفقر والمزيد من الغرقى الذين لا يهمهم البلل ولا يبحثون إلا عن طريق عنيف لكسر أغلالهم، فهل من متعظ؟؟

 
 
 
 
 
 

" الآراء المنشورة ليست بالضرورة تعبر عن موقف الجمعية "


نسخة سطح المكتب


جميع الحقوق محفوظه ©2017
لجمعية العمل الوطني الديمقراطي (وعد)