تأثير الدولة الريعية على مؤسسات المجتمع المدني

| |
عبدالله جناحي 2012-09-27 07:57:25



قانون التعريف الخاص بالمجتمع المدني والمتمثل بأنه "مجتمع يعيد إنتاج ذاته كمجتمع من الأفراد الأحرار القادرين على التعاقد خارج إطار الدولة والقادرة على إعادة إنتاج ذاته خارج الدولة وفي علاقة استقلال نسبي معها"

إن هذا التعريف ممكن تطبيقه على أغلبية مؤسسات المجتمع المدني، وهو تعريف لا يعني باستقلالية هذه المؤسسات عن نظام الإنتاج السائد، وأن كانت مستقلة عن الدولة في سياساتها وقراراتها نظريا على الأقل حيث القوانين والقرارات الإدارية تخنق هذه الاستقلالية ولا تحولها إلى سلطة خامسة في المجتمع بجانب السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية والإعلام، وسبب عدم استقلالية هذه المؤسسات عن نظام الإنتاج السائد هو ارتباطها غير المباشر بإفرازات النمط الاقتصادي السائد، فاذا كان الاقتصاد معتمدا مثلا على نظام الضرائب وبالتالي وجود ثقافة الرقابة والتمثيل الشعبي والتشاركية كأعمدة أساسية لرقابة مصروفات المورد الضريبي للاقتصاد، وهذا من شانه أن يقوي دور وثقل مؤسسات المجتمع المدني التي تصبح فعلا سلطة خامسة في المجتمع.

أما في الاقتصاد الريعي فالأمر يختلف حيث يلعب دوراً ملموساً دون قيام مؤسسات مدنية قوية ومتماسكة، حيث يكرس الاقتصاد الريعي قيم اعتماد المواطنين على مكرمات ورعاية الدولة، وبالتالي تفتقد مؤسسات المجتمع المدني نسبيا استقلاليتها عن الدولة.

ولا يمكن أن ننتج اقتصاد مقسم بين اقتصاد الريع والقبلية والريف مجتمعاً مدنياً، بمعنى مجتمعاً ينتج اقتصاد الدولة ويدخل معها في علاقة جدلية، مجتمعاً تعاقدياً قوياً مؤلفاً من أفراد مقابل دولة قوية، ولذلك وفي ظل غياب الديمقراطية الحقيقية تحت نموذج الدولة الريعية أو الراعية أو الدولة الغنائمية، فان المجتمع المدني يكون ضعيفاً ومفتتاً.

 

"إن تفتت المجتمع المدني يتحقق بالارتداد إلى عناصر ما دون المجتمع المدني، ما يمكن تسميتها بالانتماءات الوشائجية، بحثاً عن مخلصّ، كالعرق أو القبيلة أو الطائفة" ( الدكتور عزمي بشارة، في المسألة العربية- مقدمة لبيان ديمقراطي عربي، 2007م، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت)، "فعندما يتعرض المجتمع لأزمة طاحنة أو خطر واهم نعود إلى هذه الانتماءات ـ الولاءات الوشائجية التي نجد فيها الآمان والطمأنينة، أو نستعملها كأدوات لتحقيق المصالح وكسب المنافع ( المصدر السابق)".

 

واضح إن هذا التفتت والارتدادات لها بالغ الأثر في تدعيم سلطة الدولة، بخاصة الدولة الراعية، من حيث إنها تشتت التيارات التغييرية وتبعثر جهودها فتضعفها من جهة وتركز جهود قطاعات واسعة من المجتمع في الاصطفاف أو الاصطفاف المضاد مع انتماءاتهم الوشائجية الخاصة حسب خلفيتهم الثقافية، نتيجة للتربص والريبة من الجانب الآخر من جهة أخرى. فيظهر استبداد الدولة وكأنه الضمان الوحيد للاستقرار ويجد دعماً لشرعيته عبر هذا الباب، وبالتالي ليس غريباً أن تسعى عدد من الدول إلى سياسات تعميق هذه الاصطفافات، وبالتالي إلى إعاقة نشؤ مجتمع مدني (أو نقابات قوية) وإلى تدعيم شرعيتها عبر نشر ثقافة ما يمكننا تسميته بــ "تأزيم الاستقرار" حيث نجد "الاستقرار" الذي تضمنه الدولة منوطا بالحؤول دون انفجار الوضع المتأزم الناتج عن هذه الارتدادات الوشائجية الذي تنتجه بنية الدولة نفسها، وفي هذه الحالة نرى النظام نفسه يضفي شرعية على الأزمة، من حيث أن استقراره مرتبط بالمحافظة عليها وإعادة إنتاجها (المصدر السابق).

إن هذه التهديدات المحدقة بالسلم الاجتماعي واللحمة الأهلية والسيادة الوطنية ـ في ظل الجمود السياسي الملازم للدولة الراعية، لابد وان تفرض على الحكومات مراجعة سياسات الاستغناء عن دور شعوبها والاستقلال عن تأثير مجتمعاتها عن تحديد الخيارات واتخاذ القرارات.

 
 
 
 
 
 

" الآراء المنشورة ليست بالضرورة تعبر عن موقف الجمعية "


نسخة سطح المكتب


جميع الحقوق محفوظه ©2017
لجمعية العمل الوطني الديمقراطي (وعد)