المتحولون

| |
عبدالله الحداد 2012-09-27 07:56:33


تتعلق الشعوب بمناضليها وتعتبرهم نبراسا لها لأنهم شعلة التغيير والمبشرين به والعاملين عليه الباذلين الغالي والنفيس لأجل كرامة الشعب ومن أجل الديموقراطية والمساواة. فالشعوب ليس بامكانها ان تكون في حالة استنفار دائم تجاه الحكومات المستبدة والفاسدة، وانما تتتالى افعالها بين النشاط والسكون، وحالات الاستنفار والتراخي بحسب الظروف والنوازل ولأن مقاومة الكل وفي كل وقت مسألة مستحيلة.  لذا يتولى المناضلون هذه المهمة المستمرة، يفضحون كل فساد مكشوف أو مخفي، يكشفون كل عمل تشوبه خيانة، يعملون ليل نهارلكسب افضل المستعدين للمقاومة في السرية والعلن، يحفزون الشعب على الانتفاض ويملؤونه الثقة بالقدرة على التغيير. لكن مقابل ذلك يتلقون ابشع أنوع الاعتقال والتعذيب والمطاردة والنفي والتشريد، وفي كثير من الاحيان يبلغون الشهادة.

 وهو ما يجعل لهم مكانة خاصة في قلوب وضمير شعوبهم، بل يكونون بمثابة وكلاء روحيين مفوضين وناطقين باسمهم والتعبير عن طموحاتهم.

       لكن الشعوب تدرك الفرق بين درجتين من العمل السياسي المناهض: النضال والمعارضة، فالأولى يحتلها المناضل الذي يتحمل الأخطار بلا حسابات ولا تردد، اكثر من رفيقه السياسي الآخر الذي يعمل معارضا بشكل سلمي ضمن الشرعية القائمة فعواقب الأخير عادة اقل خطورة من الأول.

 وكذلك هناك فرق آخر جوهر يستدعى احترام الشعب لأي منهما اكثر من الآخر، فإن كان أحدهما يتمتع بألمعية سياسية وفهم عميق لكيفية القيادة السياسية ويدعوا في قمة الانفعال لخطوات هادئة ومدروسة وذكية دافعا لاستخلاص الدروس والعبر ضمن افق الممكن في العلم السياسي، خاصة أذا ما كان يتمتع برزانة وتواضع في السلوك ويكن تقديرا جما لكافة لثقافة الشعب ممتزجا مع فئات الشعب فإنه يكون في مكانة خاصة تكون فيها كل خطواته وألفاضه وكتاباته محل تركيز يؤثر بها سلبا وإيجابا في حالة مواطنيه ويحتل مكانة القائد.

  

 

لكن المناضلين في الصلابة معادن! فقد يصيب بعضهم التعب والاحباط والوهن  فتتكسر صلابتهم من آثار التعذيب المادي والنفسي والملاحقة، فينسحبون من الساحة السياسية بشرف تاركين الساحة لآخرين يواصلون الدرب بذات الأسلوب أو بأساليب اخرى أو ايديولوجيات وشعارات مغايرة واكثر نجاعة. لكن الشعب يضل يقدر جهودهم وتعبهم والأخطار التي تعرضوا لها فيبقيهم في ضميره مهما طال الزمن.

 أما البعض الآخر فيتراجع خطوات هائلة للوراء مخزية متناقضة مع مسارهم االسابق لأسباب عدة مكشوفة قد يكون اخطرها بيع ذمتهم للسلطة المستبدة التي طالما ناهضوها! وخوفا من خسران امتيازات مادية نثرت لهم فجأة بهدف احداث خلل في المعارضة وطمعا في زيادتها أو على الأقل حفاظا عليها. مع ادراكهم لخطورة تراجعهم وتأثيره السلبي في نفسية الشعب.  

 وإن حاججتهم سوف لن يعجزوا عن تقديم التبريرات الواهية، ولا عجب أن يكون منها أنه صار اكثر فهما لمصلحة شعبه وأكثر حرصا على مصالح الناس فقد علمته التجربة أن السلوك المقاوم مناطحة لحمقى لجبال راسية. ويحاول ان يصور الآخرين بالطفوليين والأغبياء أو البساطاء الأبرياء!  بل قد يقول سوف يخدم الناس من خلال المركز القيادي "يحلم أو موعود " سوف يدافع ويحقق نتائج افضل للمواطنين من ذلك النضال الميؤوس!. ولا شك أن تلذذ المال-الثمن، و(البرستيج) الذي اتيح له "كفخ" وضعه في حال عدم اتزان فقبل أن يكون ظلا لمسئولين كبار حلما في التوزُر .

لنا أن نسأل: كيف يمكن أن تكون نفسية هؤلاء في الوضع الجديد؟  الا تختض نفوسهم وكأنهم ابحروا في مياه عاتية فجأة ولم يحسنوا السباحة بعد؟ أو لم يحتاطوا من أدوات السلامة؟ الا يتفاجئوا بتحولات نفسية داخلية لا قبل لهم في صدها؟ الا يتقوعوا ثمة غضب قد يفاجئهم من المسئولين الكبار يوما، إن لم يحسنوا تقديم بضاعتهم، أو إن بضاعتهم لن تؤتي ثمارها للسادة الجدد؟ الا ينتابهم الخجل حين يتواجهون مع مواطنيهم بل اقرب اقربائهم الذين كانوا يعتزون بانتمائه لهم، ألن يعتورهم غضبا من أنفسهم بأنهم صاروا رخيصين وليس بامكانهم الاستمرار في طريقهم أو الرجوع لمانتهم السابقة؟

أما السؤال الأهم : هل يؤثر تحولهم في مسيرة شعوبهم؟ الجواب بالتأكيد "كلا" وإن كان لتحولهم في البداية خسارة كبيرة. وعلى اكثر تقدير ربما تحدث بعض الهزات قليلا لكنها ليست كافية لكسر ارادة الناس عن السير للأمام.

 

 
 
 
 
 
 

" الآراء المنشورة ليست بالضرورة تعبر عن موقف الجمعية "


نسخة سطح المكتب


جميع الحقوق محفوظه ©2017
لجمعية العمل الوطني الديمقراطي (وعد)