قديم عبدالرحمن النعيمي: مؤتمر للتقريب بين المذاهب الإسلامية

| |
عبدالرحمن النعيمي 2012-09-25 17:03:14




شد انتباهي ما ورد على لسان الشيخ يوسف القرضاوي في معرض حديثه عن مؤتمر التقارب بين المذاهب الإسلامية الذي انعقد في قطر في مطلع السنة الهجرية، حيث أشار إلى ضرورة احترام الصحابة والمرجعيات الدينية لدى كافة المذاهب، وعدم السعي لكسب أنصار من مذهب إلى مذهب آخر!!

 

وحمل البعض من رجال الدين وخاصة الأخوة من العراقيين مسؤولية كبيرة في الصراع المذهبي إلى إيران التي تعتمد على بعض الميليشيات الطائفية، واحتار بعضهم في تحميل رجل الدين أم رجل السياسة المسؤولية الأساسية والأولى في الصراعات التي تجري في عالمنا الإسلامي. وعلى بعد عشرات الآلاف من الكيلومترات، في جاكرتا، انعقد مؤتمر للبرلمانيين الإسلاميين، افتتحه الرئيس الاندونيسي لحشد قدرات هؤلاء البرلمانيين لما فيه مصلحة التيار الإسلامي بتفرعاته المختلفة من جهة، وللوصول إلى قواسم مشتركة في القضايا السياسية المشتركة للمسلمين من ناحية ثانية. 

 

يكتسب المؤتمر الأول أهميته البالغة هذه الأيام حيث أننا في مطلع شهر محرم، حيث شهد هذا الشهر مقتل الأمام الحسين في معركة كربلاء في بداية عهد الخليفة يزيد بن معاوية الذي أسس والده، معاوية الأموي، الحكم الوراثي في التاريخ الإسلامي، بعد أن انقضى عهد الخلفاء الراشدين بمقتل الإمام علي بن أبي طالب، حيث نشاهد مواكب عاشورا في الكثير من البلدان العربية والإسلامية وخاصة في البحرين حيث أن الأمر يعنينا بشكل خاص.

 

كما يكتسب المؤتمرين أهمية بالغة على ضوء الإستراتيجية الأمريكية التي ترتكز على تمزيق الأمة العربية من جهة على أساس طائفي وعرقي وعشائري وقبلي وسواه، وحشد كل الإمكانيات العربية لمواجهة الجمهورية الإيرانية لعزلها عن جيرانها العرب من جهة، وتهيئة الأجواء لأية قرارات عسكرية خطيرة تتخذها الإدارة الأمريكية مع الكيان الصهيوني المرعوب للغاية من تطور القدرات العسكرية الإيرانية بعد أن تخلص من القدرات العسكرية العراقية التي باتت تحت السيطرة الأمريكية. الطلب الذي قاله الشيخ القرضاوي حول احترام الصحابة، يعيدنا إلى مسألة أساسية، وهي التاريخ العربي الإسلامي، وكيف نتعاطى معه، هل التاريخ ملك للأمة العربية جمعاء، أم إن بعضاً منه ملك للسنة وجزء منه ملك للشيعة، وهل يمكننا تغيير التاريخ وإعادته إلى الوراء لصياغته من جديد، أم أن التاريخ هو محصلة الصراع في لحظة معينة أو فترة معينة بين فرقاء، رفاق درب، كوكبة من القادة العظام، مبشرين بالجنة وغيرهم، وأنه تعبيراً عن ميزان القوى الطبقية والاجتماعية والسياسية وغيرها على امتداد التاريخ، السابق واللاحق والمعاصر.. وأن القيمة الحقيقية للتاريخ هو الاستفادة من دروسه والتعلم منها لكي لا نعيد سلبياته ولكي نصحح المسارات على ضوء المتغيرات السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي راكمتها المرحلة السابقة.. بحيث نسهم بوعي في الأحداث اللاحقة.

 

ولأنه ملك للأمة جمعاء، فإن من الواجب اعتباره ملك لجميع العرب والمسلمين.. ومن المصلحة الوطنية والقومية التعاطي معه على هذا الأساس وبالتالي احترام وتقدير الجهود الكبيرة التي بذلها الجميع من أجل رفع راية الإسلام وراية الأمة.. ومن واجب علماء الدين أن يكونوا في مقدمة من يصحح التعبئة الخاطئة لنتمكن من تجاوز بعض الآثار النفسية السلبية في العلاقات بين المسلمين من مختلف الطوائف.  

أما الدعوة إلى عدم السعي لكسب مناصرين أو منتمين إلى مذهب إسلامي دون غيره، فلا أعتقد بأن تلك دعوة واقعية، حيث أن من حرية المسلم، إذا كانت لديه القدرة على ذلك، أن يكون سنياً أو شيعياً أو درزياً أو منتمياً إلى أي من المذاهب الإسلامية، فلا ضير في ذلك، ولا يجب تفسيره على أنه اعتداء من أنصار مذهب على آخر..

ولكن..

 

كان الانحياز ـ تاريخياً ـ إلى مذهب من المذاهب الإسلامية انحيازاً إلى موقف سياسي، وذلك ما يفسر امتداد رقعة الدول الإسلامية التي تعاقبت في البلدان العربية، وانتشار دول إسلامية وتقلصها واختفائها من الخارطة، وانتقلنا بعد الاحتلالات الأوروبية لبلداننا إلى عصر الركود والجمود في الحركة السياسية الإسلامية، بحيث بقيت المذاهب التي كانت تعبيراً عن السياسة ـ إلى هذا الحد أو ذاك ـ في فترة سابقة، ويكفي الإشارة إلى إيران التي كانت في فترات طويلة سنية ثم انتقلت إلى المذهب الشيعي مع الدولة الصفوية.

 

وفي الوقت الحاضر امتزج الجانب المذهبي بالصراع السياسي إلى درجة كبيرة، سواء بين الأطراف المحلية في كل بلد عربي أو على صعيد المنطقة برمتها في مواجهة مخططات الولايات المتحدة الأمريكية التي وجدت ضالتها في التقسيم والتفتيت والتمييز الطائفي والعرقي، تحت ادعاء أنها تريد الوقوف إلى جانب الأقليات أو القوميات التي اضطهدت في مرحلة سابقة في هذا البلد أو ذاك، وهي كاذبة في هذا الادعاء، حيث أنها تريد النفط، وتقف إلى جانب أي نظام عربي أو إيراني يلتحق معها ويسير في دبرها ويعترف بالكيان الصهيوني، القاعدة العنصرية الاستيطانية في فلسطين التي امتزج فيها الديني بالسياسي، لكننا نرى السياسي هو الأساس، في قلب التوجه الأوروبي والأمريكي الذي يرى في الحركة الصهيونية الأداة الفاعلة لإقامة مستوطنة كبرى يعتبرها جزءاً أساسياً منه، ولا يمكن أن يلعب على مكوناتها القومية، بل يدعمها بكل إمكانياته ويعتبرها أداته الضاربة التي تقوم بأدوار لا يريد أن يقوم بها أو يعجز عن القيام بها، حتى جاء العدوان على لبنان، فاكتشف الأمريكي أن المقاومة اللبنانية المتحالفة مع سوريا وإيران قد ألحقت هزيمة إستراتيجية كبرى بقاعدته وبمخططاته، فهاله الأمر، وخشي أن تمتد العدوى إلى بقية لبنان وبقية البلدان العربية، فاكتشف أن حزب الله شيعياً ولا بد من التحريض والتعبئة ضد الشيعة وضد إيران (ولا بأس من القول بأن سوريا تسير في دبر السياسة الإيرانية للتقليل من دورها في حركة الصراع).

 

نحن الآن أمام معركة سياسية كبرى.. لن أتحدث عن الجوانب المحلية في كل بلد عربي، حيث يكفي الالتفاف إلى ما يجري في البحرين، والذي لا يمكن تفسيره إلا أن الحكم لا يريد تغيير ميزان القوى لصالح القوى الشعبية المعارضة له، سواء وسط كل الفئات الاجتماعية بتلاوينها المذهبية والعرقية، فلا يجد سوى الاعتماد على قوى سياسية موالية له، (شيعية وسنية على حد سواء)، ولكن بإثارة المخاوف من (الزحف الصفوي الإيراني الشيعي) الذي لا يمكن التغلب عليه ـ حسب تقديرات النظام إلا بالتمييز الطائفي والعرقي وبالتجنيس السياسي المثير للقلق شعبياً، وبتوزيع غير عادل للدوائر الانتخابية وبمجلس نيابي أحكم الحكم السيطرة عليه عبر دستور أطاح ببعض المكتسبات التي قدمها الدستور العقدي السابق.

 

معركتنا في المنطقة العربية هي معركة المواطنة المتساوية، معركة التقدم إلى الأمام، معركة التوحد مع بعضنا البعض لتحقيق دولة عربية كبرى ديمقراطية، تعترف بضرورة إقامة أفضل أشكال العلاقات مع جيرانها الإيرانيين والأتراك وغيرهم.. تستفيد من تجارب الاتحاد الأوروبي و(آسيان) وغيرهم من شعوب ترى ضرورة للتعاون والتوحد لتحسين شروط علاقاتها مع الدول الكبرى النافذة في العالم..       

 
 
 
 
 
 

" الآراء المنشورة ليست بالضرورة تعبر عن موقف الجمعية "


نسخة سطح المكتب


جميع الحقوق محفوظه ©2017
لجمعية العمل الوطني الديمقراطي (وعد)