ثورة الخبز والكرامة... الاستقلال الثاني

| |
عبدالنبي العكري 2011-03-15 08:36:51


في العام 2002 كتب المنصف المرزوقي الحقوقي التونسي البارز والمعارض العنيد لنظام زين العابدين بن علي، ورئيس حزب المؤتمر من أجل الجمهورية، كتابه الاستقلال الثاني.
وفي العام 2004، استضافت الجمعية البحرينية لحقوق الإنسان المنصف المرزوقي في ندوة بنادي العروبة شرح فيها مضامين كتابه.
يعتقد المنصف المرزوقي أن الشعوب العربية قد حققت الاستقلال الأول بمقاومتها الاستعمار الغربي، وتحررت جميع البلدان العربية من الاستعمار سواء من خلال حروب التحرير أو الضغوط السياسية، أو ترتيبات سلم و»استلم».
ويطرح المرزوقي أنه بعد ذلك فإن جميع الأنظمة العربية قد احتلت الإرادة الشعبية، ان دولة الاستقلال قد فشلت فشلا ذريعاً في تحقيق الطموحات والآمال والأهداف التي ارتبطت بالاستقلال، بل ان هذه الأنظمة قد أعادت الاستعمار الجديد والنفوذ والهيمنة والسيطرة الغربية إلى البلدان العربية.
المرزوقي دعا إلى ثورة ثانية من أجل الاستقلال الثاني، أي تحرير الشعب من سيطرة الحاكم التي حولت الشعب إلى مجموعه من العبيد، كما أن المرزوقي راهن على الجماهير من خارج الأحزاب والاتحادات والمنظمات المكرهة للعمل في إطار النظام في ظل سيطرة محكمة ومقننة. جسّد المرزوقي ما يؤمن به، فتحدى نظام زين العابدين بن علي الدكتاتوري وقاومه علنا وبمختلف السبل.
نشط في الرابطة التونسية لحقوق الإنسان، وأسس حزب المؤتمر من أجل الجمهورية دون ترخيص وطرد من الخدمة كعميد لكلية الطب بسوسة، بل وترشح في مواجهة زين العابدين بن علي في الانتخابات الرئاسية ما قبل الأخيرة، في تحدٍ واضح. وتعرض للاعتقال عدة مرات وأخيراً اضطر لمغادرة تونس والعمل في فرنسا ضد نظام بن علي. كما نشط على المستوى العربي من خلال اللجنة العربية لحقوق الإنسان.
لذلك لم يكن غريبا أن يبقى المنصف المرزوقي في ضمير الشعب التونسي والعربي. كما يعتبر كتابه الاستقلال الثاني ملهما للجماهير التونسية في ثورتها، ويتم تداوله بشكل واسع بعد أن كان ممنوعاً.
كتاب الاستقلال الثاني لا يخص النظام التونسي والوضع التونسي فقط بل يعني البلدان كل البلدان العربية. ولذا يتوجب قراءته مجدداً.
ثورة الخبز والكرامة
ما هو القاسم المشترك في هذا الإعصار الذي اجتاح الوطن العربي انطلاقا من مدينة سيدي بو سعيد في تونس، من مراكش للبحرين؟ «تيمنا بشعار - شعبٌ واحد لا شعبين... من مراكش للبحرين»؟
إن الصفعة التي تلقاها الشاب الجامعي العاطل عن العمل محمد البوعزيزي على يد شرطية، هي التي أهدرت ما تبقى لديه من كرامة، ودفعته إلى الانتحار بحرق نفسه، احتجاجا على إهدار كرامته. والآن تروى قصص كثيرة عن حالات انتحار سابقة حتى في صفوف الإسلاميين بسبب الإمعان في امتهان كرامتهم على يد الأمن والمخابرات التونسية.
فقد روت إحداهن لمراسل قناة «الجزيرة» ياسر أبوهلالة كيف أن زوجها المنتمي لحزب النهضة الإسلامي، قد أقدم على الانتحار بعد أن طلبوا منه أن يأتي مع زوجته إلى مقر الأمن، مما يعني ذلك احتمال تعرضها للتحرش أو حتى الاغتصاب، لقد فاضت كأس الصبر والتحمل لديه فرمى نفسه من العمارة التي يسكنها وانتحر.
وهنا أود أن أشير إلى فتوى مجموعة من علماء المسلمين في مواجهة علماء دين يكفرون من انتحر، بتأكيدهم بأن الإقدام على الانتحار في مثل هذه الظروف القهرية، يعتبر خارج الإرادة الطبيعية وخلاص غريزي من حالة قهرية، ولذا اعتبروا محمد البوعزيزي وغيره شهداء لأنهم ضحوا من أجل خلاص شعبهم.
الكرامة المهدرة للمواطن العربي والعوز والفقر هو ما أشار له عمرو موسى الأمين العام لجامعة الدول العربية في كلمته أمام القمة الاقتصادية العربية في شرم الشيخ بتاريخ 17/ 1/ 2011، حيث قال «إن المواطن العربي يشعر بالمهانة والإذلال، والعوز وقلة الحيلة».
كما أن منظمات المجتمع المدني العربية التي اجتمعت في بيروت والقاهرة، اجتهدت وأعدت ورقة إضافية مقدمة إلى مؤتمر القمة تدق فيها ناقوس الخطر حول تدهور أوضاع الجماهير العربية، التي تعاني من الإذلال والتهميش والبطالة والفقر وخصوصا الشباب والنساء وبالمقابل خطورة تمركز السلطة والثروة بيد القلة الحاكمة بالإكراه والتزوير.
لكن الحكام العرب وعلى رأسهم مضيفهم الرئيس المخلوع حسني مبارك لم يستوعبوا ما كان يجري في تونس، ولم يستمعوا لا لعمرو موسى ولم يسمحوا حتى لممثل منظمات المجتمع المدني العربية أن يلقي كلمته أمام القمة. ذلك يظهر الفجوة الكبيرة بين الحكام العرب وشعوبهم وغرور القوة والغلبة، وعدم الإحساس بما تعانيه شعوبهم. لذلك فاجأهم الإعصار، ورغم ذلك يعاند من ثارت أو انتفضت شعوبهم ضدهم على الاعتراف بالخطأ ومعالجته ويقاوم، جاراً بلاده إلى نزاع أو حتى حرب أهلية، قبل أن يخرج مكرها من الحكم.
لأول مرة في تاريخ العرب الحديث تتوحد الشعوب العربية في حركة جماهيرية لا سابق لها من المغرب حتى البحرين، عبر الجزائر وتونس وليبيا ومصر والسودان والأردن والعراق والخليج العربي، والبقية تلحق بالركب.
أوضاع الدول العربية متباينة بالتأكيد ومطالب الشعوب العربية متباينة تبعا لذلك وطبيعة الأنظمة السياسية ومدى استجابتها للمطالب الشعبية متباينة، لكن القاسم المشترك بينها هو أنها تطالب بالتحول من رعايا إلى مواطنين كاملي الحقوق والأهلية، تطالب بالتوقف عن إهدار كرامة المواطن كل يوم، وإعادة الاعتبار لآدميته.
تطالب بتوقف الحكام العرب عن اعتبار أنفسهم فوق البشر. والاستعلاء على شعوبهم والتصرف في مواطنيهم كالقطيع.
تطالب باعتبار الوطن وسيادته وثرواته ملكا لأبنائه وليست إقطاعية يتصرف بها الحاكم وحاشيته.
من المفارقات أن الوطن العربي هو من أغنى مناطق العالم بثرواته وموارده المادية والبشرية، لكن أوضاعه هي من بين الأسوأ في العالم.
يبلغ معدل البطالة 18 %، وربع السكان تحت خط الفقر، والبنية التحتية متخلفة ومتهالكة، والتعليم متخلف والخدمات الطبية قاصرة، والملايين تعيش في المقابر أو مدن الصفيح، وفي ذات الوقت فإن الزعماء والحكام ورجال الأعمال على قائمة المليارديرية حتى في البلدان الأكثر فقراً وجوعا. حياتهم الباذخة وممتلكاتهم الفارهة تتوزع على القارات الخمس، وبعض مواطنيهم يعيشون في الشوارع.
هذه المفارقات تستفز المواطن العربي العادي، كل يوم وكل لحظة لذلك لا عجب أن تنتفض الجماهير، وتواجه الرصاص بصدور عارية. فليس لها ما تخسره سوى أغلالها وفقرها.
اللافت للأنظار هو المساهمة الأكبر للنساء والشباب، فهؤلاء لم يصبهم الإحباط الذي أصاب الكبار من الرجال المشتغلين بالسياسة والشأن العام

الوسط - 15 مارس 2011

 
 
 
 
 
 

" الآراء المنشورة ليست بالضرورة تعبر عن موقف الجمعية "


نسخة سطح المكتب


جميع الحقوق محفوظه ©2017
لجمعية العمل الوطني الديمقراطي (وعد)