الأندية و الاتحادات الرياضية وممارسة السياسة فيها

| |
عبدالله جناحي 2011-01-31 20:51:58


عندما يقدم الحكم على إصدار أو فرض قانون ما أو مرسوم بقانون لا ينسجم مع مبدأ الحقوق و العدالة ، ولا مع تطور المجتمع بمؤسساته ، ولا مع حاجة المجتمع وضرورة وجود مثل هذا القانون ، بل يتعارض ومع حاجة شرائح وأفراد المجتمع ، فان الرسالة الأولى من هدف إصدار هذا القانون أو تعديله بمرسوم بقانون هي بان الحكم هو الراعي وعلى الجميع (الرعية) الرضوخ و الطاعة و القبول بهذه التراجعات في الحقوق و الحريات.

إن صدور مرسوم بقانون رقم (50) لسنة 2010م بتعديل بعض أحكام قانون الجمعيات والأندية الاجتماعية والثقافية والهيئات الخاصة العاملة في ميدان الشباب والرياضة والمؤسسات الخاصة الصادر بالمرسوم بقانون رقم (21) لسنة 1989م يعني
بالنسبة لنا الحقائق التالية:
أولا – لا دستورية المرسوم بسبب عدم وجود الاستعجال أو الضرورة في إصداره وهو الشرط الذي أعطاه الدستور لجلالة الملك عند إصدار المراسيم بقوانين.
ثانيا – إن هذا المرسوم بقانون يقمع مجموعة من الحقوق الأصيلة للمواطنين، فمن حق السياسي المنخرط في الجمعيات السياسية أن يعمل في الحقل الرياضي ويخدم أبناء شعبه من الرياضيين في الأندية و الاتحادات الرياضية، ومن حقه أن يعمل في العمل التطوعي داخل المجتمع المدني الأهلية و المهنية، ومن حق الرياضي و المهتم في المجال الرياضي والنشاط الرياضي في الأندية الرياضية أن يختار الموقف السياسي المنسجم مع أفكاره وينتمي  للجمعيات السياسية المناسبة له، ومن حق الناشط في الجمعيات الأهلية أن ينتمي أيضا للجمعيات السياسية. إن كافة هذه الحقوق الأصيلة للناس قد منعت من ممارساتها بصدور هذا المرسوم بقانون.
فالمادة (60) المعدلة تنص على انه "لا يجوز أن يكون المرشح لعضوية مجلس إدارة النادي أو الاتحاد الرياضي منتميا لأي جمعية سياسية أو أهلية"  الأمر الذي يعني بوضوح تام خلو الأندية والاتحادات الرياضية من أي مواطن له انتماء في جمعيات أهلية كالمهندسين أو الأطباء أو المحامين أو الاقتصاديين أو الاجتماعيين أو الأدباء أو المحاسبين أو غيرها بجانب الجمعيات السياسية، مما يعني إضعاف الحركة الرياضية وخلوها من كوادر وعقول متخصصة في مجالات تحتاجها هذه الأندية والاتحادات الرياضية
ثالثا – إن كافة التبريرات التي أطلقها المسئولون في المؤسسة العامة للشباب والرياضة و بعض الصحفيين بأن هذا المرسوم بقانون سوف يمنع "تسييس الرياضة" هي تبريرات واهية ولا تستند على المنطق ولا على القانون. فالقانون الحالي للجمعيات و الأندية الرياضية يشمل على مادة واضحة يمنع العمل السياسي في هذه المؤسسات، فالمادة (18) تنص على منع السياسة في الجمعيات الأهلية والأندية الرياضية، واعتقد بان من ينادي بدولة القانون ومن يؤمن بدولة القانون يكفيه احترام هذه المادة، وبالتالي حتى وان كان أكبر قائد سياسي في أكبر حزب سياسي وأصبح عضوا إداريا في أي نادي رياضي لا يستطيع ((تجيير)) هذه النوادي لصالح أهداف سياسية معينه، وذلك بوجود هذه المادة الواضحة، رغم قناعتنا بعدم منطقيتها حيث أن كل قطاع سواء في المجال الرياضي أو الأهلي أو المهني يحمل معه قضاياه السياسية المرتبطة بالقضايا السياسية العامة في البلاد، ومع يقيننا أن هذه الأندية تجيًر سياسيا من قبل النظام السياسي عند المحطات التي يحتاج فيها لتحشيد الرأي العام المحلي لصالح سياسته أو مخططاته الأمنية أو السياسية ، فما تلبث مجالس إدارة بعض الأندية وان تنسى هذه المادة وتصدر مواقف سياسية واضحة وفاضحه، ومع يقيننا أن الرياضة بمشكلاتها وضرورة تطويرها ومراقبة كيفية إدارة مؤسساتها هي جزء من الحقل السياسي ولا انفصام بين الرياضة و السياسة المرتبطة بها.
رابعا – إن هذا المرسوم بقانون يعني في المحصلة النهائية تفريغ الحقل الرياضي باتحاداته و أنديته الرياضية و الاولمبية و إداريه من الكوادر الإدارية المتمكنة، ومن لاعبين قادرين على الفصل بين العقل و القدم حينما يصبح المهتم و الناشط في الحقل الرياضي ذلك المرء البعيد عن الهم و التفكير و النشاط السياسي والاجتماعي والثقافي المفعم بالحيوية الفكرية و التفكير التحليلي و العقل النقدي، وكذلك البعيد عن التخصص المهم للرياضة كالمحاسبين والاقتصاديين والاجتماعيين والمهندسين والمحامين وغيرهم، وهي صفات ضرورية لأي إداري رياضي أو لاعب يستخدم كل هذه الملكات الفكرية لتطوير الرياضة. ومن جانب آخر فإن هذا المرسوم بقانون سوف يحقق هدفا آخر بالنسبة للسياسي حيث يعني له أن يبقى طوال حياته ناشطا سياسيا وان يهمل هواياته الرياضية أو الأهلية الأخرى، حيث يمنعه هذا المرسوم من الانخراط في العمل الإداري داخل الأندية الرياضية فلا سبيل له سوى مواصلة مسيرته السياسية، وإذا كان هدف النظام السياسي إضعاف العمل السياسي فان هذا المرسوم بالقانون سوف يقوي هذا العمل، حيث هناك كثرة من السياسيين الذين لديهم اهتمامات ونشاطات رياضية وأهلية ومن الاحتمالية أن انخراطهم في الحقل الرياضي سوف يبعدهم عن النشاط السياسي، ولكن حينما يمنع من ذلك فيضطر أن يعطي كل جهده و إمكانياته الإدارية للنشاط السياسي.ومن جانب آخر سوف يحقق هذا المرسوم بقانون هدفا موازيا للهدف المذكور و المتمثل بأن يبقى الرياضي رياضيا بحتا فارغا ومتفرغا بالمطلق للرياضة، وان يبقى المواطن المنضم لجمعية هواة جمع الطوابع مثلا طوال حياته في هذه الهواية ولا حق له إذا رغب أن يساهم في العمل السياسي وان يطور ملكاته السياسية.
والأنكى من ذلك أن الفقرة الأخيرة من المادة (4) المعدلة والتي تنص على " يحظر الجمع بين عضوية أكثر من جمعية تعمل في أنشطة نوعية مختلفة إلا بموافقة الوزير المختص" تعني قتل العمل التطوعي وإضعاف مؤسسات المجتمع المدني، فمن المعروف أن العشرات بل أغلبية الناشطين في العمل الأهلي التطوعي ينتمون لأكثر من جمعية نوعية مختلفة، وخذ على سبيل المثال صاحب هذا المقال الذي ينتمي لجمعية (وعد) السياسية وهو عضو في جمعية الاقتصاديين و مقاومة التطبيع مع العدو الصهيوني وأسرة الأدباء والكتاب ونادي السينما وملتقى الأهلي الثقافي ونادي النجمة الرياضي، ومن أمثاله الكثيرون من المواطنين.
إن هذه المادة تعني أن على الجميع نساء وشبابا ورجالا أن يتركوا اهتماماتهم المتعددة وبالتالي يتم إجهاض وإضعاف وقتل مؤسسات المجتمع المدني وتفريغها من الناشطين، لينتهي دور السلطة الخامسة المتمثلة بهذه المؤسسات في تنمية المجتمع.
حينها سنقول على جوهر التنمية السياسية و التنمية البشرية وتطوير وتعزيز وتفعيل مؤسسات العمل المدني وتطوير الأندية الرياضية السلام، وستبقى المشكلات الراهنة و الأخطاء الواضحة و الأهواء الشخصية وهيمنة أسر و فئات محدده على الأندية الرياضية هي السائدة، وهي السبب الأكبر في ضعف حركتنا الرياضية، وهذا المرسوم بقانون سوف يعزز هذا التراجع وهذا الضعف تحت هاجس امني وخوف من انفلات الأمور للقلة المحتكرة على مجالس الاتحادات والأندية الرياضية.
خامسا – إن هذا المرسوم بقانون سوف يحقق هدف غير مرغوب فيه  وهو التلاعب على القانون وعدم احترامه بل وممارسة الخداع، حيث أن من يرغب من السياسيين مواصلة نشاطه في الاتحادات أو الأندية الرياضية أن يطلب تجميد عضويته في الجمعية السياسية أو تقديم استقالته الشكلية منها مع مواصلة ارتباطه الحزبي السياسي بمواقف وأهداف ونشاطات الجمعية السياسية. إن هذا الأمر الخطير الذي لا يفكر فيه الحكم عند إصدار أو تعديل القوانين بقدر تفكيره بقمع المزيد من الحريات والحقوق للمواطن، ومنه مثل هذا المرسوم بالقانون، حيث يعني تعزيز قيم  وثقافة وممارسات لن توصلنا إلى دولة احترام القانون، فإصدار أي قانون في مضمونه يعني أن المواطن يرى فيه قانونا عادلا يعطيه حقوقه كاملة دون نقصان ويعزز حرياته العامة و الخاصة ويوضح له التزاماته وواجباته، أما إذا بدأ هذا القانون بتضييق الحق و العدالة و الحرية فمن الطبيعي أن يتم التلاعب على القانون، ومن الطبيعي أن يقدم الحكم على تطبيقه لحظه ما تريده وإهماله في اللحظات التي لا يرى مصلحه في استخدامه.
ان هذا السلوك الممارس في أكثر من قانون لن يحقق سوى مجتمع لن تتعزز فيه قيم احترام القانون.
ولذا وللعديد من الأسباب الأخرى، فان هذا المرسوم بالقانون المتعارض مع الدستور و الحقوق و الحريات ومستقبل التنمية السياسية والبشرية ، وغيرها بحاجة إلى رفضه وعدم إقراره في المجلس النيابي أولا، و العمل على تطوير القانون الحالي المتخلف عن التطور الكبير والنوعي الحاصل في مؤسسات المجتمع المدني، وضرورة إصدار قوانين منفصلة لكل قطاع على حده (شبابي- نسائي- ثقافي وفني- أهلي- رياضي- ونقابات مهنية)  لخلق المزيد من الشفافية والاستقلالية والصلاحيات حتى يتمكن المجتمع المدني من اخذ دوره كسلطة خامسة من جانب، وتمارس هذه السلطة واجبها في التنمية الإنسانية المستدامة من جانب آخر.

 
 
 
 
 
 

" الآراء المنشورة ليست بالضرورة تعبر عن موقف الجمعية "


نسخة سطح المكتب


جميع الحقوق محفوظه ©2017
لجمعية العمل الوطني الديمقراطي (وعد)