حرب «داحس» و«الغبراء» في قطاع الاتصالات

| |
عبيدلي العبيدلي 2009-06-16 09:53:12


حرب كلامية تدور رحاها اليوم، بين شركة البحرين للاتصالات السلكية واللاسلكية (بتلكو)، المزود الرئيسي لخدمات الاتصالات في البحرين، وبين هيئة تنظيم الإتصالات بشأن سياسة الأولى التسويقية، والأسعار المخفضة في قطاع الإنترنت التي تنوي «بتلكو» طرحها في السوق البحرينية. ولكي يكون المواطن ملما بآفاق تلك الحرب، وانعكاساتها عليه، وخصوصا الفئات المنتمية للطبقة الوسطى والخدمات التي تستخدمها في المنازل، لابد من رسم صورة توضح مواصفات السوق البحرينية، التي يمكن تلخيصها على النحو التالي:

1. انتقال سريع لسوق الاتصالات البحرينية، في فترة قصيرة نسبية، من سوق احتكارية، تتحكم فيها «بتلكو»، إلى واحدة مفتوحة، وخاصة في قطاع خدمات الإنترنت. مما أدى إلى إرباك طرفي المعادلة في السوق: المزودون بالخدمات، والشراة. المزودون، لعجز ذهنيتهم التجارية على التحول من وضع سياسات قائمة على المنافسة بدلا من الاحتكار، والزبائن لكونهم غير مؤهلين، بشكل أو بآخر على الاختيار، واضطرارهم على القبول بخدمات متردية، بأسعار مرتفعة، جراء تسوقهم ولعشرات السنين من سوق محتكرة (بفتح الراء). هذا الأمر حول اتجاه حرب السوق من معارك بين المتنافسين، إلى معارك بين مزودي الخدمة، وفي مقدمتهم بتلكو، لكونها الأقدم في السوق، وبين هيئة الاتصالات. 

2. شكلية تحرير سوق الاتصالات البحرينية، حيث أن الكثير من الخدمات التي تقدمها الشركات المتنافسة، ما تزال، في نهاية المطاف، غير قادرة على الاستغناء عن استخدام البنية التحتية التي تملكها بتلكو، رغم كونها إحدى الشركات المتنافسة. هذه الحالة جعلت «بتلكو» تمتلك سلاحا ذا حدين، فمن جهة هي تتمتع بإرغام الآخرين على استخدام البنى التحتية تلك، ومن جهة ثانية، أصبحت يدها مغلولة بقرارات هيئة الاتصالات التي تحاول، كما تدعي، الإمساك بزمام الأمور، والتصرف بأقصى درجة من درجات العدالة والشفافية. ولدت هذه الحالة المثير من عناصر الاحتكاك بين بتلكو والهيئة.

3. عدم تحمل الشركات القادمة الجديدة، وخاصة في المرحلة الأولى، عندما تم تحرير سوق خدمات الهاتف الجوال، أية مبالغ إضافية، تدفع مسبقا، من أجل نيل رخصة تشغيل شبكة خدماتها. هذا الأمر شاهدناه في أسواق خليجية أخرى مثل السوق القطرية، حيث تكبد المشغل الثاني لشبكة خدمات الهاتف الجوال (فوادافون) ما يربو على 6 مليارات دولار لقاء حصولها على الرخصة. هذا الأمر، عندما يربط بشكلية التحرير المشار إليها أعلاه، يفقد بتلكو بعض عناصر القدرة على المنافسة. وضعت هذه الحالة بتلكو والهيئة على طرفي نقيض، وقلصت من مساحات التفاهم بينهما.

4. صغر حجم سوق الاتصالات البحرينية مقارنة بالأسواق الخليجية المحيطة، وضآلة حجم «بتلكو» مقارنة بشركات إقليمية أخرى من مستوى «اتصالات» الإماراتية، أو «زين» الكويتية، او «كيوتل» القطرية، دع عنك العديد من شركات الاتصال السعودية من حجم «إس تي سي». صغر الحجم هذا يقلص كثيرا من إمكانية المناورة المالية، أو الارتقاء بمستوى الخدمات دون أن ينعكس ذلك طرديا على الأسعار. تزداد الأمور سوءا عندما تهاجم الشركات الإقليمية، وهو ما حصل في السنوات الأخيرة «بتلكو» في عقر سوقها البحرينية. حاولت بتلكو، وكانت محقة في ذلك، التأقلم مع هذه الحالة الطارئة، فسارعت إلى رد ذلك الغزو بالتوسع في الأسواق المجاورة، لكن نتائج تلك المحاولات كانت محدودة.

على هذه الأرضية يمكن لمن يتابع التوتر الذي ساد العلاقات بين «بتلكو» وبين الهيئة، والذي كان ضحية نتائجها في كل الأحوال المواطن العادي الذي لا ناقة له ولا جمل في تلك المعارك التي نتوقع لها أن تستمر ويزداد سعارها ما لم يرى المواطن الأمور التالية:

1. استراتيجية تنفيذية من هيئة الاتصالات تضع فيها بكل وضوح وشفافية سياساتها خلال السنوات الخمس القادمة، كحد أدنى، كي تتمكن الشركات العاملة بدورها من وضع سياساتها المتكاملة معها، وغير المتصادمة مع الأنظمة والقوانين المنبثقة عن استراتيجية الهيئة تلك. هذه الاستراتيجية، لابد لها إن هي أرادت النجاح، أن تقوم على دراسة علمية للسوق، بما يشمل أيضا سلوك العاملين فيها من مزودين وزبائن.

2. شفافية حقيقية في سوق الاتصالات تحكمها قوانين ثابتة، وتدافع عنها مؤسسات محلية، قادرة على معالجة أي خلاف يطرأ على سوق الاتصالات البحرينية، وفقا لقواعد تلك الشفافية، كما هو معمول بها في أسواق عالمية مشابهة. هذه الشفافية، ينبغي للهيئة، إن هي أرادت نيل ثقة السوق، امتلاك القدرة على نقلها من حالتها النظرية المأسورة في وثائقها المدونة عليها، إلى حيز التنفيذ العملي اليومي. 

3. برامج تأهيل متقدمة قادرة على توعية المواطن من جهة والمؤسسات المستفيدة من خدمات المزودين بواجباتهم وحقوقهم على حد سواء، وعلى نحو مواز لابد لهذه البرامج من مخاطبة المزودين بمثل تلك البرامج أيضا، من أجل الوصول إلى سوق اتصالات بحرينية متطورة يملك جميع المنخرطين في خدماتها: مرسلين ومتلقين، الثقافة «الاتصالاتية» الكافية التي تمكنه من التصرف بسلوكية مسئولة ومتقدمة.

وإلى أن يحين ذلك، سوف تستمر الحرب الكلامية بين «بتلكو» والهيئة، حربا، كتلك التي فجرها الخلاف على «داحس» و «الغبراء» ، تذكرنا بحروب العرب في أيامهم الغابرة تضحياتها كبيرة، ونتائجها صغيرة.

الوسط - 16 يونيو 2009

 
 
 
 
 
 

" الآراء المنشورة ليست بالضرورة تعبر عن موقف الجمعية "


نسخة سطح المكتب


جميع الحقوق محفوظه ©2017
لجمعية العمل الوطني الديمقراطي (وعد)