أنانية باراك وعدم ثقته بنفسه دفعته لعدم توقيع اتفاق سلام مع الاسد او عرفات

| |
كاتب سياسي 2008-08-13 17:22:31


   بقلم: ناحوم برنياع

مارتين انديك، من كبار المسؤولين في وزارة الخارجية وسفير الولايات المتحدة في تل ابيب مرتين كان مشاركا بصورة معمقة منذ مطلع التسعينيات في مساعي حل الصراع الاسرائيلي - العربي. في كانون الثاني القادم سينشر كتابه في الولايات المتحدة وفي اسرائيل. ملحق يوم السبت في "يديعوت احرنوت" نشر في يوم الجمعة ملخصاً للفصول التي تصف كيفية وسبب فشل المفاوضات مع سوريا. هذه مادة مثيرة للقراءة.

ثلاثة لاعبين لعبوا دوراً في ذلك الفشل: بيل كلينتون، حافظ الاسد، ايهود باراك، الذي كان رئيسا للوزراء ووزيراً للجيش باراك من بين الثلاثة هو الوحيد الذي ما زال محتفظاً بموقع مؤثر. لذلك هناك اهمية خاصة للتوقف عند اسهامه فيما حدث.

في آخر 1999 بدى وكأن نافذة فرص تاريخية قد شرعت. الاسد الذي علم باقتراب منيته كان متحمسا بالتوصل الى اتفاق يسهل على ابنه النجاح وترسيخ مكانته في الحكم، باراك اعتبر الاتفاق مع سوريا تحقيقا لوعده الانتخابي ووسيلة تتيح له سحب الجيش الاسرائيلي من لبنان بالاتفاق - الذي كان هو الاخر وعداً انتخابيا منه، اما كلينتون فقد رغب باتفاق يكون درة على جبين فترته الرئاسية الثانية.

في اواسط كانون الاول قدم باراك الى واشنطن في زيارة عمل. طائرته هبطت بسلام ولكنه لم يخرج منها. انا اذكر هذا المشهد الخيالي لأنني كنت هناك على ارض المطار منتظراً مع كل الحاشية في البرد القارص نزول رئيس الوزراء من بطن الطائرة ولكن باراك استدعى انديك اليه بدلاً من ان ينزل وقال له: "انا لا استطيع ان افعل ذلك".

"وضعي السياسي تغير" أوضح ما الذي تغير بالفعل وتبين انه اصيب بالفزع من الاستطلاعات. "انا سياسيٌ اكثر حنكة منك" قال له كلينتون. "انا اعرف انك ان وقعت على اتفاق سلام مع سوريا فإن الجمهور سيؤيدك". كلينتون اقترح بأن يأتي هو بنفسه الى اسرائيل لاقناع الاسرائيليين بعدالة الاتفاق. باراك اصر على موقفه وقال انه لا يستطيع.

يتبين من خلال الوصف الذي يورده انديك في كتابه ان ما منع باراك من التوصل الى اتفاق مع السوريين كان خشيته بأن يصفوه في البلاد بالمغفل. هو لم يرغب بالحفاظ على الجولان - لأنه اعتقد ان الثمن الذي ستحصل عليه اسرائيل يبرر الانسحاب الى خطوط الرابع من حزيران 67 - وانما أراد الحفاظ على نفسه.

المفاوضات التي استهلت بعد ذلك في شيبردز تاون كانت في الواقع خدعة اسرائيلية ماكره: السوريون كانوا معنيين جداً باتفاق سريع لدرجة انهم ابدوا مرونة مفاجئة في عدة قضايا ولكن باراك رفض البحث في المسار الحدودي ورفض وضع خارطة وامر اتباعه بالتهرب. المؤتمر انتهى بلا شيء.

بعد ان انفجرت المفاوضات عاد باراك الى البلاد وعلى الفور ابدى حماسه للبدء في المفاوضات ما رفض القيام به مع فاروق الشرع في شيبردز تاون، وافق عليه مع مارتن انديك في تل ابيب. ولكن الشريك السوري اختفى عند اللحظة التي تم فيها اشهار الخرائط واقتراح التنازلات. الاسد وصل الى استنتاج بأن لا جدوى من الامر وكرس ما تبقى من حياته لضمان الخلافة لابنه.

باراك كان في سلوكه ذاك اشبه بمن يغازل فتاة بصورة حماسية. وعند اللحظة التي تقول فيها نعم يفر من المكان. وعندما يصل الى مسافة آمنة بعيدة عنها يعود الى مغازلتها مرة اخرى. ان شئتم فقد ظهر شيء من هذا ايضا في فشل المفاوضات التي اجراها باراك مع عرفات في كامب ديفيد ومن ثم في طابا.

هذا محزن لأن ايهود باراك هو شخص ذكي وذو قدرة تحليلة نادرة، شخصا مجربا وذكيا. ما الذي ينقصه؟ تنقصه القدرة على القرار والثقة اللذان هما عنصران اساسيان لكل من يسعى لقيادة دولة.

الضربة النهائية للعملية التفاوضية جاءت بعد ثلاثة ايام من انتهاء مؤتمر شيبردز تاون عندما نشرت صحيفة "هآرتس" مسودة الاتفاق الذي اقترحه كلينتون على الجانبين. المسودة كشفت كل التنازلات السورية من دون ان تقول ان اسرائيل ستنسحب من هضبة الجولان. هذه الصرعة الاعلامية الكبيرة التي لا تتكرر كانت من انتاج عكيفا الدار. انديك احجم عن الدخول في قضية من سرد الحكاية ولماذا. انا ايضا لست معنياً بالنبش في مصادر الاخرين. رغم ذلك من الصعب تجاهل السخرية في هذه الحكاية. كل من شارك تقريبا في شؤون الشرق الاوسط في واشنطن على قناعة ان احد افراد طاقم السلام الاميركي، يهودي ذو مواقف مؤيده للفلسطينيين خشي من ان يؤدي الاتفاق مع سوريا الى تأجيل الاتفاق مع عرفات لسنوات طويلة هو الذي فعل ذلك. هو نقل المسودة لاسرائيل مؤيداً للفلسطينيين من اعوان بيريس والذي قام بدوره بارسالها للنشر.

السخافة هي ان نشر الحكاية لم يدفع بالاتفاق مع الفلسطينيين للامام، ولكنه تسبب في تأجيل الاتفاق مع سوريا لسنوات طويلة. حزب الله زاد من قوته خلال ذلك تحت السيادة السورية، وسوريا تحولت الى حليف خطير لايران وترسانه صاروخية تغطي كل دولة اسرائيل. هذا كان اسهام معسكر السلام الاسرائيلي (والاميركي) في عملية السلام.

يديعوت أحرونوت – 12 أغسطس 2008

 
 
 
 
 
 

" الآراء المنشورة ليست بالضرورة تعبر عن موقف الجمعية "


نسخة سطح المكتب


جميع الحقوق محفوظه ©2017
لجمعية العمل الوطني الديمقراطي (وعد)