غارة تحت جنح الظلام الرواية الكاملة للهجوم الإسرائيلي على سوريا

| |
2008-02-05 13:35:41


 

 

تنشر «الأخبار» في ما يأتي ترجمة لتحقيق أجراه الصحافي سيمور هيرش في شأن الغارة الإسرائيلية على موقع دير الزور في سوريا في 6 أيلول الماضي، ونشرته مجلة «نيويوركر» الأميركية أمس على موقعها على شبكة الانترنت.

في إحدى الساعات من بعد منتصف ليل السادس من أيلول من العام 2007، اخترقت على الأقل أربع مقاتلات إسرائيليّة الأجواء الجوّية السوريّة لتنفيذ مهمّة سريّة ضد أهداف على نهر الفرات، تبعد نحو 90 ميلاً عن الحدود الشماليّة للعراق. القصف الذي جاء من دون سابق استفزاز، والذي أتى بعد أشهر من التوتّر بين إسرائيل وسوريا حول المناورات والتعزيزات العسكرية المتبادلة على جانبي هضبة الجولان، كان، وفق جميع التعريفات، عملاً حربياً.

لكن لم يُسمَع أي ردّ فعل فوري من الحكومة الإسرائيليّة. وعلى عكس هذا السلوك، عام 1981، عندما دمّرت المقاتلات الإسرائيليّة مفاعل «تموز» النووي العراقي قرب بغداد، هلّلت إسرائيل بالنصر، وبثّت الصور التي تثبت الضربة، سامحةً للطيّارين الذين نفذوا الضربة بأن يجروا مقابلات صحافية عن العمليّة.

بعد مرور ساعات على الهجوم، شجبت سوريا اختراق الطائرات لأجوائها. لكنّ البيانات الرسميّة السورية كانت غير كاملة ومتناقضة، ما أضفى المزيد من الغموض. متحدث عسكري سوري فقط قال إنّ الطائرات الإسرائيلية رمت بعض الذخائر في مناطق غير مأهولة بعدما اعترضتها الدفاعات السورية «التي أجبرتها على الفرار».

بعدها بأربعة أيّام، قال وزير الخارجية السورية وليد المعلّم، خلال زيارة دولة قام بها إلى تركيا، إنّ الطائرات الإسرائيلية استعملت ذخائر حيّة في الهجوم، لكنه أصر على أنه لم تكن هناك إصابات أو أضرار. حتّى اعترف الرئيس السوري بشّار الأسد، في مقابلة أجرتها معه هيئة الإذاعة البريطانيّة «بي بي سي»، في الأوّل من تشرين الأوّل من العام نفسه، بأنّ الطائرات الإسرائيليّة أصابت هدفها، الذي وصفه بأنه «مبنى عسكريّ غير مستخدم»، مضيفاً أنّ سوريا تحتفظ بحقّ الردّ.

رغم الصمت الرسمي الذي ساد في تل أبيب (وواشنطن) في الأيام الأولى التي تلت العمليّة، امتلأت وسائل الإعلام الأميركية والأوروبية بتقارير، استندت أساساً إلى معلومات من مصادر حكومية مجهولة الهوية، ادعت أنّ إسرائيل دمّرت مفاعلاً نوويّاً كان يجري جمعه بصورة سرية في سوريا، بمساعدة كوريا الشمالية.

.... صدر التقرير الأول عن التعاون النووي السوري ـــــ الكوري الشمالي في 12 أيلول في «التايمز» وفي مكان آخر. مع نهاية تشرين الأول، توافقت الروايات المختلفة لوسائل الاعلام على أربع نقاط: المجمع الاستخباري الاسرائيلي علم أن ثمة علاقة بين كوريا الشمالية وإنشاء موقع في منطقة زراعية في شرق سوريا؛ قبل ثلاثة أيام من القصف، وصلت «سفينة كورية شمالية» تحمل اسم «الحامد» الى ميناء طرطوس السوري، على البحر المتوسط؛ رجحت الصور الفضائية بقوة أن المبنى قيد البناء كان مصمّماً ليحوي مفاعلاً نووياً حين الانتهاء منه؛ وبالتالي، فإن سوريا تخطّت ما تعتبره إسرائيل «خطاً أحمر» على طريق بناء قنبلة، وكان ينبغي وقفها.

كانت هناك أيضاً تقارير ـــــ بثّتها «أي بي سي نيوز» وغيرها ـــــ تفيد بأن بعض المعلومات الاستخبارية الاسرائيلية قد تم تشاركها مسبقاً مع الولايات المتحدة، التي لم تعترض على القصف.

الحكومة الإسرائيلية لا تزال تمتنع عن إصدار أي بيان عن الحدث. وفرضت الرقابة العسكرية على النشر تعتيماً على الهجوم لأسابيع، ولجأت الصحافة الاسرائيلية الى إعادة فبركة ما كشفته الصحف الأجنبية.

في اليوم الأول بعد الهجوم، كان هناك العديد من الروايات النقدية في الصحافة الاسرائيلية، التي حملت تكهنات عن الهجوم، واحتمالات أن يقود الى مواجهة مع سوريا. الكاتب في صحيفة «جيروزاليم بوست»، لاري ديرفنر، وصف الغارة بأنها «نوع من الأشياء التي تُشعل الحروب».

... في مؤتمر صحافي في 20 أيلول، سُئل الرئيس الأميركي جورج بوش عن الحدث أربع مرات، لكنه قال «لن أعلق على هذه القضية». لقد أصبح نقص التصريحات الرسمية جزءاً من الرواية. «سكوت الأطراف كلها عمّق الصمت».

كان واضحاً أن المسؤولين في إسرائيل والولايات المتحدة، رغم عدم رغبتهم في أن يُقتبسوا، توّاقون لأن تكتب وسائل الإعلام عن القصف.

في البداية، اقترب مني ضابط سابق في القوات الاسرائيلية على علاقة وثيقة بأجهزة الاستخبارات الاسرائيلية، حاملاً نسخة من الرواية الأساسية مع بعض التلوينات وتفاصيل تبيّن لاحقاً أنه لا يمكن التأكد منها: الاستخبارات الاسرائيلية اقتفت أثر السفينة منذ لحظة مغادرتها الميناء الكوري الشمالي؛ الجنود السوريون كانوا يرتدون ملابس واقية حين أفرغوا حمولة السفينة؛ الاستخبارات الاسرائيلية راقبت الشاحنات من رصيف الميناء حتى تفريغ حمولتها. في الثالث من تشرين الأول، نشرت صحيفة «سبكتاتور» اللندنية، مستندة إلى الكثير من المعلومات السابقة، رواية مبالغاً فيها عن غارة السادس من أيلول، ادعت فيها «أنها ربما أنقذت العالم من تهديد مدمّر»، وأن «مصدراً وزارياً بريطانياً رفيع المستوى» حذر من أنه «لو علم الناس مدى اقترابنا من حرب عالمية ثالثة في ذلك اليوم، لكان هناك هلع عام».

لكن خلال الأشهر الثلاثة التي استغرقها إعداد هذا التقرير، أبلغني رجال استخبارات ودبلوماسيون ومسؤولون في الكونغرس، حاليون وسابقون، بأنهم ليسوا على علم بأي دليل قوي على وجود أي برامج أسلحة نووية حالية في سوريا. ومن المحتمل أن تكون إسرائيل سلمت مسؤولين في إدارة بوش معلومات استخبارية من دون المرور عبر وكالات الاستخبارات. لكن محمد البرادعي، المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية، قال «مفتشونا الذين حللوا الصور الفضائية بعناية استبعدوا أن يكون المبنى مفاعلاً نووياً».

أخبرني مدير السياسة النووية في مركز التقدم الاميركي في واشنطن، جوزيف كيرنكوان، بأن «سوريا ليس لديها القدرة التقنية والصناعية والمالية لدعم برنامج تسلح نووي. لقد تابعتُ هذه القضية منذ 15 عاماً، وفي كل مرة كانت هناك شبهة تخرج إلى العلن، فنحقق ولا نجد شيئاً. لم يكن وليس هناك أي تهديد نووي من سوريا. كل هذا سياسي».

كيرنكوان انتقد الجسم الصحافي في معالجته للقضية، قائلاً «أعتقد أن بعض أفضل صحافيينا قد استُغلوا».

رسالة مشابهة خرجت في خلال إيجازات قُدمت إلى أعضاء منتقين من الكونغرس في الأسابيع التي تلت الهجوم. الإيجازات التي قدمتها وكالات الاستخبارات، ركزت على ما عرفته واشنطن عن غارة السادس من أيلول.

أحد الهواجس كان ما إذا قامت كوريا الشمالية بأي عمل من شأنه أن يدفع الولايات المتحدة إلى الانسحاب من المحادثات السداسية حول برنامجها النووي.

لكن عضواً في مجلس النواب قال في وقت لاحق، حسبما نقل عنه أحد أعضاء طاقمه، إنه لم يسمع ما يجعل «الشكوك تنتابه» في شأن المفاوضات الكورية الشمالية ـــــ «لا شيء يمكن أن يؤدي إلى وقفها». ما استنتجه النائب، كما نقل عنه أحد مساعديه، أن «ليس هناك ما يثبت أن كوريا الشمالية متورطة».

يمكن أن تكون إسرائيل، بالطبع، جمعت معلومات ترفض الكشف عنها. لكن هناك تناقضات جدية وغير خاضعة للفحص في الروايات المختلفة المنشورة عن الهجوم.

الدليل الأساسي على أن سوريا كانت تبني مفاعلاً خرج إلى العلن للمرة الأولى في 23 تشرين الأول، حين نشر دايفيد أولبرايت، من معهد الأمن الدولي، وهو مجموعة بحثية محترمة لا تبغي الربح، صورة قمر اصطناعي للهدف. التُقطت الصورة بواسطة شركة تجارية للأقمار الاصطناعية هي «ديجيتال غلوب»، ومقرها كولورادو، في العاشر من آب، وذلك قبل أربعة أسابيع من القصف، وأظهرت مبنىً مربعاً ومحطة لضخ المياه.

وفي التحليلات المرفقة، خلص أولبرايت، وهو فيزيائي عمل مفتشاً على أسلحة الدمار الشامل في العراق، إلى أن هذا المبنى، كما شوهد من الفضاء، يتمتع تقريباً بالطول والعرض نفسه لمفاعل يونغ بيون، المفاعل النووي الرئيسي لكوريا الشمالية. قال أولبرايت: «المبنى الطويل الظاهر في الصورة يمكن أن يحتضن مفاعلاً قيد البناء، وقد يكون المقصود من المضخة الموجودة على طول النهر، مد المفاعل بمياه باردة». وفي وقت لاحق، نقلت عنه صحيفة «واشنطن بوست» قوله: «أنا مقتنع تماماً بأن سوريا كانت تحاول بناء مفاعل نووي».

وحين سألت أولبرايت كيف تمكن من تحديد الهدف، قال لي إنه «بذل مجهوداً كبيراً» إلى جانب زميله بول برانان، موضحاً أنهما غربلا التقارير الصحافية وركزا على صورة «ديجيتال غلوب»، وذلك «قبل تحديد الموقع». بعدها، شارك أولبرايت اكتشافاته روبن رايت ومجموعة من الصحافيين في «واشنطن بوست»، أبلغوه، بعد استشارة مسؤولين في الإدارة، أن هذا المبنى هو بالفعل الذي استهدفته إسرائيل. وقال لي: «لم نصدر المعلومات حتى تأكدنا من الواشنطن بوست».

وقد علم أن مصادر «واشنطن بوست» تمكنت من الوصول إلى مزيد من الصور المفصلة، التي حصلت عليها من الأقمار الاصطناعية الخاصة بالاستخبارات الأميركية. وفي 19 تشرين الأول الماضي، نشرت «واشنطن بوست» قصة من دون صور، قالت فيها إن «مسؤولين أميركيين وأجانب على اطلاع على نتيجة الهجوم»، استخلصوا أن الموقع كان يحمل «توقيع» أو خصائص، مفاعل «شبيه في تركيبته بالمنشآت الكورية الشمالية»، النتيجة التي وافق عليها أولبرايت. وبكلام آخر، فإن تقارير أولبرايت و«واشنطن بوست»، التي ظهرت معززة بعضها لبعض، قد استُخلصت من المصادر نفسها.

وأبلغني أولبرايت أنه التقى، قبل النشر، مسؤولين إسرائيليين. «أردت التأكد من أن الإسرائيليين اعتقدوا بأنه كان مفاعلاً، وقد تأكدت. لم يقولوا بوضوح أنه كان نووياً، إلاّ أنهم استبعدوا احتمال أن يكون موقع صواريخ أو كيمائياً أو رادار. واستناداً إلى عملية إلغاء الاحتمالات، بقيت مع النووي».

وبعد يومين من تقريره الأوّل، نشر أولبرايت صورة قمر اصطناعي للموقع المقصوف، التقطتها «ديجيتال غلوب» في 24 تشرين الأول الماضي، وذلك بعد 7 أسابيع من عملية القصف. أظهرت الصورة الجديدة أن المنطقة المستهدفة استوت، والأرض باتت مقشوطة. وقال أولبرايت إن هذه الصورة دلّت على عملية تغطية ــــ تطهير الموقع الذي قُصف، تجعل من الصعب على مفتشي الأسلحة معرفة طبيعته بدقة. وقال لـ«التايمز»، «يبدو أن سوريا تحاول إخفاء شيء ما، والقضاء على أدلة بشأن بعض الأنشطة. لكن هذا لن ينجح. يجب على سوريا أن تجيب عن الأسئلة وتوضح ماذا كانت تفعل؟». هذا التقويم جرى تداوله بقوة في وسائل الإعلام.

وعلق دبلوماسي في فيينا على الصور بطريقة لاذعة قائلاً إن «المبنى المربع هو مبنى مربع». وأضاف الدبلوماسي، وهو على معرفة بكيفية استخدام صور الأقمار الاصطناعية للتحقق النووي، أن الوكالة الدولية للطاقة الذرية «لا تملك معلومات وافية لاستخلاص أي شيء عن الطبيعة الدقيقة للمنشأة. يرون مبنى بهندسة معينة قرب نهر، يمكن أن يحدد على أن له صلة نووية. لكنهم لا يستطيعون استخلاص ذلك بثقة، أنه كذلك».

وقال خبير استخباري سابق في وزارة الخارجية الأميركية إن الهدف يفتقد ما قد يتوقعه أحدهم عن موقع نووي. وأوضح أنّه «لا توجد حماية حول المبنى. لا ثكنة للجيش أو العمال، ولا وجود لمجمع آخر على صلة به».

جفري لويس، الذي يقود برنامج الحد من الانتشار النووي في «نيو أميركا فانوديشين» (مركز أبحاث في واشنطن)، قال لي إنّه حتى لو كان طول وعرض المبنى مطابقين للموقع الكوري، فإن ارتفاعه لم يكن كافياً بكل بساطة لاحتواء مفاعل بحجم يونغ بيون، والمكان غير كاف لوضع وصلات التحكم، وهي خطوة أساسية لتشغيل المفاعل. كما لم يكن هناك دليل في الصورة المنشورة على وجود منشآت كبيرة تحت الأرض.

وقال مسؤول سابق كبير في الاستخبارات الأميركية، وهو مطّلع على المعلومات الحالية، «لا نملك أي دليل على وجود مفاعل ــــ لا معلومات من الاتصالات، لا معلومات بشرية (عبر عملاء)، ولا معلومات عبر الأقمار الاصطناعية ــــ».

عندما ذهبت إلى إسرائيل في أواخر كانون الأول، كانت الحكومة لا تزال تحيط الغارة بالسرية. لكن بعض المسؤولين الحاليين والسابقين والضباط العسكريين كانوا مستعدين للكلام من دون الإفصاح عن أسمائهم. معظمهم كانت لديهم قناعة صلبة بأن الاستخبارات الإسرائيلية كانت دقيقة. وقال لي مسؤول إسرائيلي رفيع المستوى «لا تكتب أنه لم يكن هناك شيء هناك!». وأضاف رافعاً إصبعه في وجهي «المسألة في سوريا كانت حقيقية».

الجنرال المتقاعد شلومو بروم، الذي خدم كنائب لمستشار الأمن القومي في ظلّ حكومة إيهود باراك، قال لي إن إسرائيل لم تكن لتتصرف لو لم تكن مقتنعة بوجود تهديد. وأضاف: «ربما كان الأمر إدراكاً لقناعة. لقد كان هناك شيء ما... لقد كان بداية مشروع نووي».

عندما تكلمت مع أولبرايت في كانون الأول، كان أكثر تحفظاً بكثير مما كان عليه في تشرين الأول. وقال لي: «لم نقل أبداً إننا نعلم أنه مفاعل، بالارتكاز على الصورة». وتابع: «أردنا التأكد من أن الصورة مطابقة لمفاعل، ومن وجهة نظري، لقد كانت كذلك. لكن هذا لا يؤكد أنه كان مفاعلاً».

رحلة «الحامد»، وهي سفينة تجارية صغيرة، أصبحت محورية في التعامل مع عملية السادس من أيلول. في الخامس عشر من أيلول، كتبت صحيفة «واشنطن بوست» أن «خبيراً أميركياً معروفاً في شؤون الشرق الأوسط» قال إن الهجوم «يبدو أنه مرتبط بوصول... سفينة تحمل مواد من كوريا الشمالية مصنفة كإسمنت». وأشارت الصحيفة إلى اعتقاد الكاتب بأن «القناعة الصاعدة في إسرائيل كانت أن السفينة سلّمت معدات نووية». وأشارت أيضاً تقارير صحافية أخرى إلى «الحامد» على أنها «سفينة كورية شمالية مثيرة للشك».

لكن هناك أدلة تؤكد أن «الحامد» لم تكن تحمل حمولة حساسة ــــ أو أي حمولة على الإطلاق ــــ من كوريا الشمالية.

وفقاً لسجلات وحدة «ليلويد» للاستخبارات البحرية الأميركية، فإن «الحامد»، التي بنيت في عام 1965، كانت تعمل لسنوات في شرق المتوسط والبحر الأسود، من دون وجود إشارات إلى أي زيارة حديثة إلى كوريا الشمالية. السجلات تظهر أن «الحامد» وصلت إلى طرطوس في الثالث من أيلول ـــــ وهي الزيارة الخامسة لها إلى سوريا في خمسة أشهر. (كانت واحدة من ثماني سفن وصلت في ذلك اليوم. مع العلم أنه كان ممكناً أن تكون سفينة أخرى تحمل مواد محظورة، إلا أنه جرى ذكر «الحامد» فقط في وسائل الإعلام). وتظهر السجلات أيضاً أن السفينة لم تعبر قناة السويس ــــ الممر الأساسي من البحر المتوسط إلى الشرق الأقصى ــــ منذ عام 1998 على الأقل.

ومن بين المجموعات التي تتابع عمليات الشحن الدولي هناك جمعية «غرين بيس». وقال لي مارتيني غوتيي، وهو من يشرف على عمليات الصيد غير القانوني للمنظمة، ومن أول الذين رفعوا علامات الاستفهام بشأن «الحامد»، «لقد كنت في البحر لـ41 عاماً، وأستطيع أن أقول لك كقبطان، إن الحامد لم تكن شيئاً، كانت شكلاً مهترئاً. لن يكون بمقدورك وضع حمولة ثقيلة فيها، لأن أرضيتها لن تتحمل ذلك». إذا لم يكن الهدف الإسرائيلي في سوريا موقعاً نووياً، لماذا لم يرد السوريون بقوة أكبر؟ احتجت سوريا لدى الأمم المتحدة، لكنها لم تقم بالكثير لدفع المسألة قدماً. وإذا لم يكن الموقع مفاعلاً نووياً لم يكتمل بناؤه، فماذا كان؟

خلال رحلتين إلى دمشق، بعد الغارة الإسرائيلية، قابلت العديد من المسؤولين الكبار في الحكومة وأجهزة الاستخبارات.لم يخبرني أيّ من المستشارين المقرّبين من الرئيس (بشار) الأسد، القصّة نفسها، على الرغم من أنّ بعض الروايات كانت أكثر إفصاحاً، أو أكثر قبولاً، من الروايات الأخرى. وعموماً، بدا المسؤولون السوريّون متشوّقين أكثر لتحليل دوافع إسرائيل، من مناقشة ما الذي هوجم بالضبط.

«أتردّد في الجواب عن سؤال أيّ صحافي بشأن الموضوع». قال لي نائب الرئيس السوري، فاروق الشرع، إنّ «إسرائيل قصفت لاستعادة صدقيّتها، وهدفهم (الإسرائيليّون) هو أن نبقى نتحدّث عن المسألة. ومن خلال الردّ على أسئلتك، أخدم هدفهم. لمَ عليّ التطوّع لفعل ذلك؟». وإذ نفى أن يكون لدى بلاده برنامج تسلّح نووي، قال إن «حجم المقالات عن القصف هائل، وليس مهمّاً إن كان كذبة».

أحد المسؤولين الرفيعي المستوى في وزارة الخارجيّة السوريّة أخبرني بأنّ الهدف «كان مبنى عسكرياً قديماً، هجرته القوّات السوريّة» منذ سنوات. إلّا أنّ جنرالاً في الاستخبارات السوريّة أعطاني تقريراً مختلفاً. قال إنّ «ما استهدفوه (الإسرائيليّون) كان مبنى يُستعمل للمخصّبات ومضخّات المياه»، وهو جزء من جهود حكوميّة لإعادة تنشيط الزراعة، مشيراً إلى أن «هناك مدينة كبيرة (دير الزور) تبعد 50 كيلومتراً (عن الموقع). لم ستضع سوريا مواد نوويّة قرب مدينة؟».

وخلال زيارتي الثانية إلى دمشق، قابلت الجنرال نفسه، وكرّر أنّ المبنى المستهدف «لم يكن في أيّ وقت من الأوقات مرفقاً عسكرياً». وعن سبب عدم رد سوريا بشكل أكثر عدائيّة إذا كان المبنى بريئاً إلى هذا الحدّ، قال الجنرال: «لم يكن الخوف، هذا كلّ ما أستطيع قوله». ولدى مغادرتي، سألته لمَ لم تدع سوريا ممثّلين عن الوكالة الدوليّة للطاقة الذريّة من أجل زيارة الموقع المقصوف، والتصريح بأنّه لم يكن هناك أيّ نشاط نووي، قال: «لم يطلبوا المجيء، ولم يكن لسوريا أيّ سبب لدعوتهم ليأتوا».

وبعد أيّام، نفى مسؤول من وكالة الطاقة في فيينا المصادقة على تلك الفرضيّة. وقال إنّ الوكالة «طلبت من السوريّين السماح لها بزيارة الموقع من أجل التأكّد من طبيعته. وجواب سوريا كان أنّ (الموقع) كان عسكرياً، لا منشأة نوويّة، وبالتالي ليس هناك أيّ سبب لحضور الوكالة. كان لمصلحتهم ومصلحة الجميع السماح للوكالة بزيارة الموقع. لو أنّه نووي، لكان قد ترك بصمات».

وفي مقابلة لاحقة، دافع سفير سوريا لدى واشنطن، عماد مصطفى، عن قرار سوريا عدم دعوة مفتّشي الوكالة، وقال لي: «لن ندخل في لعبة دعوة الخبراء الدوليّين لزيارة كلّ موقع تزعم إسرائيل أنّه منشأة نوويّة. إذا أتينا بهم وقالوا إنّه لا شيء هناك، فستقول إسرائيل إنّها ارتكبت خطأً وستقصف موقعاً آخر بعد أسبوعين. وإذا لم ندعُ الوكالة بعدها، فستقول إسرائيل: أرأيتم؟. هذا هراء. لمَ علينا أن نفعل هذا؟».

حتّى إن لم يكن الموقع منشأة نوويّة، من المحتمل أن يكون السوريّون قد خافوا من أنّ تحقيقاً للوكالة الدوليّة للطاقة الذريّة سيكشف وجوداً للكوريّين الشماليّين هناك. في سوريا، استطعت أن أحصل على بعض التأكيد على أنّ كوريّين شماليّن كانوا موجودين في الموقع المستهدف.

ففيما كانت مقابلاتي الأخرى في دمشق تُجرى في مكاتب حكوميّة، وافق أحد الضبّاط الرفيعي المستوى، في دمشق، على دراية مهمّة بالحادثة، على مقابلتي وحيداً في منزله. ووفقاً لحديثه، فإنّ الكوريّين الشماليّين كانوا موجودين في الموقع، ولكن بصفة موظّفي بناء فقط. وقال الضابط إنّ المبنى المقصوف كان سيُستخدم على الأرجح، لدى الانتهاء من بنائه، مرفقاً متعلّقاً بالمواد الحربيّة الكيميائيّة. (سوريا ليست موقّعة على اتفاقيّة الأسلحة الكيميائيّة، ويُعتقد، منذ عقود، أنّ بحوزتها ترسانة أسلحة كيميائيّة كبيرة).

اتفاقيّة البناء مع كوريا الشماليّة، كانت عقد أعمال روتينياً يتضمّن جميع الخطوات من التصميم حتى البناء، بحسب الضابط نفسه. (قد تكون كوريا الشماليّة، بالطبع، أرسلت تقنيّين ماهرين، قادرين على أداء مهمات أكثر من روتينيّة). وبين سوريا وكوريا الشماليّة شراكة طويلة الأمد في الشؤون العسكريّة. وبحسب الضابط فإنّ «العقد بين سوريا وكوريا الشماليّة كان قديماً، يعود إلى عام 2002، وكان العمل بموجبه قد أصبح متأخراً. ومبدئياً، كان من المفترض انتهاؤه عام 2005، وربّما توقّع الإسرائيليّون أنّ المدّة أكثر من ذلك».

لفترة «ستة أشهر ربّما» قبل القصف في أيلول، كان العمّال الكوريّون الشماليّون يأتون ويذهبون، حسبما قال الضابط نفسه. واستنتجت حكومته أنّ الإسرائيليّين التقطوا ثرثرات باللغة الكوريّة على الهاتف (هذا يتماهى مع الجدول الزمني الذي أعطاني إيّاه الإسرائيليّون). وقال الضابط «قد يكون للإسرائيليّين جواسيسهم الخاصّون، الذين راقبوا إدخال العمّال إلى المنطقة»، مضيفاً إن «الكوريّين لم يكونوا هناك خلال الليل، بل ناموا في مقارّهم، واقتيدوا إلى الموقع في الصباح. المبنى كان في منطقة معزولة، وربّما استنتج الإسرائيليّون أنّه حتى إذا كان هناك فرصة ضئيلة»، بأن يكون الموقع منشأة نوويّة، «سنأخذ تلك المخاطرة».

خلال أيّام ما قبل القصف، كان الكوريّون يعملون على الطابق الثاني، ويستخدمون قماشاً على سطح المبنى لحمايته من الأمطار والشمس. «كانت تلك طريقة الكوريّين الشماليّين في العمل» بحسب الضابط، الذي أضاف إنّ احتمال أن يكون الإسرائيليّون غير قادرين على رؤية ما يحدث تحت القماش، ربّما زاد من تصميمهم.

الهجوم كان دراماتيكياً على وجه الخصوص، قال الضابط الرفيع المستوى، لأنّ الإسرائيليّين استخدموا شعلات ضوئيّة من أجل إضاءة الهدف قبل القصف. وتحوّل الليل فجأةً إلى نهار، حسبما قال لي، مضيفاً إنّه «عندما رأى الناس في المنطقة الأضواء والقصف، اعتقدوا أنّ هناك غارة للقوّات الخاصّة». دُمّر المبنى، واستنتجت الحكومة السوريّة في النهاية، أنّه لم يكن هناك أيّ قوّات إسرائيليّة على الأرض في المنطقة.

غير أنّه إذا كان الإسرائيليون على الأرض يسعون إلى الحصول على عينات من التربة الملوّثة، فإنّهم «لم يجدوا سوى الإسمنت»، بحسب الضابط السوري نفسه.

مسؤول سوري رفيع المستوى أكّد أنّ مجموعة من الكوريين الشماليين كانوا يعملون في الموقع، لكنه نفى أن تكون للمنشأة علاقة بتجهيزات حربية كيميائية. وأوضح أن سوريا خلصت الى أن التجهيزات الكيمائية لديها قيمة ردع ضعيفة تجاه إسرائيل، آخذاً بالاعتبار قدرتها النووية، مشيراً إلى أن المنشأة التي هوجمت كانت ضمن سلسلة من مصانع لإنتاج الصواريخ المنتشرة عبر سوريا، و«جميعها ذات تقنيّة مخفوضة، وليست استراتيجية». وتابع «لقد نوّعنا (في عملنا)، وطوّرنا قدرتنا على بناء صواريخ ذات تقنيّة منخفضة، ستمكّننا من إيقاع الضرّر الأقصى من دون مواجهة الجيش الإسرائيلي. يمكننا الآن ضرب كلّ إسرائيل وليس شمالها فقط».

ومهما كانت المنشأة قيد البناء بمساعدة كوريا الشمالية، يبدو واضحاً أن ليس لها أي علاقة بالزراعة ولا بالمفاعلات النووية ــــــ لكن لها الكثير من العلاقة بالوضع الدفاعي لسوريا، وبعلاقتها العسكرية مع كوريا الشمالية. وهذا، على الأرجح، كان كافياً لإسكات الحكومة السورية بعد هجوم السادس من أيلول.

من غير الواضح مدى تورط إدارة بوش في الهجوم الإسرائيلي. ويبقى التقرير الأكثر تفصيلاً عن ذلك التعاون ما عرضته «اي بي سي نيوز» منتصف تشرين الأول. أفادت هذه الشبكة، نقلاً عن مسؤول أميركي رفيع المستوى، أن إسرائيل تشاركت المعلومات الاستخبارية مع الولايات المتحدة، وتلقت مساعدة من الأقمار الاصطناعية الأميركية ومعلومات عن الأهداف. في لحظة ما، بحسب التقرير، درست الولايات المتحدة مهاجمة سوريا بنفسها، لكنها رفضت هذا الخيار. معنى ذلك، أن الولايات المتحدة دقّقت في المعلومات الاستخبارية الإسرائيلية ووجدتها مقنعة.

لكن المسؤولين الذين تحدثت اليهم في إسرائيل نفوا بشدة فكرة تلقيهم مساعدة مكثفة من واشنطن في التخطيط لهذا الهجوم. وعندما أبلغت المسؤول الإسرائيلي الرفيع المستوى أنني وجدت تأييداً بسيطاً في واشنطن لادعاءات إسرائيل بأنها قصفت منشأة نووية في سوريا، قال بغضب «لم يساعدنا أحد، فعلنا ذلك بأنفسنا». وأضاف «ما أقوله هو أن أحداً لم يكشفه (الموقع) لنا». (رفض البيت الأبيض التعليق على هذه الرواية).

لكن هناك ما يدعم هذه الرؤية. القمر الاصطناعي الذي يعمل لمصلحة «ديجيتل غروب»، شركة كولورادو التي زوّدت أولبرايت بالصور، هي للإيجار. أي شخص بإمكانه الطلب من القمر الاصطناعي تصوير إحداثيات معينة. عملية تكلف في أي مكان ما بين مئات ومئات الآلاف من الدولارات. والشركة تعرض نتائج هذه الطلبات على موقعها على الإنترنت، لكن من دون تحديد هوية الزبون. وفي 5 مناسبات ما بين 5 و27 آب من السنة الماضية (أي قبل الهجوم الإسرائيلي) دُفع للشركة مبلغ من المال في مقابل التقاط صور أوضح للمبنى المستهدف في سوريا.

من الواضح أنّه مهما كان الذي طلب التقاط الصور، فهو متورط في مخطّطات الهجوم. «ديجيتال غروب» تُجري 60 في المئة من أعمالها مع الحكومة الأميركية. لكن هذه العقود تعدّ أعمالاً غير مصنفة سرّية، كرسم الخرائط. نظام الأقمار الاصطناعيّة العسكريّة والاستخباريّة الخاصّ بالحكومة الأميركية، وبقدرته التي لا مثيل لها في إنتاج ما يسمّيه المحلّلون «صوراً عالية الجودة»، قد يكون التقط نسخاً فائقة لموقع الهدف.

ولإسرائيل على الأقل قمران اصطناعيان عسكريان، لكن بالنسبة إلى المحلّل السابق في وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية، ألين ثومسون، فإن لقمر «ديجتال غروب» منافع استطلاعية، ما يجعل إسرئيل زبوناً منطقياً. (قال المتحدث باسم «ديجيتال غروب» شيك هارينغ، إن سرية العمل مع الزبائن هي «شيء حاسم بالنسبة إلينا. لا أدري من أمر بالتقاط هذه الصور، حتى لو كنت أعلم لما أفشيت ذلك»).

من الممكن أن تكون اسرائيل أو الولايات المتحدة قد طلبت الصور بهدف أن تكون هناك معطيات متوافرة وغير مصنفة سرية لتمريرها إلى وسائل الإعلام إذا لزم الأمر.

لكن إذا كانت إدارة بوش تنسق مع إسرائيل قبل الهجوم، فلماذا تلجأ إسرائيل إلى شركة تجارية؟

الخريف الماضي، ذكرت مصادر من المجمع العسكري الصناعي لـ مجلة «أفيياشن ويك أند سبايس كومباني» أن الولايات المتحدة زودت إسرائيل بنصائح عن «هدف محتمل ضعيف»، قبل هجوم السادس من أيلول، ورصدت الرادار عندما بوشر تنفيذ المهمة. وأفادت المجلة أن المقاتلات الإسرائيلية، قبل تفجير الهدف، ضربت رادار سوريا قرب الحدود التركية، ما جعل الرادار خارج الخدمة ما سمح لها بمتابعة مهمتها من دون أي تدخل.

وأخبرني مسؤول أميركي سابق رفيع المستوي في الاستخبارات، أن التورط الأميركي في الغارة الإسرائيلية، كما فهمه، يعود إلى أشهر سابقة، ويرتبط بتخطيط الإدارة لحرب جوية محتملة ضد إيران.

خلال الصيف الماضي، كادت وكالة الاستخبارات الدفاعية تصل إلى قناعة بأن سوريا تركّب رادراً ونظام دفاع جوي، زوّدتها بهما روسيا، مشابهاً لمجمع الرادارات في إيران. دخول المجال الجوي السوري كان سيفعّل هذه الأنظمة الدفاعية، ويعرّضهم للاستغلال الإسرائيلي والأميركي، وإظهار معلومات قيّمة عن قدراتهم.

وقال المسؤول السابق في الاستخبارات الأميركية إن نائب الرئيس الأميركي ديك تشيني ساند فكرة التحليق «لأنها ستكون بمثابة عصا لسوريا، وستُظهر بأننا جادون في شأن إيران» (مكتب نائب الرئيس امتنع عن التعليق). وأضاف إن الطائرات الإسرائيلية حلّقت فوق سوريا بشكل متكرر من دون ردّ انتقامي من دمشق.

المسؤول الاستخباري السابق قال إنّ التركيز في ذلك الحين كان على الرادار والدفاعات الجوية، وليس على أيّ منشآت نووية حقيقية أو ما يشتبه بأن يكون كذلك. الادعاءات الإسرائيلية بشأن الهدف، التي ظهرت في وقت لاحق، أخذت المجمعين العسكري والاستخباري الأميركيين ــــــ إن لم يكن البيت الأبيض أيضاً ـــــــ على حين غرّة.

على ما يبدو، كان هناك اعتقاد حقيقي، إن لم يكن مجمعاً عليه، من جانب الاستخبارات الإسرائيلية بأن السوريين كانوا يبنون شيئاً ما ستكون له تداعيات جدية على الأمن الوطني. ولكن لماذا خاطر الإسرائيليون بضربة قد تمثّل استفزازاً يجرّ رد فعل عسكرياً وربما حرباً، اذا لم يكن هناك، وكما ظهر، أي أدلة قاطعة؟

عبّر محمد البرادعي عن سخطه من ذلك، قائلاً «إذا كان لدى أيّ دولة معلومات عن نشاطات نووية في دولة أخرى، فعليها أن تخبر وكالة الطاقة، لا أن توجه ضربة عسكرية أحادية ثم تعود وتطرح الأسئلة لاحقاً».

أحد الأجوبة التي يقترحها دايفيد ألبراي هو أن إسرائيل لا تثق بالمجتمع الدولي المولج مراقبة حظر انتشار الأسلحة النووية. يقول «أتفهم وجهة النظر الإسرائيلية، استناداً إلى التجارب التاريخية مع كل من إيران والجزائر»، مضيفاً إن «كلتا الدولتين امتلكت برنامجاً نووياً، وعندما اكتُشف أمرهما، ادّعتا أن المفاعلات التي يملكونها مدنية وسلمية. ولم تعمل أي من المنظمات الدولية المعنية، سواء الأمم المتحدة أو وكالة الطاقة، على إغلاق هذه المفاعلات».

وأيضاً، قد تكون إسرائيل قدّرت أن المخاطرة بهجوم مضاد كانت منخفضة: الرئيس الأسد سيستنتج، ودون أدنى شك، أن الهجمة تمت بدعم من إدارة بوش، وبالتالي، أي ردّ فعل من جانب سوريا سوف يستدعي تدخلاً أميركياً (الحوارات التي أجريتها مع مسؤولين سوريين تدعم هذا الافتراض).

في تل أبيب، قال لي مسؤول إسرائيلي رفيع المستوى إن «سوريا لا تزال تعتقد أن حزب الله ربح الحرب في لبنان» في إشارة إلى حرب تموز 2006. وأضاف إن «(الأمين العام لحزب الله حسن) نصر الله يعلم كم كلّفت الحرب، لقد خسر ثلث مقاتليه، وقُصفت البنية التحتية، وأُبيدت 95 في المئة من أسلحته الاستراتيجية»، وتابع «ولكن لدى الأسد عقدة نصر الله، وهو يظن أن حزب الله انتصر، وأعتقد أنه هو استطاع أن يحقّق النصر، إذاً أنا أستطيع. وهذا أدّى إلى مناخ مغامراتي في دمشق. هم اليوم أكثر وعياً».

الفكرة نفسها ردّدها سفير دولة حليفة لإسرائيل مقره تل أبيب. قال لي إن «الحقيقة ليست مهمة. كانت إسرائيل قادرة على استعادة صدقيّتها كرادع. هذا هو الأمر كله. ولا أحد سيعرف حقيقة القصة».

إضاءة

رسالة إسرائيلية لإيران

هناك دليل على أن الغارة الوقائية على سوريا كانت تعني أيضاً تحذيراً مما سيكون عليه الهجوم الوقائي على إيران. عندما زرت إسرائيل هذا الشتاء، كانـت إيران مصدر القلق البالغ لدى المسؤولين السياسيين والعسكريين الرفيعي المستوى، لا سوريا. كان هناك غضب عارم على واشنطن بسبب ما توصل إليه تقرير مجمع الاستخبارات الأميركي، من أن إيران لا تقوم الآن بتطوير سلاح نووي. يرى الكثير من الإسرائيليين في الطموح النووي الإيراني تهديداً وجودياً. يعتقدون بأن الضربة العسكرية لإيران قد تكون حتمية، وأن الولايات المتحدة قد لا تكون إلى جانبهم عند الحاجة.

الجنرال المتقاعد غيورا أيلاند، الذي خدم كمستشار للأمن القومي لرئيس الوزراء الإسرائيلي السابق أرييل شارون، قال لي إن «الجيش الإسرائيلي يفترض بأنه يوماً ما سنحتاج إلى القيام بحملة عسكريّة على إيران، لنبطّئ ونلغي خيارها النووي». وأضاف: «أن يسمح الوضع السياسي باتخاذ قرار كهذا، فهذا موضوع آخر».

بعد وقت قصير على القصف الإسرائيلي، التقى موفد صيني مسؤولاً في مجلس الأمن القومي لإدارة بوش في واشنطن. وأخبرني شخص اطّلع على المحادثات بأنّ «الموفد الصيني كان قد عاد للتوّ من زيارة إلى طهران، وأراد أن تعرف الإدارة الأميركيّة أنّ هناك معتدلين مهتمّين بالمحادثات». المسؤول في مجلس الأمن القومي الأميركي استبعد هذا الخيار وقال للموفد الصيني: «أنتم على علم بآخر البيانات الإسرائيليّة بشأن سوريا. الإسرائيليّون جدّيون للغاية بخصوص إيران وبرنامجها النووي، وأعتقد بأنه في حال كانت إدارة الولايات المتّحدة غير ناجحة في تعاملها الدبلوماسي مع إيران، فالإسرائيليّون سيهتمّون بالموضوع عسكريّاً». ثمّ أراد المسؤول الأميركي أن ينقل الموفد الصيني هذا الموقف إلى حكومة بلاده، ومفاد الرسالة أنّ الإسرائيليين جدّيون.

وأضاف هذا الشخص المطّلع: «كان يقول للصينيّين إنه يُستَحسَن منهم أن يحذِّروا إيران من أننا (الأميركيين) لا نستطيع أن نمسك بالإسرائيليين، وأنّ على الإيرانيين النظر إلى سوريا واستشراف ما هو مقبل إذا ما فشلت الدبلوماسيّة». وختم هذا الشخص كلامه، «رسالته كانت أن الهجوم على سوريا يستهدف في جزء منه إيران».

 

"الاخبار" اللبنانية

5 يناير 2008

 

 
 
 
 
 
 

" الآراء المنشورة ليست بالضرورة تعبر عن موقف الجمعية "


نسخة سطح المكتب


جميع الحقوق محفوظه ©2017
لجمعية العمل الوطني الديمقراطي (وعد)