وقفة نقدية أولية عند مارس 1965..في الذكرى الثانية والاربعين

| |
2007-04-06 16:32:11


في الذكرى الثانية والاربعين لانتفاضة مارس الخالدة في البحرين. وجدنا ضرورة تسليط الأضواء على هذه الانتفاضة، وقواها الأساسية، والأسباب السياسية والاجتماعية. الداخلية والخارجية التي احاطت بها. بشكل موجز للغاية، حيث أننا لا نهدف هنا إلى الخروج بدراسة تحليلية رغم الأهمية البالغة لهذه الدراسة. إن هذه الوقفة الأولية في هذه الظروف تعود إلى الأسباب التالية:

1 – ما زال الحكم رافضا التصالح مع التاريخ الوطني وانتفاضات شعبنا واعتبار ذلك جزء من تاريخ البلاد لا بد من توثيقه وتدريسه في مناهج التعليم واعادة الاعتبار لشهداء الوطن الذين واجهوا رصاص الاستعمار البريطاني وسقطوا وهم يحلمون بوطن مستقل وشعب حر.

2 – إن الذكرى الثانية والاربعين لمارس العظيم يأتي في ظل اصطفاف طائفي بغيض، بل وفي ظل محاولات بعض التائهين وفاقدي البوصلةبتحريف وتشويه حقائق الانتفاضة الوطنية العمالية في مارس التي كانت حقا انتفاضة شعبية شاركت فيها الطبقة العاملة وفئة المعلمين والطلاب والموظفين وكل مدن وقرى البحرين سنة وشيعة، لتؤكد على ان الاستغلال والاضطهاد والتسريح والفصل الجماعي للعمل لم يميز بين السني والشيعي او العامل من اصول قبلية او فارسية، وهي تاكيد ايضا على ان المطالب العمالية والسياسية الوطنية جامعة ورافعة للوحدة الوطنية.

3- لنؤكد على أهمية اغلاق ملف ضحايا القمع والتعذيب والبدء بتحقيق العدالة الانتقالية واغلاق هذا الملف المؤرق، سواء انشاء صندوق دعم اسر الشهداء الذين سقطوا في كافة الانتفاضات والمحطات السياسية وانصاف وتعويض المعتقلين السياسيين والمنفيين وممن اجبرتهم الظروف الامنية من الخروج واعلان الاعتذار العام، والاستفادة من التجارب الناجحة في تحقيق العدالة الانتقالية سواء ما جرى في المغرب او جنوب افريقيا او غيرها.

4 – إن الحركة الوطنية بحاجة إلى أن تتسلح بالحقيقة، بكل مرارتها في أغلب الأحيان، أن تعطي الحركة العفوية للجماهير حقها من الدراسة والتقييم، الا تعطي لنفسها أدواراً لم تقم بها لضعفها الذاتي أو قلة استعداداتها، الا تقلل من دور القوى الطبقية والسياسية التي كانت فاعلة آنذاك، وتجاوزتها الأحداث الآن بحكم التطور الموضوعي، والتحولات النوعية في صلب الحركة السياسية، الا تجعل من التاريخ مادة للدعاية فقط، بل مادة للتوعية بالدرجة الأساسية. فالجماهير الواعية والمسيسة والمتسلحة بالحقيقة الثورية، قادرة على صنع أحداث أعظم بكثير من تلك الأحداث التي صنعتها في ظروف سابقة وقادرة على تحقيق انتصارات أعظم من تلك الانتصارات التي حققتها في مراحل سابقة.

لذلك، ومن أجل ممارسة النقيض لسياسة السلطة وأبواقها، التي امتازت في الأونة الأخيرة بالديماغوجية السياسية، لابد من الوقوف أمام هذه التجربة النضالية.    

الأسباب المباشرة للانتفاضة:

كان من أبرز الدروس التي خرجت بها السلطات الاستعمارية والشركات الاحتكارية من تجربة الحركة الوطنية لأعوام 54 – 56، هو ضرورة تقليص الأيدي العاملة إلى الحد الأدنى، وتفكيكها بكل الوسائل الممكنة للتقليل من خطرها. إن الاستعمار القديم في عملية النهب التي كان يمارسها في بلادنا وفي مستعمراته، قد حرص على تخفيض اعداد الطبقة العاملة إلى الحد الذي لا غنى له عنه. فلكي يمارس النهب، لابد له من خلق طبقة عاملة، لكن هذه الطبقة تسبب له الكثير من المتاعب على الصعيد الوطني وفي النضالات المطلبية، لذلك فإن سياسة: التوازن بين ضرورة النهب السريع، وخلق الطبقة العاملة، تكون موضع اهتمام بالغ لدى المستعمرين.

وفي منطقة الخليج نلاحظ إن الشركات الاحتكارية النفطية تحاول باستمرار التقليل من عدد العمال المستخدمين عندها باعتماد أحدث الأساليب في استخراج النفط، وأكثرها تعقيداً واعتماداً على الآلية. وبينما تجد شركة "بابكو" قد استخدمت أكثر من 15 ألف عامل في بداية عملها، نجد شركة تطوير نفط عُمان تتباهى بأنها لم تستخدم يوماً من الأيام في مرحلة الإنشاء أكثر من 2 ألف مستخدم.

لتحقيق هذه الغاية، جلبت شركة "بابكو" لجنة خاصة، لدراسة أوضاع الشركة وكيفية تطوير أجهزتها، والحد الأقصى الذي تحتاجه من المستخدمين ليتم التخلص من الآخرين، وخرجت اللجنة التي جاءت عام 1961 بدراسة شاملة، أوصت فيها بتسريح ألف وخمسمائة عامل ومضاعفة العمل على العمال الآخرين، وإدخال المزيد من الاتمته في مرافق الشركة.

استخدمت "بابكو لتحقيق هذه الغاية وسائل عدة، من التسريح الكيفي، إلى سياسة التطفيش، إلى الإغراءات، إلى تحويل العامل إلى مرافق ليست من اختصاصه وثم يتم تسريحه. وفي نهاية فبراير 1965، قامت بتسريح 400 عامل دفعة واحدة.ولم يجد هؤلاء العمال في البداية إلا الشكوى لدى دائرة العمل حيث تجمهروا هناك باعدادهم الكثيرة. وفي ظل حالة الطوارئ التي فرضت على البحرين منذ 1956 حيث يمنع أي تجمع يزيد عدده عن خمسة أشخاص، فقد كان ذلك العمل هو الشرارة التي أسهمت في أشعال الحريق بعد ذلك.

تلك التسريحات كانت سبباً أساسياً مباشراً للأحداث العنيفة التي تلتها، فأمام تجاهل السلطة لمطاليبهم، حيث رد عليهم مدير العمل بأن "صاحب العمارة يستغني عن البنائين عندما ينهي بناء العمارة، وشركة "بابكو" قد أنهت أعمالها الإنشائية وليست بحاجة لكم. ولا نستطيع إعادتكم لها"!، لم يجد العمال وأبنائهم وسيلة سوى التظاهر والتعبير عن سخطهم. ثم تطورت الأحداث.

كانت هناك أسباب أخرى أبرزها:

1 – خيمت على البلاد منذ 1956 حالة إرهاب بشعة حيث فرض عليها حالة الطوارئ وتعرضت الحركة الوطنية بكل فصائلها للاعتقالات والملاحقات والمطاردات، وازدياد سلطة القسم الخاص إلى درجة كبيرة، وإشاعة الإرهاب المستمر لإضعاف الحركة الوطنية التي اعتمدت العمل السري لمواجهة السلطة.

2 – تزايد الوجود البريطاني العسكري والسياسي بعد 1957، رغم الاستغناء عن خدمات المستشار البريطاني ـ بلكريف، فقد تزايد تدخل بريطانيا، من خلال سكرتير الحكومة والخبراء المنتشرين في كافة المرافق، كما تزايد وزنها العسكري، خاصة بعد عام 61 عندما جعلت بريطانيا من البحرين قاعدة لحماية الكويت عقب ادعاءات قاسم وتهديداته باحتلالها، وهكذا أصبحت في البحرين ثلاث قواعد عسكرية بريطانية: المحرق، والهملة والجفير.

3 – تصاعد المواجهة بين حركة التحرر العربية والاستعمار البريطاني، سواء في جنوب اليمن، أو الحملات السياسية العنيفة التي شنها عبد الناصر على بريطانيا، والتشجيع المستمر للحركة القومية لمقارعة المستعمر وإخراجه من المنطقة. إن تزايد النضال المسلح في جنوب اليمن، بقيادة الجبهة القومية، قد أثار لدى القوميين العرب الكثير من الطموحات لمد الكفاح المسلح إلى عُمان والبحرين ومناطق الخليج الأخرى لتحريرها من السيطرة البريطانية.

4 – رفض السلطة الاستجابة لمطالب الحركة الوطنية السياسية، والحركة العمالية المطلبية، سواء فيما يتعلق بالحريات بالنسبة للأولى، أو مطلب النقابات بالنسبة للثانية، وإصرارها على استمرار أساليبها القديمة في تجاهل المطالب الشعبية.

إن السلطات البريطانية التي خرجت منتصرة عام 1956، قد أخذت بعض "برامج المهزومين" لتحقيقها لامتصاص النقمة الشعبية، وأبرزها تسريح المستشار البريطاني بلكريف، والاستجابة لمطالب التجار في تحسين الجهاز الإداري الذي يمكن أن يقدم خدمات وتسهيلات أفضل لهم. وذر الرماد في عيون العمال بإخراج قانون العمل الذي جمدت مادة "النقابات" فيه، من ساعة إعلانه، وفي الوقت ذاته مضاعفة القمع والأجهزة البوليسية لمواجهة الحركة الوطنية التي التحمت أكثر فأكثر مع الطبقات الشعبية من العمال والبرجوازية الصغيرة.

تطور النضال ضد السلطة وانعكاسه على الحركة الوطنية:

هناك مجموعة من العوامل الداخلية والخارجية التي أثرت سلباً وإيجاباً في مسيرة الحركة الوطنية البحرانية، يمكن من خلالها معرفة التحولات التي جرت في جسم الحركة الوطنية والعلاقات بين فصائلها، وانعكاس ذلك على نضالها ضد السلطة عام 1965.

1 – إن الحملات الإرهابية والقمع البوليسي المكثف. وكبت الحريات، قد عكس نفسه على وضع الحركة الوطنية، فمن جهة كان يساق خيرة مناضلي هذه المنظمة أو تلك إلى السجون ليبرز غيرهم، ليساقوا بعدهم إلى السجون. وهكذا. كانت السلطة توجه ضرباتها مرة إلى القوميين، ومرة أخرى للشيوعيين، ليس بهدف انتزاع الجذور من الأرض، فتلك مهمة في منتهى الصعوبة. بل بهدف قطع ما برز على السطح. من القيادات والعناصر النشطة. هذه القضية ضعفت المنظمات وسهلت صعود قيادات ضعيفة من جهة أخرى، وتجعل بإمكان السلطة تسريب عناصرها إلى داخل الحركة من جهة ثالثة، لتتمكن من الإطلال الواسع من خلالها على مجريات الأمور.

في تقرير كتبه أحد قادة الحركة القومية ولم ينشر، وسجل تجربة حركة القوميين في الأحداث، يقول التقرير حول هذه المسألة، "من عام 1962 وجدت الجو الملائم لاجتثاث الرأس فجاءت إلى (...)   دون مشقة، وسلمت لها قيادة حركة البرجوازية قوائم بأسماء التنظيم، وفي عام 1963 استلمت السلطة الدفعة الأولى من المدربين على السلاح. وتركت أحد عناصرها دون اعتقال أو تحقيق لتراقب تحركاته وتتصيد به البقية الباقية".

وفي موقع أخر يقول التقرير: " لقد صعدت إلى المستويات التنظيمية الأكثر حساسية عناصر لا تتمتع بأكثر من الحماس والاندفاع دون أي تفكير في العواقب. وهكذا بعد المسألة تدور في حلقات من الفوضى دون منظم لها".

إن هذه الحملات قد انعكست على قدرة الحركة الوطنية على مواجهة السلطة عندها كانت الحركة الجماهيرية تندفع خطوات كبيرة إلى الأمام، لتواجه التسريح والتشرد والظلم الواسع الذي يلحق بها من جراء سياسة الاحتكارات ، هذه الحركة العفوية التي تطورت بسرعة بالغة خلال الأسبوع الأول من مارس، لم تجد الرأس القيادي القادر على قيادتها بشكل حكيم، لكون الحركة الوطنية تعاني من الضربات الشديدة التي وجهتها لها السلطة وباستمرار.  

ماذا كانت النتيجة أمام النمو الهائل للحركة الجماهيرية. وعجز الحركة الوطنية عن تأطير طاقات الجماهير الهائلة، وعدم اتفاقها مسبقاً على برنامج عمل، على التنسيق بين فصائلها.

كانت النتيجة الحتمية بروز العشرات من التنظيمات السرية التي في غمرة الأحداث ستجد وسيلة لإصدار نشراتها. والحديث المستمر عن قيادتها للحركة الجماهيرية.

وهكذا برزت الكثير من التنظيمات التي تمكنا من الحصول على بيانات بعضها، كما إن الحاجة الماسة إلى الوحدة، ستدفع الأطراف الأكثر وعياً إلى ضرورة اللقاء والعمل المشترك ولكن لم يكن الطريق معبداً أمام هذه الخطوة الهامة، فقد اتفقت التنظيمات في البداية على بيان مشترك، واختلفوا على تسمية الجبهة، حيث أراد القوميون تسميتها بجبهة القوى القومية، وأرادت جبهة التحرير أن يطلق عليها جبهة القوى الوطنية والتقدمية وكان لكل خلفياته التي لا مجال لها في هذا المقال، وهكذا برزت عدة تسميات كان أبرزها جبهة القوى القومية، وجبهة القوى التقدمية.

من ناحية أخرى فإن الجو الإرهابي لسنوات عديدة قد اسقط في الوقت نفسه تلك العناصر البرجوازية التي لا يمكنها العمل السري لكل مشتقاته ومتاعبه في بلد صغير كالبحرين. وترك صفوف الحركة الوطنية بفصائلها القومية، العناصر التي لا تستطيع النضال وسط هذه الظروف مما جذر أكثر فأكثر الحركة القومية، وجعلها تلتصق مع الطبقات الشعبية المسحوقة وانعكس ذلك أيضاً على تفكيرها وبرامجها المستقبلية.

2 – منذ 1956، تزايد الوجود البريطاني في البحرين بشكل كبير. ولم يعد بالامكان الحديث عن الإصلاحات داخل النظام في الوقت الذي أصبح واضحاً أن العلة الأساسية التي تشكو منها البلاد هو الوجود الاستعماري، الذي جعل البحرين قاعدة عدوانية لمخططاته في الخليج.

كيف يمكن تحرير البحرين من الوجود البريطاني؟:

لقد كانت الحركة الوطنية الإصلاحية تغلق أذنيها عن الاستماع إلى هذا السؤال ليس فقط لأنها عاجزة عن الصدام مع الاستعمار، بل لأنها لا تجد تناقضاً كبيراً وأساسياً بينها وبين المستعمر، لقد كان عبد الرحمن الباكر يؤكد للمعتمد البريطاني بأن حركته ليست ضد الإنجليز، وإنما ضد تعنت الأسرة الحاكمة والمستشار، وعدم استجابته للمطالب الإصلاحية.

لقد كانت مسألة الوجود البريطاني مسألة مركزية في النضال الوطني وكانت الحركة القومية ترى بأن تحرير البحرين لا يمكن أن يتم بمعزل عن تحرير الخليج من السيطرة البريطانية، وأن الدروس الأساسية التي أمكن استخلاصها من التاريخ النضالي السابق هي: إن بلداً صغيراً يعيش وسط هذه الإمارات المتناثرة التي يهيمن عليها الإنكليز، لا يمكن تحرير دون ترابط الحركة القومية في عموم الخليج ووضع برنامج موحد للنضال، ولا يمكن الحديث عن إسقاط الهيمنة البريطانية وتحرير الخليج دون إتباع طريق الكفاح المسلح.

ذلك ما تسجله الوثيقة السابقة حيث تقول:

"إن الطريق الوحيد إلى التخلص من الحكم الاستعماري الرجعي هو النضال المسلح، ومن أجل ذلك لابد من فهم عميق لكافة مراحل النضال التي مرت بها الحركة الوطنية في الخليج العربي ولابد من تحليل علمي لاستراتيجية العمل الثوري الذي يمكن أن تتبعه الثورة القادمة".

إن المواجهة مع الاستعمار البريطاني بالنسبة للقوميين، لم تكن إلا امتداداً للنضال التحرري البطولي الذي كانت تخوضه آنذاك "الجبهة القومية لتحرير الجنوب اليمني المحتل" ضد الوجود البريطاني، وضد الحكم المشيخي في الإمارات والسلطات اليمنية، ومن أجل الوحدة. كانت هذه الأحداث اليمنية تجد صداها لدى القوميين في البحرين.

وإذا كان الوجود البريطاني في البحرين يطرح تحديات هامة للغاية أمام الحركة الوطنية فإن ضيق مساحة البلاد وصغرها، وقربها من قلعة الرجعية العربية، وعدم وجود حركة وطنية نشطة وفعالة في الإمارات، كان يدفع باستمرار باتجاه ضيق الأفق البرجوازي الصغير وينميه ويزكي لديه النزعات الإقليمية، والمطلبية البحته، الإصلاحية، التي يمكن باستمرار التنظير لها، بالاستناد إلى الظروف الموضوعية السابقة.

لكن الحركة القومية في البحرين والتي هي امتداد للحركة القومية خارجها، في المشرق العربي بالتحديد، وفي الناصرية بشكل أوسع، كانت تستلهم من ارتباطها التنظيمي وعلاقاتها الخارجية، روحاً نضالياً متزايدة في العداء ضد الاستعمار البريطاني، وإن معركتها ضده هي معركة الأمة العربية، ضد هذا الاستعمار، وأن المركز، سيقدم لها الدعم الذي تحتاجه باستمرار.

وعلى صعيد آخر، ارتبط النضال ضد الاستعمار البريطاني بالنضال ضد "التسلل الإيراني" والخطر الإيراني الداهم، وضرورة التعبئة المكثفة ضد الإيرانيين. ووجدت الحركة القومية إن هناك ثالوثاً تتكون أطرافه من الاستعمار البريطاني والأسرة الحاكمة والمتسللين الإيرانيين، ولذلك لم يخل بيان من بيانات جبهة القوى القومية عن الحديث عن الهجرة الإيرانية التي ينظمها الاستعمار البريطاني متعاوناً مع الأسرة الحاكمة ، وأن من المهمات المركزية لهذه الجبهة من التصدي لهذا الخطر.

إن هذه العقلية تعبر عن مجموعة من المسببات أبرزها:

أ – إن الحركة القومية لكونها تريد توحيد شمل الأمة الواحدة، تجد صداها القوي في الأطراف الأكثر عرضة للإفلات، حيث تشتد الصرخات والاستغاثات بضرورة النجدة، حتى لا تفلت هذه القطعة من جسد الوطن ، خاصة وأن البحرين كانت تعاني من الادعاءات الإيرانية الرسمية.

ب – إن الحركة القومية آنذاك، كانت تعبر عن طموحات البرجوازية الصغيرة العربية في الوحدة القومية، وحيث ارتكزت هذه الحركة على مفاهيم مثالية وأخلاقية عامة، فقد حملت في ثناياها نزعة شوفينية بشكل أو بأخر، في هذا القطر أو ذاك. وحيث كانت أصداء الادعاءات الإيرانية تنعكس وسط جماهير واسعة في البحرين. فقد كانت تجد انعكاسات حادة لها في الأوساط القومية، وهذه النزعات يمكن تفسيرها من ناحية على أنها دفاع عن الذات، ومن ناحية أخرى كان لدى العديد من الأطراف مصلحة في تأجيجها، بين الشعب الواحد، سواء بين أولئك الذين من أصل إيراني أو من أصل عربي، بالإضافة إلى الجالية الإيرانية، وخاصة الكادحين منهم.

ج _ إذا كان هذا التفكير المسخ الشوفيني قد وجد صداه وسط البرجوازية الصغيرة ذات النزعة القومية العربية. فقد كان تجاهل النزعة القومية العربية وتأثيرها وسط الجماهير المشدودة إلى الحركة الناصرية أو القومية الأخرى، يعبر عن الصورة الكاريكاتورية لهذا الواقع المشوه، وبالتالي لم يكن قادراً على طرح الصيغة الملائمة والصحيحة، وكان بإمكان القوميين باستمرار أن يجدوا في الخطر الإيراني ذريعة، لعدم التعاون مع الأطراف الأخرى، إن العناصر المخلصة وحدها تستطيع التخلص من الأوهام بسرعة عندما تصطدم في تجربة مشتركة مع مناضلين من القوميات الأخرى، لتكتشف إن الأفكار التي تحملها عن الطرف الآخر، مشوبة بالكثير من المغالطات والأفكار المسبقة الخاطئة.

يقول التقرير السابق: "لقد تبلورت لنا قضايا ذات أهمية كبيرة بالنسبة لنا كتنظيم يضم أوسع قطاعاته البرجوازية الصغيرة، والذي تربينا تربية حزبية متأرجحة في حبائل الفكر البرجوازي المتذبذب ولم تكن تلك القضايا لتظهر لولا مشاهدتنا لها عياناً. إذ أن الحقيقة التي ظهرت لنا في داخل السجن والتي كانت مختفية عنا في الخارج هي أن الانتفاضة الشعبية الهائلة قد لاقت لها تأييداً واسعاً من قبل الطبقة الكادحة الأجنبية التي لا يمكن أن تتحرك ضمن الخط الثوري الذي يجتاح المنطقة بسبب جهلها للحقيقة من ناحية، وبسبب دوافع وجودها من ناحية أخرى ومن ناحية ثالثة لكونها تسير ضمن مخطط استعماري رجعي كان يعتمد بالأساس لإفشال أي انتفاضة شعبية أصيلة بأن يدفع في وجهها تلك العناصر المستقلة، والتي لا تستطيع أن تدرك حقيقة الواقع الذي نعيشه والذي وضعت فيه دون اختيارها".

"ففي الوقت الذي دخلنا فيه السجن ونحن مقتنعون تماماً بأن كافة القطاعات الإيرانية تساند السلطة ضدنا.. اكتشفتا إن هذه العناصر المخدوعة في الشارع والتي سمحت لنا الظروف الاتصال بها داخل السجن اقرب ما يكون لنا. بل إن بعضها قد ساند بعفوية صمودنا ونضالنا ضد السلطة في السجن، وتلك حقيقة لابد من تسجيلها لأجل الحقيقة ذاتها، ولا يستطيع أي إنسان منصف للحقيقة أن ينكرها".

د – إن الحركة القومية بتركيزها على الجوانب الاستراتيجية في النضال الديمقراطي والوطني، تحمل في صفوفها الكثير من العناصر الانتهازية التي يمكنها التسلق على الموجة، كما يمكنها أن تحمل أيضاً عناصر مشبوهة تغذيها أجهزة الاستخبارات لتلعب الأدوار المرسومة لها في المخطط الإمبريالي، سواء لإبعاد الجماهير عن معاركها الاجتماعية، أو تمزيق الجبهة المعادية للإمبريالية والتي قد تضم ـ في الكثير من بلدان العالم الثالث ـ العديد من القوميات المضطهدة داخل البلد الواحد. وحيث إن لكل بلد خصائصه ومميزاته، فإن الصورة التي يحصل عليها في البحرين قد لا تبدو قريبة من هذا الشكل في بداية الأحداث، لأن الشرارة التي ألهبت السهل كله، كانت قضية مطلبية، ولكن سرعان ما اكتشفت الحركة القومية إن وراء هذا التسريح الجماعي مخطط استعماري مشبوه يصب في تذويب عروبة البحرين، وهكذا امتزجت المسألة القومية بالمسألة الطبقية (المطلبية) بإعادة العمال المفصولين إلى أعمالهم.

ولا يخلو أي بيان عن بيانات جبهة القوى القومية من هذه الإشارات، بينما لا نجد الشيء ذاته في البيانات التي كانت تصدرها جبهة القوى التقدمية. (راجع بيانات القوى الوطنية آنذاك).

3 – إن المهمات المطروحة آنذاك للنضال من أجلها، هي مهمات وطنية بالدرجة الأساسية، فالاستعمار البريطاني الرازح على صدر الجماهير، يضاعف من وجود قواعده باستمرار، مع تزايد المصالح البترولية في المنطقة. وكان من الضروري اخراج المستعمر لتتمكن البلاد من إنجاز المهمات الديمقراطية الأخرى. لكن هذه العملية كانت معقدة في البحرين. وأبرز هذه التعقيدات هي.

أ – عملت بريطانيا منذ البداية على التستر وراء الأسرة الحاكمة، وكانت تردد باستمرار بأن "البحرين إمارة مستقلة يربطها مع بريطانيا علاقات حماية" وهذه الوضعية تعني عدم حق بريطانيا في التدخل في الشؤون الداخلية والدفاعية. ولكن تطور الوضع في الخليج قد دفع بريطانيا للتدخل أكثر في أمور الإمارات، فمن جعل البحرين مركزاً للمعتمدية البريطانية في الخليج إلى القواعد البحرية والجوية، إلى المستشار البريطاني الذي تحول إلى حاكم مطلق، إلى إعداد كبيرة من المستشارين في الميادين والدوائر المختلفة.

في بداية القرن، أي في العشرينات، رفع التجار ولأعيان البلاد احتجاجاً على التدخل البريطاني المستمر في الشؤون الداخلية. مطالبين بالكف عن هذه السياسة، واقتصار العلاقات على الصعيد الخارجي، منددين بمحاولات الإنكليز في تغيير عيسى بن علي ليحل محله حمد بن عيسى. غير أن الإنكليز فرضوا إرادتهم، واعتقلوا بعض الأعيان ونفوهم إلى الهند.

وخلال عملية الصراع ضد الوجود البريطاني، كانت تتساقط الفئات العليا الساخطة في مرحلة سابقة، فقد كان الإنكليز يلبون بعض مصالحها، وكانت الأسرة الحاكمة تعتمد عليهم في تسهيل مهماتها التجارية. وشيئاً فشيئاً تزاوجت مصالحهم إلى الحد الذي جعلهم يقفون صفاً واحداً مع السلطة البريطانية، وذلك بعد تحولهم من تجار لؤلؤ إلى كومبرادور.

لكن المهمة الوطنية لم تنجز بعد، فلا زال الاستعمار البريطاني يضاعف من وجوده، بينما يربط معه قوى طبقية متزايدة تخرج من الصف الوطني لتلتحق بالركب الإمبريالي مفضلة مصالحها الطبقية على المصالح الوطنية الملحة.

إن هذه المهمة في البحرين، لم تكن بمعزل عن ذات المهمة على صعيد الوطن العربي، فالنضال ضد الاستعمار الغربي، قد وجد معارضة متزايدة من قبل الجماهير، لكن الأشكال التي اتبعها المستعمر والمساومات المشبوهة مع القوى الطبقية العليا، كانت تخرج عن الصف المعادي للمستعمر، تلك القوى التي لم تعد قادرة على المواجهة، لتصعد محلها قوى طبقية أخرى.

ولا يمكن النظر إلى هذه العملية الجدلية بمعزل عن التطور الاجتماعي في هذه البلدان، حيث تزايد أعداد العمال، واتسعت الطبقة البرجوازية الصغيرة، ونشأت الكثير من المنظمات الوطنية والديمقراطية والشيوعية، واحتدمت الصراعات بين القوى الطبقية والسياسية، نتيجة تعقد الوضع في المنطقة وتشابك المهمات واختلاف الأراء والبرامج حول المهمات المرحلية والقوى التي يحب عليها القيام بها.

لقد برزت أمام هذه الوضعية، القوى البرجوازية الصغيرة، ذات التفكير المثالي. للحركة الوطنية والقومية المعادية للاستعمار، سواء من خلال الناصرية أو المنظمات القومية التي انتشرت في الساحة. أو من خلال المنظمات الوطنية المحلية ذات التفكير القومي.

إن قيادة هذه المنظمات البرجوازية الصغيرة، ذات التفكير المثالي، للحركة الوطنية، قد ارتبط أساساً بمجرى التطور الموضوعي سواء على الصعيد القومي وانعكاسه المحلي، أو على الصعيد المحلي البحت الذي دفع هذه القيادات إلى الأمام، وجعلها تمارس أدواراً قيادية.

ولم تكن الأمور تسير باتجاه آخر في البحرين، فأمام امتداد الناصرية والقوى القومية على الصعيد القومي، وجدت هذه التيارات أرضاً خصبة لها في البلاد لسببين أساسيين:

1 – اتساع فئات البرجوازية الصغيرة، وكونها تشكل قاعدة عريضة في التركيبة الطبقية آنذاك، حيث تزايد اهتمام المستعمر بقطاع الخدمات، وعدم اهتمامه بإنشاء مصانع يتركز فيها العمال. واتساع القطاع الحكومي الذي يضم اعداداً كبيرة من هذه الفئات بالإضافة إلى التجار الصغار والكسبة.

2 – الإدعاءات الإيرانية على البحرين، وردود الفعل القومية التي ولدتها، وانعكاس تصدي الناصرية لهذه المسألة منذ الستينات. مما جعل قطاعات واسعة من هذه البرجوازية الصغيرة تلتحق بالمنظمات القومية.

ب – صغر مساحة البحرين، وكونها جزيرة يسهل على المستعمر تطويقها ومحاصرة الحركة الوطنية، مما ولد باستمرار ضيق أفق في المسألة الوطنية لدى شرائح عديدة وعمق في النظرة المطلبية الاقتصادية. إن كثافة الوجود البريطاني أمام العدد الصغير للسكان، واختباء السيطرة السياسية البريطانية وراء الأسرة الحاكمة، يجعل الحركة السياسية، تختبأ وراء مطالب إصلاحية بدلاً من إشهار برامجها بشكل واضح والتعبئة المكثفة للجماهير لتحقيق هذه البرامج الوطنية. وقد أوضح هذا الاتجاه بشكل جلي البيان الأول للقوى الوطنية، ثم بيان القوى التقدمية الذي جاء فيه "المطالب الأنية التي أعلنها في مظاهراته... والتي في مقدمتها السماح للعمال والمعلمين والطلاب بتشكيل نقابات واتحادات مهنية، وإطلاق سراح المعتقلين في الحال"... الخ .

ج – الاستغلال الطبقي الفاحش بحق الفئات الشعبية، والاستهتار الكامل بمصالحها، ووقوف الشركة الأمريكية (بابكو) ضد مطالب العمال، وتسريحهم الجماعي، وتردي الأوضاع الاجتماعية والمعيشية للجماهير، إن كل ذلك قد ولد حقداً طبقياً حاداً أنصب على الشركة وعلى السلطة القائمة، ووجدت المنظمات الوطنية إن تركيزها على هذا الجانب سيعمق التصاق الجماهير بها، وسيعري برامج السلطة أكثر.

إن الاستغلال الذي يمارسه بابكو ليس بمعزل عن الوجود الاستعماري فقد كانت تمثل رمز الاستعمار لدى المواطن، وكانت المطالب العمالية تشكل بالتالي محوراً للنضال ضد السلطة من أجل تحقيق هذه المطالب بالدرجة الأساسية.

لكن السلطة الاستعمارية وحلفائها المحليين، كانت ترفض الاستجابة لهذه المطالب، وكانت تتمادى في احتقار وإذلال الشعب إلى درجة كبيرة، ولا تتردد عن إطلاق النار على المتظاهرين الذين يطالبون بحقوقهم المشروعة.

د – إن المهمة الوطنية، قد تداخلت بشكل كبير مع المسألة القومية، للدفاع عن الوطن في وجه الادعاءات الإيرانية، مما جعل أحزاب ومنظمات البرجوازية الصغيرة تحتل مكان الصدارة في الحركة الوطنية لعجز الحركة الشيوعية عن التعبئة الصحيحة والواسعة لأسباب عديدة آنذاك مما جعلها تركز على الجانب المطلبي بدرجة أساسية، من أجل الإصلاحات وتحقيق مطالب العمال والفئات الشعبية الأخرى دون التركيز أساساً على المهمات السياسية المركزية، واعتبارها المحور الذي تدور حوله كافة برامج التعبئة.

تطور أحداث مارس:                     

كان من الطبيعي أمام التسريح الكيفي للعمال، وأمام ازدراء السلطة وعدم استجابتها لمطلب اعادتهم إلى أعمالهم، أن تسري موجة سخط شديد وسط الجماهير، باتجاه القيام بالمظاهرات والاضرابات لإجبار السلطة على إعادة هؤلاء العمال. لكن هذا الازدراء والتجاهل كان مجرد امتداد لكافة ممارسات السلطة تجاه الجماهير وقواها السياسية منذ 1956، وهكذا تفاعلت التراكمات بشكل واسع لتبرز هموم الحركة الوطنية ومطاليبها الآنية، المطلبية والسياسية على السطح، وهكذا رفعت الحركة الوطنية بمختلف فصائلها مطلب إعادة العمال إلى أعمالهم وحقهم في تشكيل نقابات تدافع عن حقوقهم.

ماذا كان دور الحركة الوطنية في التخطيط المسبق لهذه الأحداث؟

يقول التقرير السابق الذي سجل موقف حركة القوميين العرب ما يلي: " لقد كانت الحركة في ذلك الوقت غائبة تماماً "كتنظيم" في الساحة ولكنها حاضرة كعناصر فعالة. لذلك تمكنت بعض العناصر من التجمع وإصدار بيانات حملت أسماء متعددة. ثم استقرت بعد الحوار مع بعض التنظيمات القومية التي تكونت من الشباب الذي ترك الحركة، إلى تكوين جبهة القوى القومية".

لقد كانت القوى السياسية عاجزة عن تقييم موضوعي وصحيح لإمكانيات الجماهير وتطور الأحداث، كانت القيادات تعيش في متاهات بعيدة عن الأحداث، هذا ما تسجله تلك الوثيقة الهامة. حيث تقول: " تجدر الإشارة هنا إلى كيفية تقييم الوعي الشعبي ومداه. أن هذا التقييم خاضع بالدرجة الأولى إلى قناعة التنظيم ـ أو بالأحرى قيادته ـ لوجود الوعي الشعبي في المنطقة أو عدم وجوده. وعلى سبيل المثال فإن المسؤولين عن التنظيم في البحرين عام 1965.."قرروا ـ بقدرة قادر ـ عدم وجود وعي عمالي وحاجة العمال لنا لكي نوعيهم. وعلى أساسه قرروا عدم إمكانية حدوث أي شيء وذلك على أثر توصيل معلومات إليهم عن توقع حدوث مظاهرات عمالية نتيجة لسياسة الشركة التعسفية. وبعد سبعة أيام من صدور حكم بعدم حدوث أي شيء. انفجرت الأحداث بعنف رهيب لم يجد معه المسئولون إلا الاختباء في بيوتهم. وقطع اتصالهم بكافة العناصر المنظمة. وهكذا اضطرت القواعد إلى النزول إلى الشارع".

إن الضغط الذي مارسته القواعد على التنظيم كان من القوة والعنف بحيث أنه كان يلزم العناصر المسؤولة بضرورة التقدم وعدم التراجع. وكان الضغط الجماهيري هو الدافع أو المحرك الذي يدفع القواعد لتضغط على القيادة".

لقد كانت الحركة الجماهيرية أقوى بكثير من قيادتها السياسية، فأمام الاستغلال والاضطهاد الطبقي والقومي الذي مارسته الاحتكارات، وأمام القمع البوليسي الذي مارسته السلطات البريطانية والقسم الخاص، كان الحقد الجماهيري يتراكم ويصل إلى درجة الانفجار، في الوقت الذي كانت الحركة الوطنية تعاني من القمع البوليسي والمطاردات المستمرة والاعتقالات المتواصلة. مما جعلها غير قادرة على قيادة الحركة الجماهيرية في صعودها المفاجيء.

بالإضافة إلى عجز القيادات القومية التي كانت أقل كفاءة بكثير من متطلبات المرحلة.  

. وكانت أعجز من قيادة تنظيمها، فكيف قيادة الحركة الجماهيرية بمجموعها، هكذا صعدت إلى سطح الأحداث قيادات شابة من قواعد الحركة القومية. من الفئات الأكثر انسحاقاً والأكثر إخلاصاً للقضية الوطنية وقضايا الجماهير اليومية.

لقد حاولت السلطة أن تلتف على مطالب الحركة الوطنية لتحصر المسألة برمتها في موضوع تسريح العمال، فشكلت لجنة للنظر في موضوع التسريجات، وهذه أفضل طريقة تتبعها السلطة باستمرار "تشكيل لجنة لامتصاص النقمة الشعبية وبعد أن تهدأ الأعصاب" تخرج اللجنة بقراراتها التاريخية".

لم تنطل هذه اللعبة على العمال والحركة الوطنية. رغم إن قرار اللجنة قد جاء بدعوة الشركة إلى إعادة العمال المفصولين إلى أعمالهم. وكان واضحاً إن هدف هذه اللعبة هو امتصاص النقمة وتمييع الوضع، لذلك تمسكت القوى الوطنية بالمطالب الأخرى.

ودعت إلى إعادة كل العمال الذين فصلتهم الشركة والدوائر الحكومية والمقاولين منذ بداية حملة التسريحات، وليس فقط آخر دفعة من العمال المسرحين.

وقامت الحكومة بتوزيع بيانات تدعو الجماهير للخلود إلى السكينة، والعمال والموظفين للعودة إلى أعمالهم، وهددت التجار بسحب الرخص التجارية من كل من يواصل الإضراب الذي دعت إليه الحركة الوطنية. واستمر عدة أيام. كما أن السلطة قد استعانت بالجيش البريطاني لسحق الحركة الوطنية وفتح المناطق المغلقة في وجهها، وشنت حملة اعتقالات واسعة النطاق شملت كل مدن وقرى البحرين.

أمام تكتيكات وأساليب مواجهة السلطة، برزت مجموعة من الخلافات ووجهات النظر داخل صفوف الحركة الوطنية، حيث تمثل في التالي:

1 – الخلاف على تسمية الجبهة، وبالتالي بروز أكثر من جبهة في البلاد مما أضعف من إمكانية الحركة الوطنية على مواجهة البرامج الجديدة. وجعل السلطة تستفرد بالقوى الأخرى. يقول تقرير حركة القوميين العرب: "إن الحركة قد وقفت وحيدة في الميدان حيث كان شبابنا يتقدمون صفاً وراء صف لاداء مسؤولياتهم الوطنية.ونستطيع أن نقول بكل فخر تصفيتنا كانت في ميدان المعركة. وهذا لم يحدث للحركة من قبل. كما لا يمكننا أن نغفل الدور البطولي الذي لعبته عناصرنا الشابة. وتجاوبها الرائع مع جماهير مارس. وتجاوب الجماهير نفسها".

2 – أمام الضربات المتتالية للسلطة، برزت وجهات نظر في صفوف الحركة القومية تطالب بتقديم مذكرة للحاكم وتطمينه بأنها ليست موجهة ضده!! وتيار يدعو لإنهاء الإضراب الجماهيري والتوجه نحو العمل الفدائي. يقول التقرير السابق "لم يكن هناك أي تخطيط للعمل النضالي في تلك المرحلة وإنما كان ذلك يأتي حسب الظروف وحسب تصعيد السلطة لإساليب الإرهاب في الشارع. وغياب التخطيط "إن كان للظرف الذي نعينه أو للمرحلة بأكملها" إدى إلى إنهاك القوى الشعبية بحيث إنها وصلت إلى مرحلة وقفت معها تتساءل: ثم ماذا؟ وكان يجب علينا أن نجيب على هذا السؤال فقد تنازع الجبهة تياران: الأول كان في منتصف المرحلة التي كنا نعيشها. وهي قمة تصعيد الفوران الشعبي. وقمة التخطيط الذي وصلته المرتبة المسؤولة في ذلك الوقت بعد اعتقال المرتبة المسؤولة السابقة. وكان التيار الطاغي في تلك المرحلة هو الحل الوسطي الذي كان يرى بعث مذكرة إلى الحاكم تتناول بالدرجة الأولى المطالب الشعبية العاجلة كما تتضمن تطميناً للحاكم بإن الانتفاضة لا تستهدف الإطاحة بالحكم. وطرحت أسماء بعض الشخصيات التي شاركت في الانتفاضات السابقة. لكي تقدم هذه المذكرة للحاكم. كما كان مقرراً إرسال نسخة من المذكرة إلى السكرتير العام للأمم المتحدة وللجامعة العربية ولرؤساء الحكومات العربية التقدمية. وواضح إن هذا الحل هو لإنقاذ موقف الجبهة، والوصول إلى نتيجة معينة، إلا أن ذلك الحل لم ينجح بسبب تردد بعض العناصر التي اتصلت بها.. بأنها لا تستطيع الثقة بالمد الجماهيري لأنه ربما خذلتهم هذه الجماهير ولم تفعل لهم شيئاً".

"وقد برز التيار الثاني الذي كان أقوى من الأول وهو إنهاء الإضراب والتظاهرات وتصعيد العمل الفدائي بشتى الوسائل الممكنة. وكان الجواب الذي يعد للجماهير هو الكفاح المسلح. وبعد اخفاق كافة الوسائل مع السلطة.. لذلك ترى الجبهة أن تترك المسألة على عاتقها لتقوم بمهمتها التاريخية".

وكان الأمر يتلخص بالنسبة لنا في ثلاث نقاط أساسية:

1 – الانتقال إلى القرى معتمدين على العناصر التي لا زالت بعيدة عن عيون السلطة.

2 – الاستفادة من العناصر المدربة عسكرياً بعد أن منعناها من الخروج من البحرين على أثر هروبها من عملها واختباءها، وذلك لتدريب العناصر التي تنظم إلى الجبهة.

3 – إرسال أحد المسؤولين إلى مناطق معينة للقيام بترتيب شؤون العناصر التي ستعود إلى البحرين بعد تدريبها في الخارج.

إلا أن كل العمل أخفق بسبب الاعتقال الذي نتج عن إندساس عناصر مباحثية مفصولة عن العمل وعادت إليه بفضل "التجديد" الذي قررته "القيادة الحكيمة".

لا شك أن هذا التقرير يكشف بوضوح العلل التي تشكو منها قيادة الحركة الوطنية آنذاك والتي تركزت في الحركة القومية، وأبرزها ضعف القيادة وتذبذبها وعدم اتخاذها القرارات الصحيحة، والاتجاه الآخر الذي يتصور بأن المعركة يمكن أن تقوم بها عناصر فدائية معزولة تضع على عاتقها قيادة العملية الثورية وتدعو الجماهير إلى الخلود إلى الراحة..

لقد تطورت الأوضاع بعد ذلك بقيام عمليات عسكرية استهدفت مؤسسات الشركة الاحتكارية في العاصمة (مكتبها الرئيسي ـ سيارات "الكمبون") بالإضافة إلى مواجهة القوات البريطانية عندما تعتدي على مناطق الحركة الوطنية. وقد شكل هذا التصعيد إنذاراً كبيراً للقوى الاستعمارية. حيث أن الأحداث سرعان ما تطورت من مطلب عمالي وجماهيري بصدد إعادة العمال والطلاب المفصولين إلى رفع راية النضال ضد الوجود البريطاني وضد السلطة ، ولم تتردد بالتالي من تصعيد إجراءاتها القمعية وإنزال الجيش البريطاني والامعان في تجاهل شعور الجماهير الوطني والقومي، حيث أصرت على استقبال الدوق أدنبره الذي استقبلته الجماهير بمظاهرات صاخبة وسقط العديد من الجرحى في المواجهة، مما اضطر السلطات إلى نقله بالهيلوكبتر من المطار إلى مقر المعتمد البريطاني.

لقد تمكنت السلطة من سحق الحركة الوطنية، وتوجيه ضربات كبيرة لها، لكنها في الوقت ذاته، كشفت عن وجهها القمعي الحقيقي، وعن القوى المتحالفة ضد الجماهير ممثلة في الاستعمار البريطاني الذي لم يتردد في إنزال الجيش البريطاني بعد أن فشلت قوى القمع المحلية، والكومبرادور الذي لم يتردد في الاستجابة لنداءات السلطة في فك الاضراب العام.   

ومن جهة ثانية تعلمت الحركة الوطنية دروساً ثمينة للغاية. أبرزها:

1 – الاعتماد المطلق على الجماهير وضرورة تنظيمها وتعبئتها لتكون قادرة على مواجهة كافة مشاريع السلطة.

2 – لا يمكن السير خطوة إلى الأمام دون التخلص من الأفكار المثالية التي لا تستند على التحليل العلمي للأحداث، ولا تربط الصراع القومي والوطني بالنضال الطبقي، بل تأخذ كل منهما على حدة، وبالتالي يجعلها عاجزة عن تقديم الحلول الصحيحة للمشاكل القومية والمهمات الوطنية والديمقراطية التي تعاني منها الجماهير.

3 – إن الوحدة الوطنية سلاح لا يجب الاستغناء عنه. ولا يجب في المواجهة الشرسة بين شعبنا واعدائه، السير في طريق انعزالي مهما كانت الحجج التي تستطيع كل الأطراف أن تطرحها.

لقد ثبت بأن أحزاب البرجوازية الصغيرة غير قادرة على تشكيل جبهة وطنية واسعة تضم كافة المناضلين ضد العدو الاستعماري، كما ثبت في الوقت ذاته، أن الحركة الشيوعية لم تكن متطورة إلى الحد الذي يجعلها قادرة على طرح سياسات صحيحة تجعل الآخرين مقتنعين بصحتها، وذلك طبيعي لحداثة نشأة الحركة الشيوعية، والضربات المستمرة والمتتالية التي يوجهها القسم الخاص لكل القوى المناضلة، وعدم قدرتها ـ كما هو حال التنظيمات الأخرى ـ على تشخيص الحالة الموضوعية تشخيصاً صحيحاً والقيام بالمهمات الوطنية التي لا غنى عن إنجازها لتحقيق المهمات اللاحقة. وطرح الأشكال التنظيمية والنضالية الصحيحة التي يتطلبها ذلك الوضع.إن أحداث مارس العظيمة التي لم نتحدث كثيراً في هذا الموضوع عنها، سواء تلك المبادرات الجماهيرية الرائعة والتصدي البطولي لقوات الاحتلال البريطاني، وعدم الرضوخ لمكائد ودسائس السلطة. والموقف الوطني الرائع الذي وقفه طلبة البحرين وأبنائها في الخارج، والتأييد الواسع من قبل الحركة التقدمية العربية. قد كشف الإمكانيات العظيمة التي يمكن لشعبنا وقواه الوطنية أن يسخرها لتحقيق طموحاته المشروعة.

المصدر:

هذا التحليل نشر في نشرة (5مارس) التي كانت تصدرها الجبهة الشعبية في البحرين في عددها رقم ( 9 ) مارس 1976م مع تصرف بسيط واضافة المقدمة لتتلائم مع الوضع الراهن.

           

  

 
 
 
 
 
 

" الآراء المنشورة ليست بالضرورة تعبر عن موقف الجمعية "


نسخة سطح المكتب


جميع الحقوق محفوظه ©2017
لجمعية العمل الوطني الديمقراطي (وعد)