English

 الكاتب:

رضي الموسوي

 
 
 

روابط سريعة

الأخبار      |     التقارير      |     المقالات

 
 

نهار آخر| مارس الذي أقبل
القسم : سياسي

| |
رضي الموسوي 2017-03-04 22:57:46




قطرات من دمائك

صبغت حائط بيتٍ في طريقٍ للمدارس

وصدى طلقة نار

سجل الرابع والعشرين صبح الأربعاء 

كان يوما نابضا من شهر مارس

اعزلا مر هنا..

يافعا بين الزحام

عندما اجتاح لظى النيران أشتات المواكبْ

واقفا ظل..ونادتْ

صرخة المحكوم: كلا.

     ايها الأطفال في كل زمان

     آه، ما جدوى حياتي؟

     أطلعُ الشمس، وإلا

     شمعة أُوقد في قلب الظلام.

صامدا ظلِ، وطاشت من وجل

...

لاصقَ الحائط وهنا..

قبل الأرض طويلا..

           واشتعل"

(الشاعر علي عبدالله خليفة-قصيدة آثار اقدام على الماء-ديوان اضاءة لذاكرة الوطن) 

 

(1)

تعود الذكرى وتتوثب المشاعل المرفوعة بالقبضات، والنجوم التي رصَعت سماء البلاد المتألقة في عمق الألم. كان ليلُ الأول من مارس هذا العام مختلفا عن الذي مضى قبل اثنين وخمسين عاما. قبل ليالٍ، أراد البعض سلخ تاريخنا وتشويهه بعمل صبياني ممجوج ونتن. جرم مكشوف وفاضح..خابت مساعي من أقدم على شناعة التخريب والتكسير في موقف سيارات جمعية وعد، بحقد ممزوج بزبد الانتقام المتطشر من أنياب خبيثة قامت بعبث ممقوت. قبل أثنين وخمسين سنة، انتصر دم الفتى عبدالله وهو يركض في أزقة المحرق نحو البيت الذي آواه في نزفه الأخير. لكن الجند لم يكتفوا بالرصاصة التي فتحت قلبه، فانتزعوه مضرجا بالدماء التي سالت والتي دلتهم على مكان سقطته الأخيرة، ليجروا والده المثخن بجراح الفقد نحو نفس المقبرة. اجبروه على القاء النظرة الاخيرة بلا زفة شباب وبلا زغردة النساء المتألقات في مارس العظيم. كان انتظار الأحبة طويلا، طويلا فيما الليل يرخي سدوله والجدران تتشرب دم الفتى، ليسود الصمت الذي يشق طريقه للخبر اليقين: لقد استشهد عبدالله في المحرق برصاص الجند ودفن سرا في المنامة، ليتحول الفعل الى عادة ليلية يجرى استحضارها كلما سفكت دماء في المحرق وسترة والمنامة والمناطق الملتهبة. حصل ذلك مع محمد بونفور "سعد"، ومحمد غلوم "جاسم"، وسعيد العويناتي، وعشرات بعدهم دفنوا في ظلمة الليل كلما سقط احدهم في غرفة مظلمة أو في شارع حالك.

 

(2)

لم يكن فجر مارس 1965 وليد لحظته، كانت الخميرة تنتظر اللحظة الفاصلة. قبلها بعامٍ، كان الشيخ أحمد بن إبراهيم المطوع يُحضر لتلك اللحظة الفارقة في مسجد بن مجرن بالمحرق القريب من بيت أم جان التي يعرفها جيدا أهل المحرق. كانت أما للجميع، فهيالقابلة التي تقوم بتوليد النساء وهن في مخاضهن الأخير لتعلن مجيء القادم بصحته وعنفوانه. 

 

كان رواد الشيخ المطوع يحرصون على حضور صلاة التراويح في شهر رمضان المبارك،ينتظرون بشغف خطبة الشيخ الضرير صاحب البصيرة الثاقبة وهو يبشر بقدوم مارس العظيم. ذاع صيت الشيخ بمواقفه الوطنية، فزاد الحضور القادم من مناطق الرفاع والبديع والزلاق إضافة لأهل المحرق. كان محمد بوحجي وعيسى عاشير يحرصان على توصيل الشيخ المطوع بسيارتيهما من وإلى المسجد الذي كان الجمع ينتظره فيه بفارغ الصبر.

 

حين اقترب موعد تفجر الانتفاضة بشرارة الفصل التعسفي لمئات عمال شركة النفط، تألق صاحب البصيرة، كما تألقت القوى القومية والقوى التقدمية والجموع لتنطلق في بحر جماهيري هاج وأعلن عن دخول تلك الأيام المجيدة من شهر مارس في التاريخ الوطني البحريني مرصعا بالشهداء الستة: عبد الله بونوده وعبدالله الغانم من المحرق، عبدالنبي سرحان وعبدالله مرهون من نويدرات، فيصل القصاب من المنامة، وجاسم خليل من الديه، فضلا عن عشرات الجرحى الذين أصيبوا برصاص الاستعمار البريطاني وأعوانه والمعتقلين والمشردين الذين اضطروا لمغادرة البلاد هربا من البطش والقتل خارج القانون. كانت القيادة الميدانية تواجه جنود الاستعمار البريطاني الذي كان يجثم على صدر الوطن وأبناءه، وكانت القوى المعارضة تنظم الصفوف انطلاقا من واجبها الوطني الجامع بعيدا عن الاصطفافات الطائفية والمذهبية، فامتزج الدم في الشارع وفي المعتقل وفي المنفى.

 

ذاك هو المعدن الاصيل لشعب البحرين الذي يتوق لغدٍ أجمل ولحياة حرة سعيدة، ينعم فيها بخيرات بلاده التي احتضنته ليعطيها كل ما يملك..وهل أعز من الروح؟

 

لك المجد أيها الدم المسفوك في الطرقات والغرف المعتمة،

لك العرفان وأنت تذكرنا بمجد الخامس من مارس العائد بعنفوانه لوطن لايرجف فيه الامل.  

 
 
 
 
 
 

جميع الحقوق محفوظه © 2017
لجمعية العمل الوطني الديمقراطي (وعد)                       " الآراء المنشورة ليست بالضرورة تعبر عن موقف الجمعية "

Website Intro