English

 الكاتب:

رضي الموسوي

 
 
 

روابط سريعة

الأخبار      |     التقارير      |     المقالات

 
 

نهار آخر | دمٌ بحجمِ خارطة الوطن
القسم : سياسي

| |
رضي الموسوي 2017-02-12 21:17:42




 

"حديدٌ

كأن الدماَء التي هَربت في الرسائلِ مشحونةٌ بالفناء

تعيد الغناء لأهلي وهُم يغضَبون لأطفالهم

في الصليل الثقيل من القيد

مما تبّقى لهم في الرماد من الجمر.

هذا الحديدُ يؤاخي دمِي

ينتمي للقصيّ الخفيّ من الأنبياء

دمٌ شاردٌ في السماء".

(الشاعر قاسم حداد- طرفة بن الورد)

 

(1)

يسألونك عن الدم المتناثر في أرجاء الخارطة الممتدّة بقامَة وطن تنخر فيه الجراحُ المتقرِّحة والدماء التي تُسفَك فجرًا في كل الاتجاهات. قل لهم إنه وطنٌ كأن أرضَه عَطشى إلى الأجسادِالطريّةِ الراحلةِ مع كل هبَّةِ ريحٍ تعصِف بالمكان، "وكلُ زنزانةٍ ضيِّقةٍ حيث نسكنُ ما هي سِوى مرحاضٍ مُظلمٍ عفنٍ"، كما يقول أوسكار وايلد، وكل الأمكنة والأزمنة مشروعُ قتلٍ خارج َالقانونِ وداخله.

هذا صبيٌّ يسبح وجهُه في بركة الدم، وذاك تشخل أطرافه وهو يعانق الريحَ التي سبقته للمكان الغامض. يقف مترنحًا لكنّه لاينجو من صعقةِ حبِّه السرمديِّ ثم يُخطف ثانيةً ويدخل للمسلخِ ويلتقي بأحبَّائِهِ الذين سبقوه لتلك الغرفةِ الباردة، وفيها يجد راحته الأبديةَ مطمئنًا على نَصله وسَهمه الذي ترك.

 

(2)

هذا شعبٌ سُبكت من دمائهِ الجنازاتُ

وخِيطت في أحشائِه الأكفان التي تنتظر وقتها،

وهنا وطنٌ يحمل بين أضلاعهِ أرواحَ الفَقد في الدروبِ

وفي أزقّة الأَحياء المسبيَّةِ فجرًا.

انتظَروا وقتَهم،

صلَّوا صلاتهم الأخيرة والتحفوا بالبحر والسماء الغائمة التي ستمطر بعد قليل.

ادَّعى المطرُ أنه سيسقِي القبورَ الممدودةَ،

قالت الأرضُ بالدم أَرتوِي،

قاطع القبرُ وقال قولتَه الفصلَ: أنا من يحتضنُ الشوقَ ويروِي الضمأَ

وَجَّهَ الأجسادَ نحوَ القِبلةِ وتوضَّأَ بالدمِ وتَخَضَّب.

 

(3)

رَمِّمْ جدارَكَ المخروقَ برصاصاتِ الغدرِ وانهَضْ،

ففي الطريقِ جنازاتٌ أُخَر تُسرِع الخُطَى للخَطفِ ثانيةً،

هناك حيث يسيل الدمُ وتلتئِمُ الجروحُ المثقوبةُ استعدادًا لصلاةٍلا تأتِي،

يَضِجُّ الجمعُ وتُهدِّئُهُم السماءُ بمطرٍ يَغسل الحزنَ قليلا ويمضِي.

نسمعُ صراخَ الثكَالَى وهُنَّ يضرِبنَ السوادَ مُوَلوِلاتِ مُعلناتِارتقاءَ أرواحِ الذين ذهبوا،

ملائكةٌ تمشِي الهُوَينا، فيستلُّ حكمت طفلَه "الهيروشيمي" ويصرخ:

"أَجيئُ واقفا عند كلِّ بابٍ

لكن لا أحدَ يُمكنُ أنْ يَسْمعَ خُطوتي الصامتةَ  

أطرقُ وأَبْقى من غير أن يراني أحدٌ لحدِّ الآن 

لأنني مَيِّت لأنني مَيِّت".

لكن الموتَ لا يأتي لِمن ارتقَى وصارَ نجمًا،

هكذا تحدثَتْ أمهاتُهم.

 

(4)

لم تجد القبورُ أجسادَها فبقِيَت ممدةً في البردِ والعَرَاء،

صاحَ المُنادِي لتلك النسوةِ المتَّشحاتِ بالسوادِ أن يرحلنَ عندَسيِّدِ الساداتِ بعدَ فَزَعِ النوم،

يأتيهنَّ الصوتُ من أعماقِ الأرضِ: 

لا تَنتظرنَ، وأَفرغنَ الحزنَ الذي يَهدُّ الجِبال، 

سَيأتيكُنَّ فلذاتُ أكبادِكُنَّ على بساطٍ أبيضٍ مُبَقَّعٍ بالأحمرِالقانِي. 

آه يا حسرتي على وطنٍ يُسبىَ في الليلِ، 

وفي الفجرِ يرقصونَ على نهرِ دمائِهِ المتدفقة

وعلى أَجساده المتناثرةِ يعبثون على كلِّ الخريطة.

هذا وطنٌ لا يرتوِي بالدمِ ولا بالدموع،

فسلامٌ عليه،

وسلامٌ على أهلِه،

وسلامٌ على تلك الجموع.

 

 

فجر 12 فبراير 2017 

 

 
 
 
 
 

 

 إكتب تعليقك 

 
البريد الإلكتروني: * الإسم *
التعليق: *
 
 
 
 
 

Developed by:
Bab-alBahrain.com

جميع الحقوق محفوظه © 2012
لجمعية العمل الوطني الديمقراطي (وعد)                       " الآراء المنشورة ليست بالضرورة تعبر عن موقف الجمعية "

Website Intro