English

 الكاتب:

رضي الموسوي

 
 
 

روابط سريعة

الأخبار      |     التقارير      |     المقالات

 
 

نهار آخر | الصفحة الحادية عشر من السفير
القسم : شؤون عربية

| |
رضي الموسوي 2017-01-02 11:32:17


وجع يلامس شرايين القلب ذلك الخبر القادم من بيروت الذي أعلن توقف واحدة من أهم الصحف العربية "السفير"، للدرجة التي اثارت الشجون وأججت المشاعر وأعادت الزمن ست سنوات ونصف السنة للوراء، يوم صدور العدد الاخير من صحيفة "الوقت" البحرينية يتصدرها "مانشيتا" ينعي سنواتا أربعا من العطاء والعمل المهني الحصيف والمنافسة الشريفة، ويعلن اقفالها. كان الذهول يومها سيد الموقف رغم التوقع بأن النهايات قد اقتربت وقبر وأد "الوقت" قد تم تجهيزه ولم تبقى سوى مراسيم الدفن.

هناك، وجد أصحاب الاكشاك المنتشرة في شارع الحمراء وشوارع المدن الرئيسية في لبنان مكانا فارغا لجريدة كانوا يضعونها في مكانها المخصص لها منذ اثنين وأربعين عاما هي عمر صحيفة "السفير" التي قرر ناشرها ورئيس تحريرها الاستاذ طلال سلمان اغلاقها مع اطلالة العام 2017، وكأنه يوجه رسالة قاسية لكل من يهمه الأمر بواقع الصحافة والإعلام في لبنان والوطن العربي. في المشهد المصور الاخير الذي نشر على موقع "السفير" تركز الصورة على ورقة يكتب فيها طلال سلمان آخر كلماته ثم يضع القلم جانبا، ويطفئ نور الاباجورة الموضوع على المكتب ويتأهب لمغادرة مكتبه برما للمرة الاخيرة. الرسالة واضحة ومؤلمة بحق لبنان وصحافته وتحديد "للسفير" التي رفعت شعارها "صوت الذين لاصوت لهم"، لتشكل حالة خاصة بها وتكبر لتصبح أكبر من جريدة، لما لعبته من دور نهضوي طوال العقود الاربعة الماضية التي طافت بالأمة العربية من محيطها الى خليجها. في الصورة أيضا، تساقط دمعة من عين حمامة والى جانبها قلم مكسور طفل ناجي العلي حنظله واقفا بشموخ مستديرا وجهه، وكأن استعادة الرسم الكاريكاتوري للفنان الراحل ناجي العلي يريد القول: كنا وأصبحنا.

**

ماذا تفعل صحيفة عروبية ك"السفير" في زمن التشظي والانقسامات الطائفية والمذهبية والاستسلام والضياع؟

في أوج عطائها، كانت الصفحة الحادية عشر من "السفير"منارة جدلية جميلة تتصارع فيها الافكار المعبرة عن عمق ثقافة من يسبر غور تلك الصفحة الثمينة ويجد فيها مكانا للكتابة.هي صفحة الرأي التي كان يكتب فيها كبار الصحافيين والمثقفين والسياسيين العرب، وقد علمت اجيالا فن الكتابة والاختلاف منذ الايام الاولى لصدور الصحيفة في العام 1974.

بعد عام من صدور السفير كانت الحرب الاهلية اللبنانية تأكل الاخضر واليابس محاولة تقويض مكانة منارة الشرق، بينما كانت السفير في حرب ثقافية وسياسية مع وعي المتلقي وتشذيب ما يعلق في ذهنه من دعايات مضادة، واستمرت تدافع عن عقل المتلقي وصقله حتى العدد الاخير منها يوم 31 ديسمبر 2016.وبعد ثلاث سنوات من صدورها كان الاجتياح الصهيوني الاول لجنوب لبنان في مارس (آذار)1978 وتأسيس دويلة سعد حداد جنوب لبنان في الشريط الحدودي مع فلسطين المحتلة، والشرط الذي وضعه الكيان والمتمثل بسحب مقاتلي الثورة الفلسطينية من الجنوب اللبناني، وكان للسفير موقفها الوطني والقومي. وفي سنوات الحرب الأهلية التي دامت، حصل الاجتياح السوفيتي لأفغانستان نهاية العام 1979، وكان الجدل في أوجه بين المؤيدين والمعارضين لذلك الاجتياح الذي دام احدى عشر عاما، وقد نشرت في "السفير" مقالات وقراءات لكتب وإصداراتتاريخية عن تلك الازمة التي تنبأ بعض كتابها بمآلات الاجتياح وانعكاساته على المنطقة العربية وخصوصا ظاهرة "الافغان العرب". ولم تكن قضية الصحراء المغربية بعيدة عن صفحة الرأي، وانعكاس ذلك على الخلاف المغربي-الجزائري الذي لايزال عالقا حتى الوقت الراهن. وكان للسفير موقفها القومي الثابت والناقد لاداء الجامعة العربية تجاه القضية الفلسطينية، وعن محادثات كامب ديفيد ومعاهدة السلام المصرية الاسرائيلية، حيث قرأت الصحيفة المشهد العربي بافتتاحياتها ومقالاتها المتعددة بنضج ووعي لما ينتظر الامة من ويلات بتحييد مصر في الصراع العربي الصهيوني. حتى مبادرة الزعيم السوفيتي ليونيد بريجنيف في العام 1980 والقاضية باعتبار الخليج العربي بحيرة سلام كان لها وقعها على كتاب "السفير" وجدلهم المحتدم والحضاري في آن معا. وكانت الثورة الايرانية ضد الشاه محمد رضا بهلوي واحدة من العلامات الفارقة في تغطيات "السفير". كانت الصحيفة تتنافس مع اذاعة مونتي كارلو لتغطية الزلزال الايراني الذي هز المنطقة في فبراير (شباط) 1979، فقد كان قائد الثورة الامام الخميني مقيما في باريس بعد طرده من العراق، وكانت مونتكارلو هي الاقرب من الناحية الجغرافية، لكن السفير كانت حاضرة في كل مفاصل ومسيرة الثورة، تقدم مادتها الحية رغم ان المنافسة بين اذاعة تبث في أي لحظة وبين صحيفة تطبع فجر كل يوم، فلم يكن الانترنت موجودا في تلك الايام.

وكان للغزو الصهيوني للبنان حالة فارقة بالنسبة "للسفير"، التي قاتلت بالكلمة الرصاصة وبرسوم كاريكاتير الراحل ناجي العلي الذي تمكن من مغادرة صيدا التي تم احتلالها ليعيش في "السفير" بمنطقة الحمراء مبدعا في رسوماتها الموقعة بابنه حنظله. بعد الغزو واجبار مقاتلي الثورة الفلسطينية على الخروج من بيروت وما تبعها مجازر صبرا وشاتيلا في سبتمبر (ايلول) 1982، وانتفاضة الضاحية الجنوبية والجبل وإعادة الكرامة والعزة لأبناء بيروت خصوصا ولبنان على وجه العموم، بعد كل ذلك كان على "السفير" دورا كالرافعة العملاقة لتعزيز معنويات الناس في لبنان والوطن العربي. كان عليها ان تبقي الشعلة متقدة رغم جراحات ما بعد الغزو الصهيوني والمجازر التي تتالت. جاء اتفاق الطائف ليسدل الستار على الحرب الأهلية وتشكلت حكومة الرئيس الشهيد رفيق الحريري، لكن ايادي الغدر طالته في 2005 كما طالت كمال جنبلاط في العام 1976، ولايزال ملف الحريري مفتوحا على مصراعيه لمعرفة من يقف وراء جريمة الاغتيال التي تمت. وهناك جرائم أخرى لا يلتفت الكثيرون لها. ففي بيروت أزمة قمامة وإرهاب وتهديد للسلم الأهلي خصوصا بعد ان تعمقت الاصطفافات وصولا للعام الجاري الذي يبدو ان لبنان خرج من جزء من مأزق، لكنه في محيط ملتهب.

**

"السفير"، بلا مبالغة، كانت مصدرا للإشعاع والوعي. لم تصدر عن حزب لكنها كانت اكبر من حزب وبحجم وطن أكبر. كانت مدرسة مهنية الى جانب "النهار"، حيث المنافسة في مطبخ الصحيفتين يجرى على الفاصلة والنقطة وحرف الجر والكلمة في الخبر الصحفي. وكان المطبخان الصحفيان يقدمان نموذجا حضاريا راقيا في الارتقاء باللغة العربية إلى مصاف متقدم. 

واجهت السفير صعوبات التمويل المالي في الكثير من مراحل حياتها، لكن في المفترقات الرئيسية كانت تخرج أكثر بأسا وقدرة على التواصل بسبب وجود من هو مقتنع بضرورة استمرار صحيفة صوت الذين لا صوت لهم، وصحيفة لبنان في الوطن العربي وصحيفة الوطن العربي في لبنان، وكانت السفير تترجم كل هذا وأكثر. كما كانت تواجه التفجيرات والتهديدات المتعاقبة دون ان يرف لها جفن أو تيأس. فهذا النوع من الصحف ومن القائمين عليها لا يرفعون الرايات البيضاء لأن "أزعرا" هددهم بتفجير مبنى الصحيفة ومطابعها، بل يتجاوزون ذلك بحرفية ومهنية تأسر خصومهم وأعدائهم وعلى رأسهم الكيان الصهيوني الذي يجد في الصوت الحر تهديدا لمؤامراته.

**

ثمة لامبالاة تبعث على القلق ياصديقي البعيد، فبيروت منذ العام الجديد لن نقرأ فيها "السفير"، وهو أمر محبط يترجم الهروب من الهوية الأم العروبة، الى احضان القبيلة والطائفة والمذهب. أن بوقع طلال سلمان قرار اغلاق وتوقف السفير فهذا يعني أن الأمة العربية قد ابتليت بداء عضال لا علاج له. لو شعر سلمان لحظة بأمل لما وقع القرار. لكنه الانحدار الكبير الى الهاوية التي ليس لها قاع في ظل أزمات تتناسل من بعضها البعض وكأننا في حفلة عهر غير قابل للانضباط.

"هناك فقد كبير في غيابها"، كما قال رئيس المؤسسة اللبنانية للإرسال (إل.بي.سي) بيار ابي ظاهر، الذي اردف أنه "يستطيع بلد العيش بدون حكومة لكنه لايستطيع العيش بدون صحافة".فالناس في أوطاننا لم يعودوا يشبهوا انفسهم وأهلهم.

سلام على السفير وسلام علينا بعدها. 

 

 

 
 
 
 
 
 

جميع الحقوق محفوظه © 2017
لجمعية العمل الوطني الديمقراطي (وعد)                       " الآراء المنشورة ليست بالضرورة تعبر عن موقف الجمعية "

Website Intro