English

 الكاتب:

رضي الموسوي

 
 
 

روابط سريعة

الأخبار      |     التقارير      |     المقالات

 
 

نهار آخر | العدالة الاجتماعية والتسامح في الدولة المدنية الديمقراطية
القسم : سياسي

| |
رضي الموسوي 2016-11-03 08:40:33


إذا كانت الدولة المدنية الديمقراطية الحديثة هي نتاج تطورات وصراعات مرت بها المجتمعات في مختلف الدول، وإذا كانت تعبيرا عن طبيعة الدولة التي يتم انتاجها في مسارات تطورها السياسي والاجتماعي، فيمكن القول بأن الدولة في البحرين لاتزال تعيش ارهاصات الدولة الحديثة وتحتاج الى جهود كبيرة تضعها على طريق الدولة المدنية الديمقراطية الحديثة. وقد جاء شعار المؤتمر العام الثامن لجمعية وعد تحت عنوان"نحو دولة مدنية ديمقراطية تضمن المواطنة المتساوية والعيش الكريم"، ليكرس رؤية "وعد" في طبيعة الدولة التي يناضل شعبنا من اجل تحقيق شروطها ومقوماتها.

تتمثل مرتكزات للدولة المدنية الديمقراطية الحديثة في تجسيد المبادئ الدستورية التي استقرت عليها البشرية وفق مبدأ "الشعب مصدر السلطات جميعا"، الذي يرنو الى تحقيق المواطنة المتساوية، الديمقراطية، الفصل بين السلطات، حقوق المرأة والشرعة الدولية لحقوق الانسان، وهي المرتكزات التي تحدثت عنها مطوية "الدولة المدنية الديمقراطية في البحرين" ومن شان تطبيقها نقل المجتمع من حال التشنج والتوتر بسبب اوضاع داخلية وإقليمية الى حالة أخرى من العمل في سبيل التنمية المستدامة التي تشمل ايضا التنمية الاقتصادية التي تكافح الفقر والمرض والبطالة،وتضع خطط التطور المطلوبة لمواجهة التحديات في عالم المنافسة المحتدمة بين الدول في هذا الصعيد.

ان العدالة الاجتماعية التي تعتبر من أهم مقومات الدولة المدنية الحديثة، يمكن تتجسيدها على ارض الواقع عندما يحصل الفرد في المجتمع على حقوقه الطبيعية، وحين يتم التوزيع العادل للثروة وتتساوى الفرص بين المواطنين، فضلا عن توفير الدولة حاجاتهم الرئيسية، الامر الذي يقود الى استقرار المجتمع ويعزز سلمهالاهلي ويدفع به للتطور الاقتصادي والاجتماعي الى مستويات من التقدم. 

لكن العدالة الاجتماعية يتعثر تطبيقها على ارض الواقع حين يتعرض المجتمع لخضات اقتصادية واجتماعية وفي ظل تفاقم الازمات المعيشية مثل البطالة وعدمقدرة الدولة على توفير الحياة الحرة الكريمة لمواطنيها نتيجة شح الثروات أو إصابتها بخلل ناتج عن تراجع عوائد الموازنة العامة (انهيار اسعار النفط مثلا) أو استشراء الفساد المالي والإداري والتعدي على المال العام، الامر الذي يضع المجتمع امام تحديات رئيسية لتجاوز هذا الخلل، والذي يمكن وضع خارطة طريق له عبر اشراك المواطن في صياغة قراره وتحقيق مبدأ التوزيع العادل للثروة والمساواة بين المواطنين بغض النظر عن انتماءاتهم الايدلوجية او السياسية أو الاثنية والعرقية. ان الخلل في التوازن الاجتماعي (ضمور الطبقة الوسطى) واتساع الفوارق بين الطبقات الاجتماعية يؤدي إلى تهديد الاستقرار الاجتماعي وإثارة النعرات بين الهويات الفرعية في المجتمع على حساب الهوية الوطنية والقومية الجامعة، وهذا يقود الى تقسيم المجتمع والتمترس بعيدا عن المصلحة الوطنية العليا.

هل يمكن قيام دولة مدنية ديمقراطية في غياب التسامح؟

الجواب بالطبع لا؟

فالتسامح هو صفة إنسانية حضارية لا يقدر على القيام بها إلا مقتنع بضرورة ترجمة هذا المبدأ عمليا الذي يفرض الترفع عن صغائر الامور واعتماد المصلحة العليا بوصلة للعمل. ربما تحضرنا هنا مفارقة تجربة دولة سنغافورة التي حكمها مؤسسها ورئيس وزرائها "لي كوان يو" لأكثر من ثلاثة عقود، وجهت له اثنائها الكثير من الانتقادات ازاء تعاطيه مع المعارضة السياسية هناك، وهي في الاغلب انتقادات صحيحة، لكنه كان المستبد العادل الذي اراد ان ينقل بلاده من براثن الفقر والمرض والبطالة التي كانت سنغافورة تعاني منها عالم العلم والمعرفة فحجز مقعد لبلاده في العالم الاول وتمكن من ذلك بفضل التعليم وتشريعاته المناهضة للتمييز وتأسيس دولة عصرية تعتبر اليوم من اغنى دول العالم على مستوى الدخل الفردي والناتج المحلي الاجمالي قياسا لعدد السكان وبنهجها التصنيعي النظيف الذي رفض الصناعات القذرة مثل الالمونيوم الخام وركز على الصناعات التي تتمتع بقيمة مضافة عالية تعتمد على التقنية والمعلومات ليحقق تنمية مستدامة وسيلتها وهدفها الانسان، حيث قاد لي ثورة تعليمية كبرى ادت الى ما وصلت اليه بلاده من تقدم وفر البيئة الحاضنة للاستثمارات الاجنبية المدعومة بالتشريعات العصرية التي لا تحابي فئة او طائفة او أثنية وتكافح الفساد والتمييز بجميع اشكالهما. ولذلك نجح في تأسيس بلاده ووضعها على قائمة الدول الاعلى دخلا في العالم. لم يكن "لي" متسامحا مع معارضيه البته، لكنه كان يضع استراتيجيات وخارطة طريق للتقدم والنجاح والديمقراطية في سنغافورة التي نعرفها اليوم، وقد افضت هذه الى تحويل التركيبة السكانية من التنافر الى التنوع باعتباره قوة قادرة على الابداع الخلاق.

لكن الزعيم الجنوب افريقي نيلسون مانديلا اكثر قربا من مبدأ التسامح. فقد كان بإمكانه الانقضاض على البيض وعلى مستوطناتهم ومصالحهم، لكنه رفع شعار المصارحة والحقيقة والمصالحة الوطنية التي جنبت البلاد حربا اهلية وتفرغ لبناء بلاده وترسيخ قيم التسامح فيها رغم كل الصعوبات. كان مانديلا اشبه بنبي لم يرسل، لذلك خلدته البشرية في حياته ومماته. وهذا نموذج لا يتكرر في قتنا الحاضر.

العدالة الاجتماعية والتسامح عنصران رئيسيا لبناء الدولة المدنية الديمقراطية الحديثة، ليس بين النظام السياسي ومعارضيه فقط، بل أيضا بين مكونات المجتمع وبين القوى السياسية العاملة فيه.

 

 
 
 
 
 
 

جميع الحقوق محفوظه © 2017
لجمعية العمل الوطني الديمقراطي (وعد)                       " الآراء المنشورة ليست بالضرورة تعبر عن موقف الجمعية "

Website Intro