English

 الكاتب:

عدنان العريض

 
 
 

روابط سريعة

الأخبار      |     التقارير      |     المقالات

 
 

الدولة المدنية الديمقراطية الحديثة – حتمية تاريخية وضرورة مجتمعية
القسم : سياسي

| |
عدنان العريض 2016-11-02 10:24:36


الدولة في المنشأ والمنتهى هي الهيئة المكونة من عناصر ثلاثة مجتمعة ومترابطة، تتمثل في الأرض والشعب والسلطة، والعنصر الأخير بقوته تتم إدارة شئون الدولة العامة وحفظ علاقات الناس الداخلية وحماية الحدود من الاعتداءات الخارجية. إلا أن الشعب مالك الأرض يظل محور السلطات جميعاً في تنظيم العلاقات المجتمعية على كافة مستوياتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية. فعلى مر العصور تأثرت طبيعة نظم الدولة بحالة الصراعات محلياً أو خارجياً، حتي استقرت في شكل الدولة المدنية الديمقراطية كحالة متقدمة ارتقت إليها الأمم بعد أن فارقت المجتمعات البشرية سلطات الإقطاع والبداوة والعسكرة المحلية أو الإستعمارية.

فالدولة المدنية الديمقراطية بحسب حمولة المصطلح والقاموس السياسي المعاصر، هي النقيض من الدولة الإقطاعية أو الشمولية أو العقائدية، فهي الدولة الحاملة لمجموعة القيم الإنسانية  المتداخلة والمندمجة بهدف تحقيق الحقوق الأساسية للأفراد والجماعات كما أقرتها مبادئ الإعلان العالمي لحقوق الإنسان وملحقاته من مواثيق وعهود ذات العلاقة. فحق المواطنين في تقرير المركز السياسي وحرية السعي في تحقيق نمائهم الاقتصادي والاجتماعي والثقافي،  شكل أهم تطور فارق في الفكر السياسي والاجتماعي المختمر في الوجدان الإنساني.

المواطنة المتساوية قيمة حملتها كافة الحضارات والثقافات والأديان عبر التاريخ، كما عبر عنها العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية وبشمولية الإلزام لكافة الدول. فتطلع البشرية للانعتاق من نير العبودية وعسف الاستبداد الداخلي أو الخارجي، عبرت عنه جميع الثورات ومسيرات التحرر قبل الشعوب وسعيها الدؤوب للاستقلال والتقدم كما عبرت عنه إعلانات الأمم المتحدة نهاية الحرب الكونية الثانية. فجميع العهود والمواثيق الكونية هي تعبير عن المبادئ الحرية والسيادة التي ناضلت إليها الشعوب، فتلك الشرائع الأممية أصبحت قواعد ملزمة للدول، كشرط للاعتراف الأممي والقبول الدولي مقاساً بدرجة تحقق الديمقراطية في بنية الدولة وانعكاس مبادئ حقوق الإنسان في التشريعات.     

التشاركية في صنع القرار السياسي والاجتماعي شكل التطور الأهم في بنية الدولة الديمقراطية، فبعد المفهوم الكلاسيكي للدولة كقوة اجتماعية مالكة حق القسر وطلب الطاعة، تطور المفهوم إلى مؤسسة سياسية اجتماعية يتنازل الناس فيها عن حقوقهم الطبيعة من أجل الخير الأوفر والأمن الأشمل للجميع. فالدولة المتمثلة بمؤسساتها الثلاث التشريعية والتنفيذية والقضائية، هي المخولة بحق تنظيم علاقات الأفراد والمجتمع بحسب أنساق دستورية وتشريعية متوافق عليها بصورة عقدية، فمؤسسات الدولة انتظمت من أجل ضمان وصون العيش المشترك في ظل تعدد الإتجاهات السياسية والثقافات للمواطنين. فكفالة الحقوق السياسية والحريات العامة لكافة أفراد ومكونات المجتمع من المواطنين، عاملان مهمان في الممارسة الحرة للحقوق وخاصة تفويض السلطات قوة إدارة الدولة والشأن العام وفقاً للتعاقد المتوافق عليه بالإرادة المشتركة. 

تطور العلاقة التبادلية بين الشعب والسلطة من التبعية المطلقة إلى التشاركية المستقلة بحسب مبدأ فصل سلطات الدولة كمؤسسة سياسية اجتماعية جامعة، مثل المدخل الأهم لدولة المؤسسات والقانون المعادل الموضوعي للدولة المدنية الديمقراطية الحديثة، فالمفهومين يعبران عن مفهوم واحد للجهة الضامنة والممثلة لكافة المكونات المجتمعية والحافظة لمصالح كافة المواطنين. فدولة المؤسسات والقانون كما هو الحال في معادلها الموضوعي الدولة المدنية الديمقراطية الحديثة، فإنهما تنحوان على الدوام إلى تحقيق شروط العدالة المستدامة سياسياً واجتماعياً واقتصادياً، كما تعكسها الأطر المدنية المحددة لمقومات الدولة والمجتمع بحسب العقد الاجتماعي المتوافق عليها بالإرادة المشتركة. فالمبادئ الدستورية المنسجمة مع العهود والمواثيق الأممية كافة، يوجب الإلتزام بتنفيذها في المسارات التشريعية بعيداً عن تفرد سلطة سياسية مهيمنة أو غلبة برلمانية مسيطرة.              

الدولة المدنية الديمقراطية الحديثة، كقوة سياسية اجتماعية الضامنة للمساواة الشاملة بمسطرة المواطنة المتساوية دون تمييز وعلى قدر من التساوي رجالاً ونساءً، تكفل ممارسة كافة الحقوق السياسية وتتيح فرص تقلد مختلف الوظائف وحق التمتع بكافة المنافع وضمانة الأمن للجميع، الجميع مسائلون أمام القانون وفقاً لمحددات الحقوق والواجبات كما تنظمها القوانين. دولة المؤسسات والقانون مرهونة باستحقاقات الإرادة المشتركة وما تمخض عنها من بنى فوقية، فسلطات الدولة المدنية الديمقراطية الحديثة حالة منقطعة عن سلطات الاستبداد بشرية كانت أم دينية، تتأسس بآليات ديمقراطية توافقية دونها تكون السلطات فاقدة المشروعية من حيث التكوين والممارسة. 

دولة المؤسسات والقانون، الوجه الآخر للدولة المدنية الديمقراطية الحديثة، تعمل ضمن إطار فصل السلطات وبقوة التفويض الممنوح للمؤسسات، المخولين بالسلطة لا يتمثلون بإنفراد أي من السلطات أو برجال الجيش أو برجال الدين، فالسلطات تتوزع بصورة متوازنة كوسيلة لحفظ المصالح العامة والتشريع المتوازن للقوانين وضمانة الحكم الرشيد، فتعاون السلطات ضرورة من أجل الصالح العام وإرساء النظام بصون الحقوق والواجبات العامة. عقائد الأفراد والجماعات السياسية كانت أم عقائدية، تظل جزءاً من الوعاء الثقافي للبنى الفوقية للدولة والمجتمع، فمنظومة القوانين لا يجب أن تخل بجوهر الحقوق المنصوص عليها في المبادئ الدستورية كما يجب أن تعكس في تشريعات واضحة والعمل بها بممارسة قضائية مستقلة ونزيهة. حماية الحقوق الأساسية وصيانة الحريات العامة، مبدأين مهمين في إرساء دولة المؤسسات والقانون  كما يلي: استقلال المؤسسات التشريعية والتنفيذية والقضائية كل بحسب وظائفها الدستورية، توازن السلطات وتعاونها نحو تحقيق موضوعية أهداف الدولة، وأخيراً المساءلة والمحاسبة للمؤسستين التشريعية والتنفيذية شعبياً وقضائياً.    

المواطنة المتساوية والحريات العامة، كمبدئين واسعين يشكلان حجري الزاوية في بناء النظام السياسي الاجتماعي للدولة المدنية الديمقراطية الحديثة، فأهم مكونات النظام يرتكز على ضمانة الاختيارات الحرة للشعب صاحب السيادة في تقرير شرعية السلطات وتحديد مسارات الدولة فلا تمييز فيها بسبب الجنس أو الدين أو اللغة أو اللون أو العرق أو الثروة. فقيام الدولة المدنية الديمقراطية الحديثة مرهونة بالتطبيق الشفاف لأبجديات العهود الدولية المعنية بحقوق الإنسان والحريات العامة، وذلك  بترجمة بنود هذين المبدئين في بنية وتشريعات الدولة مدنياً وديمقراطياً بالارتكاز على ما يلي: (أولاً) نظام برلماني ديمقراطي متوازن تكتسب السلطات شرعية أعمالها ببصمة ممثلي الشعب المنتخبين انتخاباً حراً ونزيهاً، (ثانياً) مواطنة بعضوية كاملة ومتساوية دون تمييز في الحقوق والواجبات بسبب الدين أو الطائفة أو الجنس أو اللون أو المستوى الاقتصادي أو الانتماء السياسي أو المعتقد الفكري، (ثالثاً) سيادة القانون العاكس للمبادئ الدستورية والمشرع بنسق تشريعي متوازن، (رابعاً) ضمانة قضاء مستقل وموثوق في التكوين والممارسة. 

 

 

 
 
 
 
 
 

جميع الحقوق محفوظه © 2017
لجمعية العمل الوطني الديمقراطي (وعد)                       " الآراء المنشورة ليست بالضرورة تعبر عن موقف الجمعية "

Website Intro