English

 الكاتب:

عبدالله الحداد

 
 
 

روابط سريعة

الأخبار      |     التقارير      |     المقالات

 
 

الدولة المدنية دولة مجتمع المدني
القسم : سياسي

| |
عبدالله الحداد 2016-11-01 08:32:08


المجتمع المدني من المفاهيم الحديثة إلا أن جذوره الفلسفية عميقة، فقد وجد أرسطو أن الإنسان حيوان سياسي بطبعه.وأنّ الممارسة السياسيّة تعتبر من أهمّ الممارسات البشريّة. وأن الدولة عند الفلاسفة تستمد مشروعيتها من خلال الالتزام بمبادئ العقود المبرمة بين أفراد المجتمع، والتي تهدف إلى تحقيق المصالح العامة المتمثلة - بحسب الفيلسوف سبينوزا - بحماية حقوق الأفراد ككائنات عاقلة، أو تلك المتمثلة - بحسب الفيلسوف هوبز في تحقيق السلام والأمن الاجتماعي. أما هيجل فقد انتقد التصوّر التعاقدي الذي يعتبر الدولة غايةً خارجيّة كالحريّة والسلم والملكيّة، وإنما هي غاية باطنيّة، لأنها تمثل إرادة وروح ووعي أمةٍ من الأمم، وهي تجسيداً للعقل والمطلق. ولا مجال للإطالة عن مفهوم الدولة ولكن المراد هو أن الدولة ليست جهازاً منفصلاً عن الشعب فهي تعزز وجوده مثلما هو كذلك بشرط التناغم والرضى وفسحة المجال للتعبير والنقد عن هموم الشعب والقبول بالتكوينات الاجتماعية التي تتشكل دفاعاً عن مصالحها، وكلما كانت التجمعات المدنية حرة في تشكيل لوائحها والتعبير عن أهدافها بوضوح كلما قويت الدولة وتعمقت جذورها مع الزمن.  

لكن التاريخ حافل بسيطرة الدولة الشمولية، نازية الشكل أو فاشية أو شيوعية أو قبلية أو باسم الدين أياً كان. فتمسكت بكل مفاتيح الاقتصاد والتعليم والفن والحياة الاجتماعية العامة والشخصية وتدخلت في الدين ووظفته لمصالحها وكبتت الحريات ودعت لتبجيل الحاكم باعتباره الأول ولأخير وقمعت من يخرج عن رؤيتها.  فالحاكم ظل الله في الأرض والدولة جهاز في يد الحاكم يقمع به من خرج عن طوعه ويغدق المال لمن بجله وجامله. فكان من الطبيعي لها أن تعادي أي تكون مدني سواء ذات طابع اجتماعي هلامي أو مؤسسي خوفاً من أن ينبت داخله توجه مضاد وبعيد عن الأنظار، أو توافق مضاد للاستبداد والسيطرة، فيكون نواة للمطالبة بالحريات ومن ثم المطالبة بالديموقراطية لعموم الشعب. لذا ليس عجباً إن تغيبت الأحزاب والنقابات والمنظمات العلمية أو حتى الخيرية في مثل هذه الدول أو صارت مجرد تشكيلات خالية من الدسم المفيد.

لكن الأفراد في هذه الدولة لم تستسلم لها وشكلت شيئا فشيئا بشكل جماعات أصبحت ملاذا للمصلحين والثائرين والنقابيين والمثقفين وذوي المهن والمصالح المشتركة. وتلقوا ضربات أموجعة لكن استمر من بقي منهم صامداً يحفر في جدار الدولة السميكة حتى صارت كيانات رسمية معترف بها لإدراك الدولة فائدتها أو لعدم قدرتها على نفيها.  بل باتت لا تكتفي بالانتشار في محيط مجتمعها بل صارت تنظم المؤتمرات الدولية حتى اصحبت قوة دولية غير قابلة على التجاوز كتجمعات حماية البيئة التي تطورت إلى أحزاب سياسية كبيرة يشار لها بالبنان كأحزاب الخضر في أوربا الداعية إلى الربط بين اقتصاديات السوق ورقابة الدولة الصارمة على حماية الطبيعة والبيئة وحماية حقوق العمال وتشجيع الأنشطة الاقتصادية البيئة.

فما هي مؤسسات المجتمع المدني؟ 

إذا كانت الأسرة الأساس الأخلاقي للفرد في الدين، فإن مؤسسات المجتمع المدني هي الأسرة الكبيرة للأساس السياسي للدولة المدنية. فهي أساس العقد الاجتماعي المكون للدولة الذي تناوله كبار فلاسفة العصر الحديث. فمعيار وقياس ديموقراطية الدولة هو الفسحة القانونية والعملية الواسعة لعمل مؤسسات المجتمع المدني. 

هي المؤسسات التي تعمل خارج العمل الرسمي الحكومي، وتعتمد التنظيم الذاتي، عبر لوائح دستورية وتنظيمية يمسطر مسيرتها. وتستمد قوتها من تلاحم أفرادها وفهمهم العلمي وإدراكهم لمحيطهم الاجتماعي. وكلما استطاعت هذه المؤسسات تبني مصالح شريحتها نظرية وتطبيق كلما صعب تجاوزها.

تأتي هذه المؤسسات المدنية على شكل أحزاب سياسية لها أهدافها أو نقابات عمالية تدافع عن مصالح العمال في مواقع العمل أو تدافع عن أقليات عرقية مهمشة أو تدافع عن مصالح مهنية محددة كمهنة الأطباء أو المهندسين أو المحامين أو الاقتصاديين أو الاجتماعيين أو الدفاع عن حرفة أهل الفن والموسيقى أو الرياضة والرياضيين أو عن شريحة علماء في حقل معين وغيرها. وعادة ما يكون نشاطهم في صالح المجتمع ويساهم في تقدمه وبالتالي تقدم الدولة الحضاري وبروزها أمام باقي الدول،

إن مقياس الدولة المدنية عن الدولة الاستبدادية يكمن في دعم هذه التجمعات المؤطرة، بالمال والإمكانيات والقوانين المساندة والإصغاء لانتقاداتها. 

وكلما كان زاد الوعي العلمي للأفراد المشكلين لتلك المؤسسات الأهلية وزاد فهمهم السياسي وفهمهم لمحيطهم الاجتماعي كلما زاد تأثيرهم السياسي في بناء المجتمع وتلحيم الانقسامات المجتمعية الضارة وعززوا مفهوم المواطنة والمساواة أمام القانون.

إن تدخل الدولة في عمل هذه المؤسسات بزرع عناصر داخلها أو بإقالة مجالس إدارتها أو محاسبتهم على قراراتهم الخاصة أو عدم الاهتمام ببحوثهم أو مطالباتهم هل أول مقتل لكياناتها ما يستدعى تكثيف مقاومتهم لهذا التدخل. بينما لو تلقفت كل ما يتمخض عن نشاطهم بالمناقشة وحولته إلى واقع إيجابي ملموس لتحولت إلى دولة ناجحة غير قابلة للهزات الاجتماعية لأنها تمكنت من استيعابها

إن هذه المنظمات المجتمعية مصانع سياسية حميدة تدفع بالمشاركة السياسة الاحترافية المدعومة بالعلم والتجربة وتحيل مفهوم السياسة إلى مفهوم جميل يقبل عليه الأفراد فيساهمون في بناء مجتمعهم عبر مطالبتهم بالحقوق ودفعهم لأداء الواجب، بل هي ورشة تدريب للعضو في كيفية المشاركة السياسية الإيجابية واحترام القوانين وطرق الحوار والمنافسة الحرة وأهمها تعلم العمل المشترك وتقدير عمل المرأة بما يحترم مفهوم الجندرة.  لا جهداً هداماً وذات أجندات خارجية كما يشاع عنها في وسائل الإعلام الموظف.

 

 
 
 
 
 
 

جميع الحقوق محفوظه © 2017
لجمعية العمل الوطني الديمقراطي (وعد)                       " الآراء المنشورة ليست بالضرورة تعبر عن موقف الجمعية "

Website Intro