English

 الكاتب:

كاتب بحريني

 
 
 

روابط سريعة

الأخبار      |     التقارير      |     المقالات

 
 

الدولة المدنية الحديثة... طموح يقبل التحدي!
القسم : سياسي

| |
كاتب بحريني 2016-10-29 16:35:37


 بقلم: عبد النبي سلمان- الأمين العام السابق للمنبر التقدمي

 

طرحت حراكات وثورات الشارع العربي خلال السنوات الست الماضية تحديدا تساؤلات عديدة حول ماهية وصدقيةالدعوات بضرورة قيام الدولة المدنية الديمقراطية الحديثة، باعتبار ذلك طموحا موضوعيا يقبل التحدي والمتابعة على اكثر من صعيد، تطرحه القوى الداعية اليه على اختلاف تلاوينها السياسية والايديولوجية، وعلى الرغم من  كونها دعوات لم تتجاوز بعد الطرح النظري المستند على تنظيراتواجتهادات وتمنيات لا ترقى الى مستوىالايمان الحقيقي لدى بعض مطلقيها، نظرا لأن بعض الأطراف الداعية اليها  لا تؤمن  بذلك فعلا او ربما لأنها لا تعي حقا حجمانعكاساتها المستقبلية على عملها السياسي والحزبي، وبالتالي على  ديمومة بقاؤها كقوى ذات تجارب ومشاريع ظلت لسنوات بل ولعقود تستقطب الجماهير من حولها بفعل دعواتها السابقة والمناقضة تماما لما باتت تطرحه ألآن، وربما ايضا ان بعض تلك القوى قد وجدت فيها مخرجا مرحليا  لابد من تجرع مراراته -ولو مرحليا - للخروج من حالة الاستبداد المتأصلة في محيطنا العربي تحديدا، حيث تتسيد قوى الدكتاتورية والفساد المشهد وتصادر الثروات دون ادنى محاسبة وتغيب المعارضين في غياهب السجون والمعتقلاتوالمنافي القسرية، لتمسك بزمام المشهد جيدا غير مبالية بما  تخلفة ممارساتها المشينة والمتخلفة من آلام وجروح وتشظيات مجتمعية لا طاقة للجماهير والأوطان وقواها السياسية الحية بتحمل تبعاتها اكثر من ذلك، ويزيد من سوداوية المشهد العام،سطوة التعقيدات والتداخلات التي أضحت تدفع نحو ضرورة القبول ربما بحلول توافقية تستدعي من بعض الأطراف ضرورة التسليم بها قبل فوات الأوان، آخذين في الاعتبار تشابك الملفات الاقليمية والدولية وتداخل مصالح القوى المهيمنة محليا واقليما ودوليا، وما سببه ذلك من انتكاسات لبعض القوى ذات الطموح الجامح نحو السلطة واعادة انتاج الهيمنة، علاوة على اختلال التوازنات العالمية المطلوبة، والتي حتمت تراجع تأثير دور  ومساحة المناورة لدى قوى التحرر الوطني لحساب قوى الاستبداد والدكتاتورية على حساب قضاياجوهرية كحقوق الانسان والعدالة الاجتماعية، وحتى يصبح الخروج من مستنقع الـتأزمات ممكنا بعض الشيء.

 

ومما يزيد من تعقيدات مواقف القوى الوطنية عامة، وقوى اليسار تحديدا أن خيارات القبول بالحد الأدنى  من التوافق الوطني هي نفسها محل اختلاف وتباين ايضا فيما بن تلك القوى، فقيام الدولة المدنية يستدعي اول ما يستدعي التوافق حول شكل محدد ومتوافق عليه مجتمعيا من مساحة الديمقراطية المتاحة اولا، وبالتالي نسب المشاركة الشعبية في صياغة القرار،علاوة على تحقيق مستويات مقبولة من العدالة بين مختلف المكونات، نظرا لأن قيام الدولة المدنية ولو في شكلها الجنيني يتطلب تواجد محددات ومعايير لا يمكن التلاعب بها كما تشتهي الأنظمة المهيمنة أو حتى كما تشتهي بعض القوى والأحزابذات السطوة المجتمعية، كل ذلك يتطلب تحولات وتغييرات جوهرية- ولومتدرجة -في مستوى الحريات وثقافة المجتمع، ضمن مساحة يجب ان يقتنع بها ويتقبلها المجتمع والقوى التي تصيغ وعيه وثقافته، التي لم يعد مقبولا بعد كل تلك المخاضات العسيرة والمكلفة ان تظل رهينة قوى معينة او افراد اوجماعات او طوائف او قبائل  او أفخاذ وملل وأعراق متصارعة فيما بينها، تشهد على ذلك طبيعة الارتدادات والفساد والتراجعات التي شهدها الشارع العربي خلال الفترة القليلة الماضية بفعل تأصل روح الاستبداد وعدم اليقين وعدم الثقة واستمرار شهوة الغاء الآخر الذي مارسته قوى سياسية عندما تهيأت لها ظروف وامكانيات الهيمنة في الانتخاباتوممارسة الحكم كما حدث في جمهورية مصر العربية وتونس وقبل ذلك في العراقودول عربية عديدة. 

 

في الدولة المدنية الحديثة المنشودة، تظل الممارسة الديمقراطية باعتبارها وسيلة ونهج يجب ان يسمح بالتراكم النوعيلفرص التنافس الحر الخلاق وروح الابداع والقبول بالآخر المختلف عبر التنافس على قاعد البرامج والحلول التي تطرحها القوى المتنافسة انطلاق من تعزيز مفهوم وروح المواطنة الدستورية والعمل بايجابية نحو بناء الأوطان ورقيها ضمن نسق تصاعدي لا يقبل ابدا العودة والارتداد للوراء بفعل تقلبات الأمزجة او تغير القيادات أو حتى تبدل التحالفات، وانما التفكير بتجرد ومسؤلية وطنية في حاضر ومستقبل الأجيال بعيدا عن اي انانية او طروحات فئوية او حتى ايديولوجية تحددها فقط نسب التمثيل الحزبي ضيقة الأفق في المجالس التمثيلية.

وفي هذا الاطار يمكن للقوى الديمقراطية الحقيقية والقوى المدنية بشكل عام في محيطنا العربي، أن تلعب ادوارا رائدة وبارزة في طبيعة الحراك المطلوب نحو قيام الدولة المدنية الديمقراطية الحديثة لتثبت وفاءها للمبادىء والقيم الديمقراطية التي تربت عليها اجيال متعاقبة كثيرا ما حلمت بوحدة المصير وحتمية الانتصار التاريخي لقوى التنوير والحداثة في سبيل عالم جديد خال من الحروب والفتن والاستبداد والجهل والتخلف.. ذلك هو التحدي الماثل امامنا جميعا.

 
 
 
 
 
 

جميع الحقوق محفوظه © 2017
لجمعية العمل الوطني الديمقراطي (وعد)                       " الآراء المنشورة ليست بالضرورة تعبر عن موقف الجمعية "

Website Intro