English

 الكاتب:

رضي الموسوي

 
 
 

روابط سريعة

الأخبار      |     التقارير      |     المقالات

 
 

نهار آخر | باسقة كنخلة في بيت أم الحصم
القسم : سياسي

| |
رضي الموسوي 2016-10-28 16:52:35




تستحضرين الخطوات الأولى للعمل المضني الذي مضى وأنت تجوبين العواصم. تتهجّين حروفا جمعتك وأناسا يضمون بين أضلعهم بياض القلب الذي يهفو إلى وطن أجمل. طعم المنافي لايزال يقذف مراراته في المدن المسبيّة الممتدة جباناتها على مساحات خارطة الخراب والبيوت المدمرة على ساكنيها. تبعثين شيئا من الحب الموؤود بين أزقتها المحطمة فصارت خيام لاجئين يحتسون "شوربة الحصار" المغمّس بدم ضحاياهم، لكنك تبعثين الدفء في عين طفل يحاول نسيان الموت على مقاعد الدراسة، ومن خلفه صدى صوت يأتي من بعيد "أبجد هوز حطي كلمن / سقطت سايغون رفع العلم"، فتستعيدين وطرا من الزمن الجميل المحرض على كسر الحصار المتناسل في مدن الملح وبين الأضلع المنهكة بثقافات الدم والقتل على الهوية.

 

*** 
"قمت بواجبي". جملة قصيرة اختصرت مسافات اللغة والتفسير. مثلك يقوم بواجبه ولا ينتظر حمدا ولا شكورا. أما أولئك المقتاتون على البروبغندا فليس لهم مكان في قاموسك المهني المليء بحزن الغياب وفي خطوط الموت المتقدمة في اليمن وجيبوتي والبوسنة ولبنان. في عدوان 2006، حيث كنا نترقب رسالتك في "الوقت" على أحر من الجمر، تنقلين يوميات التوحش الصهيوني ونازيته الجديدة طوال 33 يوما من نيران الحقد التي صبّت على البلد الجميل الذي نحب ومن صمود شعب لم يركع لآلة الحرب والدمار. أعدت الوهج لما يفترض ان يكون عليه المراسل الصحفي، وأنت رئيسة تحرير صحيفة فتية وضعت وثلة من الخيّرين خارطة طريقها المفعمة بالمهنية والمصداقية التي خلقت تحديا للصحافة هنا، حيث العلاقات العامة تتمدد كإخطبوط يخنق الحقيقة. أتذكر يوم عودتك، كان زملاؤك الذين بثَثْتِ فيهم حماسا لمشروع واعد،يراقبون السلّم الذي تعتلين بخطوات واثقة من مغادرتك صرح كنت واحدة من أعمدته الرئيسة. كانت ابتسامتك تشيء بشيء من الحزن على مغادرة المكان بسرعة ربما لم يتوقعها الجميع.

 

** 
في اجواء تكريم شجاعة وهبت نفسها من أجل عمل إنساني من نوع آخر، جاء العالم مغتبطا يهنئ بحصول امرأة بحرينية على الجائزة ولكن "ليس بينهم عربي". فالعرب منهمكون بذبح الطريدة في داريا والفوعا وبلدات أمراء الحرب التي شكّلت أحزمة للتقسيم القادم على صهوة جواد قتلة الأطفال والأنبياء. لن يكون العرب في تكريم من اخترقت الحصار وراحت تسجل جرائم الحرب التي ترتكب تحت يافطات ملطخة بالدم المسفوك في أزقة العواصم العربية. عواصم جاء منها أولئك المتسمرون المندهشون لكفاءة خرجت من تحت عباءاتهم المزركشة بحصارات بلدان وبلدات لا يعرف اهلهالماذا سُيّجت مداخلها ولا يعرفون لماذا وقف الجند في وجه أطفالها المتعبين من يوم دراسي طويل يشبه اليوم الدراسي في داريا والفوعا ونبل والزهراء والزبداني.


** 
جائزة الشجاعة الأممية للبحرينية د.خولة مطر. فخر يستحق الاحتفاء أكثر مما يحتفون بهوامش الزبد المنطفئ الذي ينفخون في بالوناته ليصرفوا النظر عن الحقيقة. 
خبر فريد مفرح من بين كومة أخبار الحزن واليأس التي تنتاب الأمة من إحداث ثغرة في جدار الصمت. لم يكن العرب من المهنئين، هذا أمر طبيعي جدا. ولن يكون البعض منهم مسرورا لأن علاقاته العامة لا تتجاوز أرنبة أنفه وقد أستنزفت وهي تعيد صياغة الدعاية التي تسقط أمام أقل اختبار. 


** 
في شارع عبدالعزيز الشملان، أحد قيادات هيئة الاتحاد الوطني في خمسينيات القرن الماضي، يقع جانب من بيت مطر في أم الحصم، وهو محطة استراحة قصيرة الى خولة حين تجيء وتغادر بسرعة لتلتحق بمهمات كبرى. أشجار البيت المعمرة تتمرد على حائطه، تظلل الشارع لعابرين أنهكتهم الرطوبة والشمس الحارقة، وتبعث رسالة محبة، بينما النخلة الباسقة تعانق السماء في ساحة البيت العود وكأنها تحاكي قامة خولة التي لم ينهكها العمل المتواصل ومشاهداتها للدمار الرهيب في كثير من الامكنة المحاصرة والمنكوبة. كانت النخلة تبعث برسالة حب وتقدير إلى تلك التي لم تشأ الحديث كثيرا.

 
** 
علمتنا خولة كيف يكون الإنسان شجاعا متواضعا بدون رتوش حين يقوم بواجبه، فصارت نموذجا يحتدى. 

تحية لك وأنت ترسمين بسمة على شفاه أنهكها الحزن من الحصارات والدمار.

 

 
 
 
 
 
 

جميع الحقوق محفوظه © 2017
لجمعية العمل الوطني الديمقراطي (وعد)                       " الآراء المنشورة ليست بالضرورة تعبر عن موقف الجمعية "

Website Intro