English

 الكاتب:

باسمة القصاب

 
 
 

روابط سريعة

الأخبار      |     التقارير      |     المقالات

 
 

الدولة وامتحان الذاكرة
القسم : سياسي

| |
باسمة القصاب 2016-10-18 00:50:05




 

 

ما الذي تحتاجه الدولة لتكون ديمقراطية؟ أتوقع أنكم تفكرون في تداول السلطة والاحتكام إلى الشعب وتمايز السلطات الثلاث وانفصالها ووجود دستور عقدي وبرلمان كامل الصلاحيات وانتخابات نزيهة وحرة. كل ذلك صحيح، وكل ذلك أيضاً غير صحيح حين ننسى الذاكرة.

 

تتأسس ديمقراطية الدولة على العدل في الذاكرة. الذاكرة بكل ما تحمله من وجوه قاتمة أو مريعة. حين لا تجد الجماعات المختلفة المكان والمكانة لذاكرتها في الدولة، يستحيل أن تتحقق هناك دولة ديمقراطية.

 

لماذا ندخل على الدولة من الذاكرة بالذات؟ لأنه يمكن للدولة أن تتلاعب بالديمقراطية عن طريق إنشاء دساتير شكلية وبرلمانات صورية وانتخابات مزيفة، لكن يصعب عليها إدعاء العدل في الذاكرة، بمعنى لا يمكن أن تدّعي أنها تسمح بشكل عادل لمختلف الذاكرات المغايرة بالسرد والتعبير الحر وتكوين منصات خطاب، من هنا يكون مدخل الذاكرة أكثر إحراجاً لأي دولة تدّعي الديمقراطية.

 

سيكون سؤال الذاكرة المطروح على الدولة: هل مسموح لي كجماعة أن أنشئ خطاباً أو مدوّنات تاريخية تتعارض مع تاريخك الرسمي؟ هل يمكنني أن أصل إلى الأرشيف الذي يجرّم ممارساتك ضدي؟ هل مسموح أن أجعل التاريخ ناطقاً بكل الأصوات كما الانتخابات معبّرة عن كل الأصوات؟ هل مسموح لي أن أتذكّر ما تريدني الدولة أن أنساه؟

 

تلك الأسئلة هي التي تشغل اليوم مواقع الضمير والذاكرة التي تدافع عن الديمقراطية على مستوى العالم. لهذا نجد الدول الديمقراطية وفي طريق إصلاحها وتخطيها للاحتقانات السياسية تبدأ من الاعتراف والمصالحة أولاً، فلا يمكن المضي في أي مشروع إصلاحي من غير فتح ذاكرة الجماعات المحتقنة والمشحونة والغاضبة على الحاضر، والسماح لها بسرد تاريخ اضطهادها ومعاناتها، كما لا يمكن تجاوز هذا التاريخ من غير الاعتراف به من قبل الدولة والاعتذار والتعويض عنه بشكل أو بآخر.  

 

الجماعة التي لا تجد في الدولة إمكانية لسرد ذاكرتها حيث الاضطهاد والإقصاء والإذلال، ستبقى مشحونة بعنف هذه الذاكرة، وبالغضب من إقصاء الدولة لهذا التاريخ وعدم اعترافها به، وستظل بالمقابل، تعيد إنتاج ذاكرتها الجمعية، وتنقلها عبر الأجيال باحتقان أكثر وغضب يتضخمان عبر الزمن بدلاً من أن يتحولا إلى تاريخ.

 

لهذا، فإن افتتاح متحف جديد في واشنطن يعرض تاريخ الأمريكيين السود، يأتي بشكل من الأشكال في إطار الاعتراف بهذه الذاكرة، فهو يروي تاريخ العلاقة المضطربة بين الولايات المتحدة مع مواطنيها السود. المتحف المكون من خمسة طوابق والذي بلغت قيمة بنائه 540 مليون دولار هو أول متحف يسلط الضوء على تاريخ الأمريكيين من أصول أفريقية وثقافتهم، ويعرض ثلاثة آلاف قطعة تعبر عن تاريخ الأمريكيين الأفارقة ابتداء من عصر العبودية من بينها الأصفاد التي كان يقيد بها أطفال العبيد وجزء من الزنزانة الانفرادية التي كان يحبس بها الرقيق مدى الحياة بالإضافة إلى عرض نضال الأميركيين السود للحصول على حريتهم وحقوقهم المدنية، كما يفرد حيزا كبيرا للقس مارتن لوثر كينغ، فضلا عن مقتنيات العديد من المشاهير من الأمريكيين من أصول أفريقية.

 

يأتي افتتاح هذا المتحف في وقت لا يزال فيه التوتر العرقي مضطرباً في أمريكا، لكن الدولة التي  تعترف بتاريخها وأخطائها وتعتذر عنها، لا تخشى الذاكرة، لهذا فهي لا تُنكرها ولا تمحيها من التاريخ، بل تعرضها درساً للتاريخ، وعلامة على تطورها الحضاري والإنساني والديمقراطي ودخولها عهداً جديداً، ولذلك فهي قادرة على تناولها في كتبها ومدوناتها ومتاحفها وأفلامها رغم بشاعتها وقساوتها.

 

لقد مرت البحرين بمراحل كثيرة كانت يمكن أن تمثل عهداً جديداً، مررنا بإصلاحات 1923 ودستور وبرلمان 73، وميثاق 2001، وبرلمان 2002، كلها كانت يمكن أن تمثّل انعطافة تاريخية تخرجنا من ذاكرة التوتر والاضطهاد، إلى مستقبل المصالحة والديمقراطية، لكننا في كل مرة نجد أنفسنا نعود إلى المربع الأول، دائماً يتم العودة إلى نقطة اللا اعتراف، وتعود الذاكرة المقموعة وحدها تعيد إنتاج ذاتها، ويعاد شحنها بالاضطهاد والغضب أكثر وأكثر.

 
 
 
 
 
 

جميع الحقوق محفوظه © 2017
لجمعية العمل الوطني الديمقراطي (وعد)                       " الآراء المنشورة ليست بالضرورة تعبر عن موقف الجمعية "

Website Intro