English

 الكاتب:

رضي الموسوي

 
 
 

روابط سريعة

الأخبار      |     التقارير      |     المقالات

 
 

نهار آخر|النعيمي المبدع في تدوير الزوايا، المبادر لتأسيس وعد (1-2)
القسم : سياسي 2

| |
رضي الموسوي 2016-09-10 01:08:03




كان الجسد المثخن بجراحات تضاريس الزمن والمنفى يرفض ان يكون شاهد زور على حال الأمة وهي تسير إلى  مستنقع الذبح والتطهير والحصار والتمييز في كل شيء وسقوط منظومة القيم ومعها أقنعة كثيرة أرادت إخفاء الحقائق بغربال القبائل والطوائف والمذاهب، فكأنه قرر أن يدخل في تلك الغيبوبة المشئومة قبل تسع سنوات أمضى فيها أربع سنوات ونيف، نائمًا على أسرة مستشفيات المغرب والسعودية والبحرين، ليستقر في منزله بمنطقة قلالي، إحدى قرى جزيرة المحرق البحرينية التي عشقها الراحل عبدالرحمن النعيمي حتى الثمالة، ليرقد بعدها رقدته الأبدية في مقبرة الجزيرة في الأول من سبتمبر 2011، فيأتي صديقه الحميم، عبدالله مطيويع، ويكتب على شاهد قبره "هنا يرقد عبدالرحمن محمد النعيمي"، ويخط على قبر رفيق دربه الشهيد محمد بونفور المسجى قبل ثمانية وثلاثين عاما بيتا من الشعر: "وتظل دربك بالخطى مزحومة / وتظل أنت كهذه الأرض التي في حضنها ارتميت". ومطيويع هو الصديق الحميم والأقرب للمرحوم النعيمي لدرجة وكأني به يتحدث معه، وكأن الأخير ينصت له كما كان يفعل في حياته، يحاوره في الحال الذي وصلنا إليه. مطيويع دائم الزيارة إلى قبر رفيق دربه وصديقه الراحل منذ وفاته، يزرع الشجر حوله وحول قبري رفيقي دربه محمد بونفور ومحمد جابر الصباح ليضلل على الأجساد التي تحت التراب من حرارة الشمس الحارقة والرطوبة القاسية حتى على الاحياء. لا ينسى نثر المشموم على قبور الثلاثة ومعهم المرحومة ليلى فخرو. لكنه، يصفن عند قبر النعيمي ويفرط في حبه كثيرا. لاينسى تذكير أصدقائه بمناقب المسجّى تحت التراب، ونصحه اللحوح بأن يسير الجميع على خطاه..وإلا. ما الذي يجعل رجلًا كهلا يصر على التذكير بإحياء ذكرى ذلك الرجل (النعيمي) الذي كانت عودته للبحرين علامة فارقة في تاريخ الجزيرة؟

 

***

 

لم يُجمِع شعب البحرين على شخصية سياسية معارضة كما فعلوا مع عبدالرحمن النعيمي. صحيح أن البعض أراد النيل منه بعد عودته من الخارج، وحاولوا تسقيطه، لكن الصحيح أيضا أنهم وحين رحل استعادوا ذكراه. فاعتذر بعضهم بطريقته وموقعه في المجتمع وبعض قليل منهم انطلاقا من تمترسه الفئوي الذي ساد الجزيرة وامتد ليشمل الوطن العربي الكبير.

 

كان "الكومبرومايز" ضروريا بين المكونات والقيادة السياسية في البلاد لكي يجسد عصر ما بعد ميثاق العمل الوطني الذي صوت عليه البحرينيون في شبه اجماع. فكان أن أبدع النعيمي ودوّر الزوايا لإنتاج عمل سياسي علني بدلا من العمل السري الذي ساد العقود الطويلة التي مضت. لم يتردد عن إعلان وضع العمل السري الذي انتهجته الجبهة الشعبية منذ تأسيسها في الثلاجة، والبدء في التهيئة لمرحلة جديدة من العمل العلني الذي تتطلبه المرحلة بشدة، في قراءة وتجاوب مع مبادرة قرار العفو الشامل الذي أصدره جلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة قبيل التصويت على الميثاق.

 

 كان النعيمي يبحث في الزوايا المعتمة عن مخرج للجميع، ليس له شخصيا، فقد كان ذلك آخر همه. وليس لتنظيمه الذي تزعمه طوال سنوات الجمر، بل كان يبحث ورفاقه في التنظيم والمعارضة عن مخرج للبلد برمته وبما يليق بوطن عظيم كالبحرين. وقد تمكن، من تأسيس مرحلة جديدة من التسامح والتسامي على الجراح بمعيّة أحبة آخرين أرادوا الوصول إلى نفس الهدف، فكان أن عاشت البلاد عرسا لم تشهده المنطقة العربية حتى أصبحنا موقع حسد وتمني من الآخرين أن تكون بلدانهم كما كانت عليه بلادننا في تلك الفترة. فترة الفرح والابتهاج اجتاحت جزر الأرخبيل ومنها جزيرة سترة التي قرر شبابها رفع سيارة العاهل على الأكتاف لولا تدخل الأمن الخاص حفاظا على سلامتهم. فقد كان يوما استثنائيا في 2001، حين أطلّ جلالة الملك على الجمهور الغفير خارج المكان الذي كان فيه ليرحب بأهالي سترة الذين تساموا على كل الجراحات ولبّوا نداء الوطن الذي كان يبحث من بين الآلام عن خارطة طريق تعبّد الطريق لمرحلة جديدة بانت بعض ملامحها.

 

**

 

قدم عبدالرحمن النعيمي عصارة تجربته السياسية منذ كان كادرا في حركة القوميين العرب في جامعة بيروت الأمريكية، ونشط في البحرين وقاد إقليم الحركة في الخليج أواخر الستينات، واستمر في تلك المواقع القيادية إبان سنوات المنفى التي دامت أكثر من ثلاثة عقود.

 

كانت البلاد مطلع الألفية الثالثة عطشى للمبادرات الخلّاقة ولتدوير الزوايا بحثا عن خرم إبرة للخروج من عنق زجاجة الأزمة التي طالت وضربت الجميع وحان وقت تبريد نارها، حيث الإرهاصات والوجع وآلام المراحل شاخصة أمام الجميع. فكان "التفاهم" يقضي بتأسيس الجمعيات السياسية وفق معادلة دقيقة تراعي المحيط "غير المهيأ" كما الوضع الداخلي الذي خلص من التصويت على تجسيد الملكية الدستورية على واقع الفعل السياسي، فبادر النعيمي ورفاقه في عقد اللقاءات المتواصلة لتأسيس جمعية العمل الوطني الديمقراطي بمعيّة نخبة محترمة من الشخصيات الوطنية والقيادات الحزبية. احتضن النعيمي تلك الشخصيات في منزله بمنطقة عراد، لتتأسس جمعية "وعد"، ويعلن عن مرحلة نضالية جديدة بالانتقال من مرحلة العمل السري بكل جراحاته وآلامه وتضحياته، إلى مرحلة العمل العلني الذي تم تنظيمه رسميا تحت قانون الجمعيات الأهلية، أولا، ومن ثم قانون الجمعيات السياسية في البحرين الذي صدر في عام 2005.

 

كان بمقدور عبدالرحمن النعيمي أن يسلك أقصر الطرق للوصول إلى  قبة المجلس النيابي بترشيح نفسه لانتخابات 2006 في مناطق "تحالفية" لا تحتاج إلى  كل الجهد الذي أنهك جسده المتعب أصلا، لكنه سلك الدروب الأكثر وعورة كعادته منذ كان يافعا وهو مرفوع على الأكف يطوف بالحجيج حول البيت الحرام بمكة المباركة. سلك الطريق الصعب مجسدا للجميع مقولة "إن دروب الحياة حتى السهلة منها وعرة إذا عبرها الإنسان منفردا"، وأصر على تأسيس حالة وعي حضارية تليق بهذا الوطن الجميل في كل المناطق.

 

**

 

في ذكرى رحيله الخامسة، لم ينس مطيويع الإلحاح على محبي عبدالرحمن النعيمي بضرورة إحياء تلك الذكرى بما يليق بقامة باسقة أنجبتها البحرين، وبزيارة قبره وقراءة سورة الفاتحة، فهو يستحق أكثر من ذلك احتفاءً بهذا الرجل الذي قدم كل ما يملك من أجل البحرين وشعبها وطافت روحه كل الارجاء وكانت بوصلته فلسطين عنوان الصراع في المنطقة.

 

في الأول من سبتمبر وجدت نفسي وصاحبي نسير باتجاه السوق المركزي بالمحرق بحثا عن المشموم. شققنا الطرقات صوب البسيتين لننثر المشموم على القبور الطاهرة، عربون المحبة والوفاء للنعيمي ورفاقه. هذا الرجل الذي نذر حياته في خدمة بلاده وأبنائها بمحبة قلّ نظيرها. فقد كان النعيمي يدور زوايا القضايا بحثا عن حلول، من أجل وطن لا يرجف فيه الأمل، فكثر محبوه وأنصاره وزاد احترام الناس له، ليس في البحرين فحسب، بل في الخليج العربي وفي البلدان العربية التي ترك النعيمي بصمته الواضحة بين نخبها السياسية. خمس سنوات على رحيل عبدالرحمن النعيمي، افتقد فيها البحرينيون وأصدقاؤه العرب بدرا في الليلة الظلماء، لكنه أسس ورفاقه صرحا سياسيا عابرا للطوائف، مدافعا عن الوطن وابنائه بغض النظر عن انتماءاتهم الأيدلوجية والفكرية والمذهبية والقبلية..أسسوا تنظيم "وعد" الذي يحتفي اليوم، العاشر من سبتمبر، بمرور خمسة عشر عاما على تأسيسه كأول تنظيم سياسي مصرح به في دول مجلس التعاون الخليجي. ولهذا الصرح وقفة أخرى.  

 
 
 
 
 
 

جميع الحقوق محفوظه © 2017
لجمعية العمل الوطني الديمقراطي (وعد)                       " الآراء المنشورة ليست بالضرورة تعبر عن موقف الجمعية "

Website Intro