English

 الكاتب:

رضي الموسوي

 
 
 

روابط سريعة

الأخبار      |     التقارير      |     المقالات

 
 

الآثار السلبية على السلم الأهلي في إغلاق قرية الدراز
القسم : الأخبار

| |
رضي الموسوي 2016-08-24 23:10:31




 

 

ستة وستون يوماً مضت على إغلاق قرية الدراز، وحصر الدخول إليها على منفذين اثنين فقط من أصل مداخلها الإحدى عشر، ونصب حواجز ونقاط أمنية على المدخلين الوحيدين، الشرقي من جهة قرية باربار والغربي عند مدخل المدينة الشمالية، الأمر الذي تسبب في التضييق على الأهالي القاطنين المنطقة وعلى أهاليهم الممنوعين من دخول القرية، فضلاً عن الخسائر الكبيرة التي تتكبدها المحال التجارية بسبب هذا الإغلاق وتعطيل مصالح المواطنين، بمن فيهم الموظفين والطلبة والمرضى الذي يتعطلون في الطرقات، ومنع دخول من لا يقطنون القرية لزيارة أهاليهم هناك، وحتى في حالات الزواج والوفاة، حيث اضطر بعض الأهالي إقامة أعراسهم خارج القرية لتفادي عمليات التضييق التي يعاني منها الناس عند الحواجز الأمنية.

 

لاشك أن ما يجري من إغلاق لقرية الدراز يعتبر مخالفة واضحة لدستور مملكة البحرين ولميثاق العمل الوطني وكل المواثيق الدولية ذات الصلة بحرية التنقل والاتصال والتواصل بين أبناء البلد الواحد، وتزيد من معاناة الأهالي بسبب طوابير الانتظار الطويلة للداخلين، حيث يجبر الجميع على الوقوف صفوفاً بانتظار السماح لهم بالدخول في هذه الأجواء الحارة والرطبة المؤدية، ما يعتبر هذه الإجراءات تطوراً سلبياً جديداً يضر بمصالح المواطنين في هذه المنطقة.

 

لكن هذا التطور السلبي جاء بعد أيام من إجراء آخر هو القرار الذي صدر في منتصف يونيو 2016 بصفة مستعجلة والقاضي بإغلاق جمعية الوفاق وتشميع مقارها بعد ساعات قليلة من قرار المحكمة الادارية التي قضت بذلك، وهو قرار اعتبرته جمعية وعد وجمعيات التيار الوطني الديمقراطي قراراً صادماً وتقويضا للعمل السياسي في البحرين ودعت إلى إعادة النظر فيه والتوقف عنه باعتباره خطوة زادت من حالة الاحتقان السياسي في البلاد، خصوصاً بعد شكوى محامي الدفاع من عدم تمكنه القيام بمهامه كما ينبغي. كما يأتي قرار إغلاق الدراز أثر قرار إسقاط الجنسية عن الشيخ عيسى قاسم، الذي يقطن في نفس المنطقة، واعتصام الأهالي أمام منزله. وقد ترافق كل ذلك مع منع الناشطين وخصوصاً الحقوقيين منهم من مغادرة البلاد، حيث كان يعتزم بعضهم حضور الدورة الاعتيادية لمجلس حقوق الإنسان العالمي في جنيف. إن هذه الإجراءات تعقد المشهد السياسي والحقوقي في البحرين، وتتسبب في تعطيل عملية الإصلاح السياسي والاقتصادي التي تحتاجها بلادنا الآن أكثر من أي وقت مضى، في ظل التجاذبات الحاصلة على المستوى الإقليمي، حيث اشتداد الاحترابات وتصاعد منسوب العنف وتأزم الأوضاع على كل الجبهات العراقية والسورية واليمنية، إضافة إلى التهديدات الأمنية التي يشكلها تنظيم داعش بتنفيذه عمليات تفجير في دور العبادة ومراكز الشرطة وتهديد المواطنين في بلدان مجلس التعاون، فيما تدفع دول المنطقة وأبناؤها أثماناً عالية بما فيها الخسائر الاقتصادية والمالية وانعكاس ذلك على الحياة المعيشية التي بدأت تحفر عميقاً ضد مصالحهم.

 

تعتبر الدراز من أكبر قرى البحرين، ويقطنها أكثر من 15 ألف نسمة. وهي قرية ضاربة في الجذور، ويرجع تأسيسها إلى القرن السادس عشر الميلادي وفق بعض المصادر التاريخية، بينما تذهب مصادر أخرى للقول أنها تأسست في بداية القرن الرابع عشر. تشاطئ القرية البحر من الشمال ويحدها من الغرب قرية البديع، ويفصل الكتل السكانية مركز التجارب بالبديع، ومن الجنوب تحدها قرية بني جمرة ويفصل شارع البديع الرئيسي بين القريتين، بينما يحدها من الشرق قرية باربار. وتتموضع فيها بعض الآثار مثل عين أم السجور.

 

عرف أهل الدراز بركوب البحر والزراعة منذ القدم، وبعد اكتشاف النفط التحق العديد من أبنائها للعمل في شركة النفط بابكو. وقد تخرج من أبناء القرية على مدار عقود من الزمن كوادر وطنية مؤهلة في الطب والهندسة والعلوم والإعلام والتجارة وغيرها من العلوم الإنسانية، وقد ساهموا بفعالية في عملية التنمية وفي خدمة وطنهم البحرين.

 

اليوم، وحيث تغلق قرية الدراز وتعزل عن باقي المناطق، نستذكر كتب التاريخ التي أشارت إلى أن اللهجة التي تميزت بها هذه القرية عن باقي القرى القريبة هي بسبب العزلة الاجتماعية، لكن الوقت الحالي لا مجال فيه لمثل هذه العزلة التي سطرتها كتب التاريخ، إلا بوقف كل مظاهر المدنية والتطور الحديث، ومنها شبكة الانترنت التي يتم تبطئتها إلى مستويات تحرم مستخدمي الشبكة من الاستفادة من خدماتها، بما فيها الدفع الآلي في المحلات التجارية.

 

إن الحالة التي تعيشها الدراز تشكل قلقاً كبيراً لدى الأهالي ولدى المواطنين في مختلف المناطق وكذلك المنظمات الحقوقية المحلية والدولية والمجتمع السياسي، وهي حالة تتعارض مع الحق الدستوري والقانوني والمواثيق الدولية ذات الصلة، حيث تنص المادة 19 (ب) من الدستور البحريني على أنه "لا يجوز القبض على إنسان أو توقيفه أو حبسه أو تفتيشه أو تحديد إقامته أو تقييد حريته في الإقامة أو التنقل إلا وفق أحكام القانون وبرقابة القضاء"، بينما تنص المادة الثالثة عشر في فقرتها الأولى من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان على الذي صادقت عليه الحكومة البحرينية، على "لكل فرد حرية التنقل واختيار محل إقامته داخل حدود كل دولة". والحالة التي يعاني منها أهالي الدراز تحاكي واقع الحال في العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية، حيث تنص المادة الثانية عشر في فقرتها الأولى على "1. لكل فرد يوجد على نحو قانوني داخل إقليم دولة ما حق حرية التنقل فيه وحرية اختيار مكان إقامته. أن الإجراءات التي يتعرض لها أهالي الدراز تتعارض مع هذه المادة من العهد الذي وقعت عليه حكومة البحرين.

 

 

كيف يؤثر إغلاق الدراز على الاستقرار الاجتماعي والسلم الأهلي؟

 

إن محاولات تغيير الواقع الراهن وتصوير الأزمة بأنها صراع طائفي ومذهبي وحصره في قرية واحدة يتم إغلاقها، يشكل خللاً كبيراً على أمن واستقرار البلاد وسلمها الأهلي، وليس على القرية فحسب. فالأزمة في حقيقتها سياسية بامتياز وليست طائفية أو مذهبية، وقد تفاقمت نتيجة لعدم إيجاد الحلول الدائمة لمشاكلها المتعددة بما فيها الأزمات الاقتصادية والمعيشية، إذ يعاني المواطن في مختلف المناطق من نتائج هذه السياسات. كما أن مسألة طبيعة الدولة يجب أن تكون واضحة وجلية لدى الجميع. فنحن نؤمن إيماناً قاطعاً بالدولة المدنية الديمقراطية الحديثة التي تحترم حقوق الإنسان بغض النظر عن انتماءه السياسي أو الديني أو القبلي أو المذهبي، ونؤمن بحرية المواطن في التعبير عن آراءه بكل سلمية وحضارية، وبالديمقراطية نهجاً لإدارة الدولة، وبالمواطنة المتساوية، وبنبذ التمييز بجميع أشكاله وصوره. ولا مكان للدولة الدينية أو القبلية في مفهومنا للمدنية الحديثة، فنحن نرفض قيام الدولة على أسس لا تقوم على مدنية الدولة والتعددية السياسية، كما نرفض استهداف أي مكون من مكوناتها بغض النظر عن حجمه وانتماءه، ذلك أن الدولة المدنية التي نبشر بها هي دولة جامعة لكل أبنائها وأساسها المواطنة المتساوية.

 

أن السلم الأهلي في أي دولة والذي نستهدفه هو اعتبار ظاهرة التعددية الدينية والمذهبية والأثنية من عناصر القوة وليست عنصر ضعف للدولة، فلم تعد هناك مجتمعات خالصة تضم أهل دين أو مذهب معين، أو عرق معين أو لغة معينة، مثلما تؤكد التجارب التاريخية والحالة القائمة في اغلب المجتمعات. لقد تحولت التعددية إلى قيمة أساسية في المجتمعات المتنوعة، بشرياً ودينياً وثقافياً. والتعددية في حد ذاتها تعني ظاهرة اجتماعية حضارية، لكن الأمر يتوقف على طبيعة إدارة التعددية. فثمة "إدارة سلمية، تحفظ للجماعات المتنوعة مساحة للتعبير عن تنوعها في ظل الاحترام المتبادل، وهناك تعددية سلبية تقوم على اعتبار التنوع "مصدر ضعف" يترتب عليه نفي الآخر المختلف، لصالح الجماعات الأكبر عدداً، أو الأكثر سلطة، أو الأوسع ثراء ونفوذاً، ويؤدي ذلك إلى احتقانات أوصلت بعض المجتمعات إلى احترابات داخلية بين هذه الجماعات، كما هو حال العراق مثلاً. هذه الاحترابات خلفت وتخلف وراءها قتلي وجرحي وخراب اقتصادي والأكثر خطورة ذاكرة تاريخية تتناقلها الأجيال محملة بمشاعر الحقد، وذكريات الكراهية، والرغبة في الانتقام، وفق أدبيات عدة.

 

ثمة مقومات ينبغي أن تكون متوفرة وراسخة في الواقع المعاش لتحقيق الاستقرار والسلم. وإن إغلاق الدراز ومنع المواطنين من خارجها من الدخول إليها ونصب الحواجز الأمنية وتسييجها، لا يخدم السلم الأهلي ولا الاستقرار الاجتماعي الذي ننشده، بل يشكل عراقيل أمامه. إننا نفهم أن التنمية المتوازية والعادلة هي التي تؤسس للاستقرار، وأن العدالة الاجتماعية هي المرتكز الرئيسي لحالة السلم الأهلي. وأن هذين العنصرين من أهم العناصر التي تدفع بعجلة الإصلاح الشامل نحو آفاق تضع بلادنا على طريق التطور والنماء. وكل ذلك يجيئ عبر الحوار الجامع بين أطراف المعادلة السياسية ومكونات المجتمع، ليس بناءً على انتماءاتهم الطائفية والمذهبية، بل بناءً على آرائهم السياسية. فقد تأكد من خلال التجارب الإقليمية التي تمر بها المنطقة، أن المحاصصات الطائفية والمذهبية تشكل أضراراً مضاعفة على حالة السلم الأهلي والاستقرار الاجتماعي، وأن الطريق الانجع هو في الحوار ومعالجة الأزمة السياسية وليس الهروب منها بمعالجات لا تمت لعناصر الأزمة بصلة.

هناك عنصراً رئيسياً للسلم الأهلي ألا وهو الإعلام. فالمجتمع التعددي يحتاج إلى إعلام تعددي مهني يتفهم متطلبات المرحلة من حيث الدفع بوحدة المجتمع، لا تفريقه على الأسس التي اشرنا لها. إعلام لا يمارس عمليات تسقيط بحق الآخر المختلف عنه سياسياً أو مذهبياً. إعلام يحاكي مفهوم المواطنة المتساوية، ويكشف مكامن الخلل في عمل مختلف الأجهزة والمؤسسات من أجل النهوض بالمجتمع والإسهام في السلم الأهلي، وليس إعلاماً يمارس التحريض وبث الكراهية. نحتاج إلى إعلام المواطنة الذي تجد فيه كل المكونات مساحات الحرية المسئولة التي لا تتعدى على غيرها من المكونات والأيدولوجيات، بل تبرز حالة الوئام الحقيقية في التنوع المجتمعي وقيمه المضافة. هذا الإعلام هو وحده القادر على إبراز هموم الفقراء والعمال والمرأة والشباب، أي أنه إعلام يتيح لكل فئات المجتمع مساحة للتعبير عن قضاياها. نحن بحاجة إلى إعلام يوظف لخدمة المجتمع وتنميته ويعزز قيم الديمقراطية فيه، لا إلى إعلام يتم توظيفه كأداة في الصراع السياسي والتحريض المذهبي وبث الكراهية وتأليب فئة على فئة في المجتمع. فهذا الإعلام مدمر للمجتمع والدولة والحكومة معاً. نحن بحاجة لإعلام يعلي قيم التسامح والتعايش والقبول بالآخر.

 

اسمحوا لي هنا، أن نجدد دعوتنا لجلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة التدخل لوقف الإجراءات التي قادت إلى إغلاق قرية الدراز، وإشاعة الإنفراج الأمني والسياسي في البلاد، بما يدفع بحالة التسامح إلى مستويات من شانها خدمة بلادنا وتفعيل مقومات بناء الملكية الدستورية على غرار الديمقراطيات العريقة التي بشر بها ميثاق العمل الوطني. كما ندعو وزارة العدل والشئون الإسلامية والأوقاف باعتبارها الجهة الحكومية المسئولة عن تطبيق قانون الجمعيات السياسية، أن تعيد النظر في إجراءاتها وأن تنظر للعمل السياسي في البحرين على أنه قيمة مضافة للنظام السياسي، وليس عنصراً معرقلاً للتطور.

 

إننا ندعو إلى وقف الإجراءات المتخذة بحق أهالي الدراز، باعتبارهم مواطنين ينبغي احترامهم ومنحهم حقوقهم الدستورية والقانونية وتلك التي جاءت بها الشرعة الدولية، وذلك بما يسهم في الاستقرار الاجتماعي والسلم الأهلي الذي ننشده جميعاً لبلادنا البحرين. إن أهالي الدراز هم أهلنا، يتمسكون بعزتهم وكرامتهم التي هي من عزة الوطن. وهم يستحقون كامل حقوقهم دون انتقاص. وحيث نقبل على عام دراسي جديد، فإن المطلوب فتح كل المنافذ التي تم إغلاقها لانسياب حركة السير وتسهيل حركة الطلبة والمدرسين للدخول والخروج من القرية. وهذا حق آخر كفله الدستور والميثاق وكافة المواثيق الدولية.

 

قبل أن أختم، أشير إلى أنني أنتمي أصلاً لقرية الدراز، ولدت فيها وترعرعت في أزقتها وبين أهلها الطيبين، ولأن سكني الحالي خارجها، فقد منعت من دخولها منذ عيد الفطر المبارك. كل أهلي هناك، لكنني ممنوع من الوصول إليهم. وحين تحاول استمالة أحدهم بالقول له: أريد زيارة أمي الكبيرة في السن، يعاجلك بالرد المعهود: ممنوع من الدخول فلست من سكنة الدراز... "كوع" وأرجع من حيث اتيت.

انتهى

 
 
 
 
 
 

جميع الحقوق محفوظه © 2017
لجمعية العمل الوطني الديمقراطي (وعد)                       " الآراء المنشورة ليست بالضرورة تعبر عن موقف الجمعية "

Website Intro