English

 الكاتب:

رضي الموسوي

 
 
 

روابط سريعة

الأخبار      |     التقارير      |     المقالات

 
 

نهار آخر | عن العشق والهيام في التطبيع مع الكيان
القسم : سياسي

| |
رضي الموسوي 2016-07-29 14:14:35




لم تعد عملية التطبيع مع الكيان الصهيوني تتم في الخفاء أو بعيدا عن الانظار، كأن تعقد اجتماعات في إحد الفنادق الاوروبية أو الأمريكية، أو يتم لقاء "الصدفة" في احد المؤتمرات الدولية التي يشارك فيها طرفا "العشق التطبيعي"، فيتبادلان السلامات والأحاديث "الودية" ويتم الاتفاق على ضرورة اللقاءات المستقبلية لتعميق العلاقات والبحث في مستقبل المنطقة، بعد ان تم تدوير زوايا الخصوم والأعداء والأصدقاء معا، واستشرت في المنطقة فوضى دموية "خلاقة" لاتزال تأكل الاخضر واليابس، ليأتي تنظيم داعش فيتتمدد بفعل متعمد يراد منه انهاك بلداننا بكل ما هو مقيت وقذر يتم استحضاره من تاريخ ملطخ بالدم ليقبع على صدر الأمة الثكلى بمصائب منذ عقود طويلة تضاعفت في السنوات الخمس الاخيرة.

بدأت الهرولة للتطبيع مع الكيان الصهيوني بشكل علني صارخ بعد مفاوضات الكيلو 101 بين الكيان الصهيوني والنظام المصري بعد حرب اكتوبر 1973، توجت بالزيارة التاريخية التي قام بها الرئيس المصري انور السادات للقدس المحتلة والتي القى في الكنيست خطابه الشهير، وكانت المقدمة الاولى لعملية اغتياله على يد خالد الاسلامبولي بالاشتراك مع عبود الزمر ومحمد عبد السلام فرج. لم تكن الجامعة العربية، التي لاتزال حينها تشكل أملا لوحدة الأمة، في حال يمكنها من اتخاذ خطوات تجاه هذا التطبيع، الا ان ردة الفعل الرسمية العربية في قرارها الاول تمثلت في نقل مقر الجامعة الى تونس. الخطوة الثانية باتجاه التطبيع حدثت في مؤتمر مدريد الذي عقد في العام 1991م بعيد اجتياح الجيش العراقي للكويت ومن ثم طرده منها من قبل التحالف الدولي الذي قادته الولايات المتحدة الأمريكية. كان المشهد واضحا ان العرب ذهبوا الى مؤتمر مدريد وفق شروط غيرهم، الذي أسس للمفاوضات الثنائية بين الكيان وبين الدول العربية، واسفر عن التوقيع على اتفاق أوسلو بين الكيان وبين السلطة الفلسطينية، واتفاق وادي عربه مع الاردن. في ذلك المؤتمر أصل الكيان الصهيوني لفكرة الشرق الاوسط الجديد وأطلق رئيس الوزراء الاسبق شيمون بيريز كتابه الذي يحمل نفس الاسم، شرح فيه كيف تكون تل ابيب قبلة ومركزا رئيسيا في المنطقة، اقتصاديا وماليا وسياسيا، بينما تتشكل اطراف هذا المركز من الدول العربية التي مهمتها تقديم الخدمات للمركز وتدور في فلكه.

بعد ربع قرن على مؤتمر مدريد، تراجع الاهتمام بالقضية الفلسطينية ولم تعد هي القضية المركزية بالنسبة لكثير من الانظمة العربية، وذلك بعد أن تشظى الموقف العربي نحو القضايا الفرعية، كما تراجع دور الجامعة العربية الى مستويات دنيا لم تعد معها قادرة على انتشال حالها من المستنقع الذي وجدت نفسها فيه، في وقت تشهد فيه بلدانا عربية احترابات داخلية سفكت فيها انهار من الدماء وتورطت في بعض قضاياها انظمة عربية، فاختلط "الحابل بالنابل"، وزادت دعوات الخلاص الفردي بدلا من ان تتوحد جهود الأمة في استثمار طاقاتها ومقدراتها لمواجهة تحديات العصر المتسمة بالتكتلات الاقتصادية والسياسية الكبيرة.

في ظل الضعف العربي الكبير، والنزيف الذي لم يتوقف، اطل الكيان الصهيوني مروجا لمرحلة جديدة من التطبيع تتجاوز اجتماعات الغرف المغلقة والزيارات السرية وتهريب السلع عبر المناطق الحرة، الى الدعوات العلنية لإقامة العلاقات الدبلوماسية الكاملة بين المركز الذي افترضه شيمون بيريز عام 1993 وبين الكيانات العربية الضعيفة التي لا حول لها ولا قوة. عودة هذه الدعوات وبقوة في الوقت الراهن تؤشر الى ان الوضع العربي بلغ من الوهن مالم لم يمنح النظام الرسمي العربي وقتا اكثر من يوم واحد لقمة نواكشوط في موريتانيا التي عقدت قبل ايام. لقد وجد العرب ان ليس هناك قضايا مشتركة يمكن الحوار فيها مادامت عملية التشظي والتشطير والاحتراب قائمة على قدم وساق. هذا الواقع أكثر ما يخدم الكيان الذي يقاتل من اجل الاعتراف بالدولة العبرية الخالصة، ليبدأ بعدها عملية الترانسفير الكبرى لعرب الثمانية والأربعين.

انه عصر الانهيار والهويات الفرعية الذي يشجع كيان غاصب على تنفيذ مخططاته مستمرا في الخروج على القانون الدولي، فتراه يمارس عمليات قتل الشباب الفلسطيني بدم بارد، ويهدم المنازل على رؤوس اهلهل ويقتلع الاشجار وهو مطمئن ان لا ردة فعل عليها العمد يمكن ان توقفه عن قضم المزيد من الاراضي الفلسطينية، ليس في اراضي الثمانية والأربعين التي اصبحت خبرا منسيا في القاموس العربي، بل حتى اراضي السبعة والستين، التي تعترف بها الامم المتحدة وفق القرار 242، لم تعد قيد البحث بالنسبة لقادة الكيان او تثير اهتماما امميا يعيد الاعتبار لقرارات الامم المتحدة. فثمة جدار فصل عنصري يجرى الانتهاء منه، يتزامن معه ويعقبه تهويد ما تبقى من مدينة القدس التي اعتبرها الكيان عاصمته الابدية ويرفض الحديث حتى عن تقسيمها، مصمما على استمرار قبضته عليها وعلى مبانيها التي تعبق بتاريخ فلسطيني عريق، فضلا عن شغله الشاغل لهدم المسجد الاقصى بتدمير اساساته بشتى الطرق، في الوقت الذي يقوم المستوطنون بهجماتهم على المسجد بذريعة الصلاة عند الهيكل المزعوم.

بالنسبة للكيان، هذا هو الوقت الامثل للتطبيع الكامل، حيث الانهيار شامل، وإشاحة الوجه عن القضية المركزية للأمة ايضا يكاد ان يكون شاملا، بينما ينخر الضعف الجسد العربي من رأسه الى اخمص قدميه. في ظل هذا الوضع تجد تل ابيب عشاق يحجون لها ويهرولون لتعبيد طريق التطبيع الكامل ليأخذوا جوائز السبق. فقد بلغ الانحطاط أوجه، وبلغ الرفض العربي الحضيض، بينما يقدم الشعب الفلسطيني قرابين الشهداء دفاعا عما تبقى من شرف لهذه الأمة لم يتلوث بسبب احتراب الإخوة ولا يتردد ابدا في خوض معارك الامعاء الخاوية من أجل هذا الشرف!!

  

 

 

 
 
 
 
 
 

جميع الحقوق محفوظه © 2017
لجمعية العمل الوطني الديمقراطي (وعد)                       " الآراء المنشورة ليست بالضرورة تعبر عن موقف الجمعية "

Website Intro