English

 الكاتب:

رضي الموسوي

 
 
 

روابط سريعة

الأخبار      |     التقارير      |     المقالات

 
 

نهار آخر | دروس من الانقلاب الفاشل في تركيا
القسم : سياسي

| |
رضي الموسوي 2016-07-27 15:53:39




عن "الحمورية" في قصص عزيز نسين ومحاولة انقلاب عسكر تركيا (6)

 

قبل ثلاث سنوات، كنت اسير باتجاه احدى المقاهي المصطفة في ساحة تقسيم باسطنبول، حين اصطدم بي احد المارة الاتراك واعتذر عن فعلته، لكنه واصل السير الى جانبي وسألني إن اردت الذهاب الى ملهى ليلي قريب يقدم خدماته المميزة. اعتذرت له عن الذهاب للمكان الذي اقترحه، وعاجلته بسؤال في موقع آخر: لمن صوت في الانتخابات الأخيرة؟ اجاب على الفور: 

-لحزب العدالة والتنمية طبعا.

-كيف تصوت لحزب اسلامي وتدعوني لملهى؟

-لكنه نقل تركيا من حال الى حال..كنت عاطلا عن العمل قبل مجيء هذا الحزب للحكم، وبعد فوزه في الانتخابات بسنوات قليلة توفرت آلاف فرص العمل الجديدة، وساد الاستقرار سعر صرف الليرة، وكذلك استقر تشكيل الحكومات التي كانت تنهار سريعا بعد تشكيلها بسبب الخلافات المحتدمة بين الاحزاب التقليدية التي كانت تتناوب على حكم تركيا وتعاني من استشراء الفساد داخلها كأمتداد لحالة الفساد في البلد.

-وهل تريد دولة دينية في تركيا؟

-بالطبع لا. فبلد مثل تركيا لا يصلح لها الدولة الدينية، حيث أن موقع تركيا الجغرافي يؤهلها لأن تلعب دورا اكبر من تصدير الايدولوجيا الدينية التي كانت سائدة ابان الدولة العثمانية. نحن نريد ان نكون نموذجا يحتذى في السياحة والتجارة والاقتصاد وزيادة الدخل القومي والناتج المحلي...نريد الاستقرار والحياة الكريمة.

فاجئني صديق الصدفة هذا بأجوبته. وسألته: ماذا تعمل؟ قال في احد المحلات التجارية الكبرى الواقعة في المجمع التابع للفندق الذي تقطنه انت، وقد لاحظتك تخرج من الفندق ساعة انتهاء دوامي الرسمي، حيث اجوب ساحة تقسيم لبضع ساعات اروج للأمكنة المحتمل ان يكون السائح راغبا في الذهاب اليها واحصل على "كوميشن" مقابل ذلك. سألته: ألا يكفيك راتبك؟

اجاب يكفي لو انني لم اشتري سكن وأحضر نفسي للزواج..هذا يحتاج الى المزيد من الاموال التي لايمكن توفيرها فقط من راتب واحد.

هذا الحوار السريع، تم في الشارع، وبعد يوم من لقاء زعيم حزب الشعب الجمهوري السيد كمال أوغلو الذي تطرق لموجات من الاعتقالات التي طالت المئات من النشطاء الحقوقيين والسياسيين والإعلاميين وطلبة الجامعات المعارضين لحزب العدالة والتنمية. كان زعيم المعارضة يتحدث حينها عن مستقبل تركيا في ظل توغل الاسلام السياسي، وقد ابدى تخوفه من الاستبداد الديني الذي قد ينزلق له حزب العدالة والتنمية ليعم الاستبداد الذي يعرفه الشرق.

** 

الحقيقة التي لا تقبل الجدال هي ان الاغلبية الساحقة من الشعب التركي وقواه السياسية، رفضت محاولة الانقلاب الفاشلة، ووقفت الى جانب الشرعية الدستورية، ممثلة في حزب العدالة والتنمية، التي جلبتها صناديق الاقتراع في انتخابات حرة نزيهة. الاضافة هنا ان الشعب التركي وجد في هذا الحزب الذي كسر التابو السياسي منذ المحاولات الاولى في العام 1996، عندما كان نجم الدين اربكان رئيسا له، واتفق مع رئيسة حزب الطريق القويم تانسو تشيلر على تقاسم رئاسة الوزراء في الدورة الانتخابية، وذلك بعد فشل الاحزاب التقليدية في تشكيل حكومة نظرالخلافاتها، مما اجبر الرئيس حينها على تكليف حزب الرفاه وفق المدة الدستورية المطلوبة، وهو الأمر الذي نجح فيه اربكان بالتحالف تشيلر.

كانت سمعة الحزب تسبق الناخبين الذين ادلوا بأصواتهم في صناديق اقتراع تلك الانتخابات، وتعمق فهم الناس عندما تحسنت الحياة المعيشية للمواطنين بعد ان تسلم حزب العدالة والتنمية الحكومة وشكلها لوحده بعد فوزه بأغلبية مطلقة في انتخابات العام 2002م. لقد دافع الاتراك عن مصالحهم وحقوقهم المكتسبة برفضهم محاولة الانقلاب، ولبوا نداء الرئيس رجب طيب اردوغان ونزلوا الشوارع لقطع الطريق على الجنرالات وجنودهم الذين ارادوا الانقلاب على الشرعية الدستورية، وكذلك ليقفوا ضد الاستبداد والتفرد في الحكم. 

الدرس الاول الذي افرزته محاولة الانقلاب الفاشلة هو الرفض الشعبي لهذا الانقلاب. رفض مبني على التمسك بالعملية الانتخابية والتعددية السياسية والتداول السلمي للسلطة وفق ما تقتضيه القوانين المتوافق عليها بين كافة الاطراف السياسية. صحيح ان حزب العدالة انجرف في السنوات الاخيرة نحو مسارات افقدته عمقه وثقلهالاستراتيجي بعد التدخل في سوريا من خلال تسهيل عمليات انتقال مقاتلي الجماعات المسلحة والسماح للمسلحين من مختلف انحاء العالم دخول سوريا عبر الاراضي التركية، وكذلك الدخول على خط الازمة العراقية عبر عقود النفط المشبوهة وإرسال جزء من الجيش التركي لم توافق عليه الحكومة المركزية في بغداد التي طلبت من حكومة انقرة اخراج قواتها من العراق إلا ان الجانب التركي رفض هذا الامر. لكن هذا الانجراف وإن افقد العدالة والتنمية الاغلبية المطلقة في انتخابات يونيو 2015، إلانه استعادها في الانتخابات المبكرة في نوفمبر من نفس العام وشكل الحكومة بمفرده، ما يعني ان ورقة اقتراع الناخب التركي لا تزال تصب في حصالة حزب العدالة، وان الناخب لايزال يثق في الحزب الحاكم رغم الاخطاء التي ارتكبها، ربما ليمنحه فرصة تصحيح علاقاته الخارجية وما فعلته في الوضع الداخلي.

الدرس الثاني هو استحضار الشعب التركي الحالة المعيشية التي كان يعاني منها قبيل وصول حزب العدالة والتنمية للحكم. فقد كانت الازمات المعيشية تتناسل كالفطر بسبب تدهور الاقتصاد وتفاقم التضخم الى مستويات غير مسبوقة فقدت فيها الليرة التركية الجزء الاكبر من سعر صرفها، حتى اجبرت السلطات النقدية شطب ستةاصفار منها، وإعادة هيكلة سعر صرفها بما يتماشى مع الوضع الاقتصادي والمالي الجديد. وضع الخطط الاقتصادية والاجتماعية قاد الى تقليص نسب البطالة والتضخم الى مستويات مقبولة، فضلا عن تقليص نسبة الفقر والمرض ومكافحة الفساد المالي والإداري، حيث جاء حزب العدالة والتنمية للسلطة وهو يعرف ان تركيا بلد الانقلابات العسكرية والتصفيات الجسدية والمشاكل العرقية، وأراد من عملية التحديث السياسي الاستناد على قاعدة شعبية تحميه من غلاة الجنرالات في الجيش الذي يمارس دور حارس المعبد العلماني على الطريقة الاتاتوركية.

الدرس الثالث الذي يمكن استخلاصه من محاولة الانقلاب الفاشلة ونجاح الرئيس اردوغان في خلق حالة متقدمة من التضامن معه ومع حزبه، هو وجود استراتيجيات وخطط عمل لا تقتصر على المدن الكبرى كما هو الحال في البلدان العربية، إن وجدت، بل تمتد الى الارياف التي ينهل منها حزب العدالة انصاره وأوراق صناديق الاقتراع التي تختار مترشحيه. ثمة معايير تقيس مدى النجاح والفشل، وثمة خبراء اتراك وليسوا اجانب، هم من وضع هذه الإستراتيجيات، وآخرون اتراك ايضا يقيسون ويقيمون نسبة نجاحها، ولا يترددون في مراجعة هذه السياسات والاستراتيجيات إن وجدوا فيها اخطاء. هذه السياسة نظر لها مؤسس الاسلام السياسي نجم الدين اربكان، وربى عليها جيلا من طراز اردوغان واوغلو، وحتى فتح الله غولن المتهم بمحاولة الانقلاب الفاشلة.

صحيح أن حزب العدالة والتنمية شكل له امبراطورية اعلامية وشبكة علاقات عامة مترامية الأطراف، لكنها امبراطورية تترجم الاستراتيجية التي وضعها الحزب منذ كان يسعى للحصول على رئاسة بلديات اسطنبول وبعض المدن الصغيرة والأرياف. وهي استراتيجية طويلة الامد تعيد للأذهان مجد الدولة العثمانية، وتعتمد على رؤى محددة الاهداف الداخلية والخارجية، كما اسلفنا القول في حلقات سابقة. لم يعتمد حزب العدالة على شبكة علاقات عامة تلمع الواقع القبيح وتصرف من خزينة الدولة ما يمكن توفيره لخلق فرص عمل جديدة ومواجهة التحديات المعيشية. ولم يضع في استراتيجياته شق المجتمع لتسهل السيطرة عليه، انما سعى لتحييد، على الأقل، أهم خصم/عدو في الداخل، وهو حزب العمال الكردستاني، ومارس دهاءا سياسيا لتحجيم دور الاكراد ووقف امداداتهم خصوصا من العراق الذي يعتبره حزب العمال المخزون الاستراتيجي له، فدخل معه في حوارات جدية، وليست شكلية، حيث كان هم حزب العدالة قيادة الامة التركية بكل تكويناتها.

والصحيح أيضا، أن حزب العدالة والتنمية لا يتكون من مجموعة من الملاكات الذين لايخطئون ولا يحاربون خصومهم السياسيين بطرق ملتوية. فهو حزب في نهاية المطاف ينهل من ثقافة الشرق المبتلية بكثير من الامراض الاجتماعية والسياسية. ان مئاتطلبة طلبة الجامعات والإعلاميين والسياسيين قد تم الزج بهم في سجون العدالة والتنمية، وهذه تشكل جزءا مهما من السلبيات والإخفاقات التي اتسمت بها سنوات حكم الحزب منذ العام 2002م، اضافة الى ان الاستمرار في السلطة لأكثر من اربعة عشر عاما، أوجد بعض الفاسدين الذين يحتاج العدالة والتنمية الى تطهير نفسه منهم، انطلاقا من مبدأ "الحزب يقوى بتطهير نفسه".

نخلص الى القول ان حزب العدالة والتنمية تمكن من البقاء في السلطة طوال عقد ونصف العقد بسبب تنفيذه لاستراتيجيات تتعلق بمصالح الناس، وكان يهدف الى تغيير مزاج الشعب التركي عندما يذهب كل دورة انتخابية الى صناديق الاقتراع بما يضمن للحزب الفوز بالأغلبية المطلقة وتشكيل الحكومات المتعاقبة دون الحاجة الى تحالفات وائتلافات مع الاحزاب الاخرى. لكن تراجع شعبية الحزب في السنوات الاخيرة تعود بشكل رئيسي للدور التركي في الازمات الاقليمية كما هو الحال مع ازمتي العراق وسوريا، وانعكاس ذلك على الوضع المحلي وخصوصا الوضع الاقتصادي والمعيشي، فقد انهارت نظرية "صفر مشاكل مع الجيران"، وتم استبدالها بدور تصاعد في السنوات الاخيرة في الجوانب الامنية والعسكرية على حساب التبادل التجاري الذي كان واعدا ومثار اعجاب الكثير من المراقبين وشعوب المنطقة.  

 

 
 
 
 
 
 

جميع الحقوق محفوظه © 2017
لجمعية العمل الوطني الديمقراطي (وعد)                       " الآراء المنشورة ليست بالضرورة تعبر عن موقف الجمعية "

Website Intro