English

 الكاتب:

رضي الموسوي

 
 
 

روابط سريعة

الأخبار      |     التقارير      |     المقالات

 

نهار آخر | السلطان
القسم : سياسي

| |
رضي الموسوي 2016-07-19 00:28:23




عن "الحمورية" في قصص عزيز نسين ومحاولة انقلاب عسكر تركيا (3)

"مساجدنا ثكناتنا، قبابنا خوذاتنا، مآذننا حرابنا، والمصلون جنودنا، هذا الجيش المقدس يحرس ديننا". 

عمدة بلدية اسطنبول رجب طيب اردوغان- في خطاب له في محافظة سيرت جنوب شرق تركيا في ديسمبر 1997- (من كتاب: قصة اردوغان).

يسجل للرئيس التركي عندما كان عمدة لبلدية اسطنبول بعد فوزه في الانتخابات البلدية عام 1994، انه نقل المدينة من حال مزر لم يتغير كثيرا منذ الخلافة العثمانية الى حالة حضارية متقدمة باعتراف خصومه السياسيين الاتراك، فضلا عن الأمم المتحدة. فقد حل مشكلة القمامة المزمنة في المدينة، وكذلك مشكلة البنية التحتية المتهالكة للصرف الصحي، والانقطاع الدائم للمياه والكهرباء. وكان قد جاء لرئاسة بلدية المدينة وهي تعاني من ديون تبلغ ملياري دولار، لكنه تمكن من تسديدها كلها ووفر فائضا نقديا بلغ اربعة مليارات دولار، بعد ان شن حربا شعواء ضد الفساد.

لكن الجيش، كان له بالمرصاد، عندما خطب في الجمهور فقادته تلك الكلمات الى السجن سنة واحدة وحرمانه من ممارسة جميع الانشطة السياسية.

أسدل الستار على محاولة الانقلاب العسكري في تركيا بعد ان نجح الرئيس التركي رجب طيب أردوغان ورئيس وزراءه وأجهزة حزب العدالة من تجييش الشارع وفي مقدمتهم ميليشيا الحزب الحاكم التي انتشر عناصرها مع كلمة السر التي تلقتها من الرئيس عبر الهاتف النقال، لتبدأ مرحلة جديدة من الانتقام وصفها رئيس الوزراء بن علي يلدريم بأنها مرحلة "تصفية الحسابات"، التي بوشر العمل بها بتطهير مؤسستي الجيش والأمن والقضاء، حيث تم الاعلان عن اعتقال اكثر من 7500 ضابط وجندي خلال اليومين اللذين اعقبا المحاولة الانقلابية، وتسريح نحو 9000 من القوى الامنية، ونحو 3000 قاض. حملة الاعتقالات هذه شملت قيادات عسكرية وأمنية رفيعة المستوى، في توجه بدأ انه تصفية الحساب مع المؤسسة العسكرية وجهاز القضاء تحديدا، باعتبارهما الاكثر تشددا في رفض الانتقال الى النظام الرئاسي الذي يجاهد اردوغان الوصول له. 

كأن الرئيس التركي يسابق الخطى لإنجاز متطلبات التحول للنظام الرئاسي، ولِمَ لا، فكل شيء جاهز، لذلك فقد تم إنجاز القصر الجديد الذي يتكون من 1150 غرفة تذكِّر بقصور الباب العالي وبصبصة الحرملك من النوافذ العليا المطلة على القاعة الرئيسية التي تتوسط القصر. كلفة القصر كانت مَثار جدل، خصوصا مساحته التي تزيد ثلاثين مرة عن مساحة البيت الأبيض الأمريكي، وهو أكبر من مساحة قصر فرساي في فرنسا. أما كلفة القصر ففيها الكثير من التفاوت في التقديرات، ففي الوقت الذي تم فيه الإعلان الرسمي بأن الكلفة تحوم حول 350 مليون دولار، زادت الى 615 مليون دولار، فيما شكّكت صحيفة "سوزجو" التركية بما افصحت عنهالحكومة، وقالت أن الكلفة هي 5 مليارات دولار، وتحدثت عن معلومات مسرّبة تفيد بأن عدد غرف القصر قد تزيد عن 2000 غرفة وأنه يحتوي على 63 مصعدًا، وقيمة الكأس الواحد تبلغ 445 دولاراً لأنه مطلي بماء الذهب. يضاف إلى ذلك،سرّبت نفس الصحيفة خبرًا يفيد بأن أردوغان جهّز له طائرة رئاسية بكلفة 185مليون دولار وهي من طراز (أيرباص أيه) 330-200. 

أثارت هذه المعلومات شبهات كثيرة بأن ثمة فساداً استشرى في بناء القصر الجديد كما أثيرت تساؤلات عن حقيقة الكلفة الإجمالية لبنائه. كما أسقطت هذه التسريباتورقة مهمّة في أيدي الأحزاب المعارضة المتأهّبة للانقضاض على الحزب الحاكم، خصوصًا بعد أحداث ميدان تقسيم قبل سنوات، فنفخت في موضوع فساد القصر لتعرّج على قضايا أخرى تواجه بها أردوغان وحزبه قبيل الانتخابات التي انتظمت في يونيو 2015، والتي لم يحصل فيها حزب العدالة والتنمية على ما أراد. فقد جاب الرئيس أردوغان البلاد في المنافسة الانتخابية تلك للحصول على 367 مقعدًا للقيام بتغيير الدستور ومنحه سلطات أوسع في الحكم، إلا أن حزبه لم يحقق سوى 259مقعدًا، أي 41 بالمئة من إجمالي المقاعد النيابية بعد أن كانت قيادته تتوقع الحصولعلى 55 بالمئة، ما حرمه تشكيل الحكومة بمفرده.

في تلك الانتخابات نجحت المعارضة، نسبيًا ورغم عدم توحّدها، في إقصاء حزب العدالة من الحصول على أغلبية المقاعد البرلمانية علما أنه لايزال أكبر الأحزاب في تركيا.   

ربما أراد الناخب التركي تذكير حزب العدالة بأنه لم يعد كما كان في العام 2002، حينما كانت الحياة السياسية التركية تعاني من فساد نخبها وأحزابها، فجاء حزب العدالة والتنمية محصنًا ببلدوزر نجاحاته على مستوى الانتخابات البلدية وخصوصا بلدية إسطنبول التي حصدت الجوائز على مستوى العالم بفضل قيادة الحزب لها، وببرنامجه الاجتماعي الذي زاد من نسبة الطبقة الوسطى وقضى على نسبة مهمة من البطالة بعد توفير فرص العمل الجديدة لتسهم في استقرار المجتمع. 

ورغم نجاح حزب العدالة والتنمية في تحقيق مكاسب اقتصادية واجتماعية، إلا أن هذه الإنجازات تشكل جزءًا من الصورة، بينما تشكل الديون الخارجية الجزء الآخر منها، حيث زاد إجمالي الدين الخارجي نهاية عام 2014 ليصل إلى 402.4مليار دولار من 396.8 مليار دولار في العام 2013، وألقى مسئولو حزب العدالة، حينها، باللائمة "على تقلّبات الأسواق العالمية والتطورات الجيوسياسية وسوء الأحوال الجوية التي كبحت معدل النمو في تركيا عام 2014". 

لقد استثمرت المعارضة التركية الثغرات التي عانى منها حزب العدالة والتنمية في انتخابات 2015، لتدخل إلى البرلمان بقوة أكبر من ذي قبل، خصوصا عندما اشتغلت على قضايا الفساد الكبيرة التي هزّت صورة الحزب الحاكم ولجَمت - ولو مؤقتا - طموحات التحول إلى النظام الرئاسي الذي يسعى الرئيس الحالي لفرضه، مستندًا على أنصاره في قيادة الحزب، لكن قيادات أخرى من طراز أرينتش، الذي أمضى كعضو بالبرلمان الحدّ الأقصى له والمتمثل في ثلاث دورات انتخابيّة، قال في مقابلة تلفزيونية "إن حزب العدالة والتنمية لم يحقق إلا التنمية دون العدالة، وذلك بعد أكثر من 10 سنوات من وجوده في السلطة (..) أنشأنا قصورا جميلة جدا، لكن علينا أن نعمل جاهدين لزيادة الثقة في العدالة والقضاء".

تم استثمار المحاولة الانقلابية للجم الخلاف الداخلي في حزب العدالة، الذي وصلالقيادة العليا من طراز الرئيس التركي السابق عبدالله غول الذي سبق له وأن حذر من التحول إلى النظام الرئاسي الكامل. وقال إن "تركيا تحتاج نظاما برلمانيا أفضل لا مؤسسة رئاسية أقوى"، وهو بذلك يخالف الرئيس رجب طيب أردوغان الذي يسعى إلى تغيير الدستور لمنح رئيس الدولة سلطات تنفيذية، ما شكل إرباكاً للتوجه الرسمي للحزب الحاكم. 

في الجانب الآخر الذي أثار جدلًا واسعًا على مستوى الشارع العربي ونخبه السياسية الحاكمة والمعارضة، فإن شعار "صفر مشاكل مع الجيران"، الذي هندسه رئيس الوزراء السابق أحمد داوود أوغلو منذ كان مستشارًا لرئاسة الوزراء في أول حكومة للعدالة والتنمية عام 2002...هذا الشعار انتهى مع تغير الدور التركي في سوريا والعراق في 2011، ودخول تركيا على خط الأزمات الإقليمية كفصيل من فصائل الإسلام السياسي، وقد زادت من التجاذبات في الداخل التركي، لكنه أمر قد حصل، وقد يستمر لمواجهة متطلبات ما بعد المحاولة الانقلابية الداخلية، بينما وجدت الأحزاب المعارضة فرصة لتوجيه أصابع الاتهام إلى الحزب الحاكم بالفساد، مستندة على حقيقة مصاريف القصر الرئاسي الجديد الذي تضاعفت كلفة بنائه أكثر من مرة وتم بناؤه على محمية طبيعية، وفق صحف تركية وأوروبية. هذه الأحزاب تجد الفرصة سانحة للكشف عن والحديث في ملفات فساد أخرى تتعلق بشركات تابعة لعائلة الرئيس تحصد المناقصات الحكومية وتستورد النفط من شمال العراق دون موافقة الحكومة المركزية في بغداد. وهذه بحد ذاتها قضايا تحرج الرئيس بلا شك، بَيد أن السلطات التركية مشغولة الآن في كيفية التعاطي مع آلافالمعتقلين من الضباط والجنود والقضاة وطريقة التعاطي مع وسائل الإعلام المعارضة إزاء المحاولة الانقلابية، واحتمالات العودة إلى حقب ما قبل الألفية الثالثة.. حقب نفي واعتقال شاعر من طراز ناظم حكمت وكاتب وأديب من طراز عزيز نسين، الذي كتب من منفاه في بورصا يصف الحالة التي وصل إليها بعد أيام من الجوع والبرد:

"يخيل إلي أنه مكتوب على وجهي بأنني جائع على نحو مخيف وأنني لا أملك قرشًا واحدًا لازلت أمشي للأمام وللوراء، وأنا أحاول تصنُّع الوقاحة. لكن ما أن أقتربَ من باب المحل، حتى يهوى قلبي في كعبي، وأتراجع بسرعة ثم أعود لأتمشّى متعجرفًا أمام الواجهة.

أنا لا ألتمس الشفقة، وأي إنسان معرّض لمثل هذه الظروف، عليَّ أن أبيعَ ثلاثة كتب جديدة تمامًا...حتى أن صفحاتها لازالت غير مقطّعة. ما العيب في ذلك؟

يا لي من ضعيف؟".

هل يسعى حزب العدالة إلى إعادة إحياء دولة الخلافة.. الدولة العثمانية التي دفنها أتاتورك في العام 1924 منهيًا واحدة من أهم مؤسسات الإسلام السياسي في ذلك الوقت، وأسس الدولة العلمانية على الطريقة الأتاتوركية التي منعت إقامة الأذان باللغة العربية وفرضت رفعه بالتركية؟ وكيف لأردوغان تحقيق ذلك وهو الذي يحلم بعضوية الاتحاد الأوروبي ويتم رفضه مرات عديدة؟!...وماهي آفاق العلاقات بدول الإقليم التي ازدادت المشاكل والأزمات معها منذ خمس سنوات وأكثر؟...يتبع

 
 
 
 
 
 

جميع الحقوق محفوظه © 2017
لجمعية العمل الوطني الديمقراطي (وعد)                       " الآراء المنشورة ليست بالضرورة تعبر عن موقف الجمعية "

Website Intro