English

 الكاتب:

رضي الموسوي

 
 
 

روابط سريعة

الأخبار      |     التقارير      |     المقالات

 
 

نهار آخر | لكي لايعود زمن المنافي والتصفيات
القسم : سياسي

| |
رضي الموسوي 2016-07-17 21:12:18




عن "الحمورية" في قصص عزيز نسين ومحاولة انقلاب عسكر تركيا (2) 

"كان اسبوعنا المدرسي يبدأ وينتهي بتحية العلم وأداء النشيد القومي، كما كنا نتلقى اسبوعيا محاضرات في "الامن القومي"، كنا نحفظ فيه عن ظهر قلب الرتب المختلفة في الجيش، ومن هم اعداء تركيا الكثيرون في الخارج والداخل. كان المحاضر جنرالا متقاعدا".

"كرم أوكتم، من كتاب (تركيا..الامة الغاضبة) اصدار سطور الجديدة 2011"

 

طغى مشهد الدبابات وهي تقطع جسر البوسفور الذي يربط بين شطري اسطنبول الاوروبية واسطنبول الآسيوية، على المجزرة التي نفذها تنظيم داعش في مدينة نيس الفرنسية بحق المدنيين من الاطفال والنساء والشيوخ والتي راح ضحيتها اكثر من ثمانين شخصا فضلا عن عشرات الجرحى، عندما انطلق سائق الشاحنة بسرعة كبيرة نحو المحتفلين بيوم الباستيل الفرنسي. فقد كانت اخبار محاولة الانقلاب الفاشلة تغطي كافة الشاشات التلفزيونية ووكالات الأنباء رغم شحة المعلومات، حتى ظهر الرئيس التركي رجب طيب اردوغان على "سكايب" من شاشة هاتف نقال في مقابلة مع احدى المحطات التركية، وطلب دعم الشعب التركي بالنزول للشوارع في مواجهة الانقلابيين. هذه الدعوة سرت كالنار في الهشيم وبدأ انصار حزب العدالة والتنمية بالتدفق على الشوارع والساحات وخصوصا مطار اسطنبول الذي حلت فيه الطائرة الرئاسية، ليبدأ اسدال الستار على المحاولة الفاشلة للانقلاب العسكري.

لست محللا عسكريا لأفسر لماذا فشلت محاولة الانقلاب العسكري، لكن المعطيات التي حكمت سير العملية السياسية التركية بكل زواياها يمكن ان تجيب على جزء مهم من التساؤلات، بما فيها نظرية المؤامرة ومحاولة تصوير ان ما حدث هو من تدبير قيادات حزب العدالة بعد ان زادت تركيا مشاكلها مع دول الجوار لدرجة أخذت تأكل في شعبية هذا الحزب الذي يسيطر على الحكومة منذ العام 2002 عبر صناديق اقتراع لم شكك في نزاهتها منافسو وخصوم حزب العدالة والتنمية.

لعل أهم اسباب فشل المحاولة الانقلابية هو رفض الشعب التركي ونخبه السياسية بما فيها الاحزاب الراديكالية اليسارية كالحزب الشيوعي والحزب الثوري والأحزاب الاشتراكية كحزب الشعب الجمهوري والاحزاب القومية كالحزب القومي، من العودةالى مرحلة الانقلابات العسكرية. فقد نجح حزب العدالة والتنمية بقيادة عبدالله غول أولا ثم رجب طيب اردوغان، من تهميش دور العسكر في الحياة السياسية التركية، وذلك عبر التعديلات الدستورية المتلاحقة التي تمكن منها نظرا لشعبية حزب العدالة والتنمية. فبغض النظر عن الموقف من سياسات الحزب في السنوات الخمس الماضية والمتسمة بالتدخل في الشئون الداخلية لسوريا والعراق ودول اخرى ودعم الجماعات الاسلامية المسلحة وتسهيل مرور عناصرها الى سوريا، إلا ان هذا الحزب تمكن منذ وصوله الى السلطة من الارتقاء بمستوى معيشة المواطن التركي ونقله من مرحلة البطالة المتفاقمة والاستراتيجيات الغائبة ونسب التضخم المتصاعدة، الى الاستقرار الاقتصادي والانتقال الى المرتبة السادسة عشر اقتصاديا على المستوى العالمي.

بعيدا عن الموقف السياسي الآني، فإن حزب العدالة والتنمية لم تكن لديه عصا سحرية لتغيير الواقع التركي، إلا انه استثمر مرحلة الانتعاش ابان رئاسة توركوت اوزال (1989) للدولة، والتي انفتح فيها على الخارج وزاد النمو من 3.3 بالمئة في 1983 الى 9.1 بالمئة عام 1990، بفضل الشروع في خصخصة الكثير من المشاريع الحكومية، وارتفعت الصادرات من 5.7 مليار دولار في عام 1983 إلى 11.6 مليار دولار عام 1989. وارتفع حجم الاستثمارات الأجنبية المباشرة من 113 مليون دولار في عام 1984، إلى 663 مليون دولار في عام 1989. ومع الازمة المالية التي مرت بها تركيا في السنوات 1994، 1999 و2001، وما تبع ذلك من انهيار سعر صرف الليرة التركية، وبعد وصول حزب العدالة للسلطة في 2002، بدأت الاوضاع الاقتصادية والمالية في الانتعاش وتراجعت نسبة التضخم من 150 بالمئة في 1994 الى 9.4 في 2004، وهذا يسجل للسياسة الاقتصادية التي اتبعها الحزب الحاكم، العدالة والتنمية. وبعد ان اسقطت ستة اصفار من العملة تم تداول الليرة الجديدة في 2004، وعاشت تركيا استقرارا اقتصاديا وماليا وتقلصت نسبة الفساد في الحكومة، وحققت البلاد مشاريع كبرى وفرت آلاف فرص العمل الجديدة، وزادت التجارة الخارجية خصوصا مع اعلان حزب العدالة والتنمية انه يعمل على تصفير المشاكل مع دول الجوار، ووضع خططا لذلك مع سوريا والعراق وإيران ودول الاتحاد الاوروبي الذي تسعى تركيا الانضمام له، فزاد حجم الصادرات من 132 مليار دولار في العام 2008 الى اكثر من 157.62 مليار دولار في العام 2014.

وبلغ اجمالي التجارة الخارجية في نفس العام 399.8 مليار دولار في 2014  مقارنة ب333.99 مليار دولار في 2008، وفق معهد الاحصاء التركي، ويمثل الاتحاد الاوروبي الشريك التجاري الاكبر لتركيا وتبلغ نسبته منها نحو 60 بالمئة. 

ومع تعقيد المشهد الاقليمي والدور الذي تقوم به تركيا، واجهت مصاعب اقتصادية ومالية انعكست على نسب البطالة التي بلغت 10.4 بالمئة وفق تقرير التوظيف لعام 2016 الذي اعلنته منظمة التعاون الاقتصادية والتنمية (OECD ) والذي اعتبر تركيا الخامسة عالميا في معدل البطالة. 

بعد 2011 وتفاقم الازمة في سوريا والعراق، توارى شعار "صفر مشاكل مع الجيران" الى الوراء وبدأت الاحداث تأخذ منحا اخر من حيث تأزم العلاقات مع الجيران وخصوصا سوريا التي تعاني من تدفق المسلحين الاجانب عليها من الحدود التركية والعراق التي تطالب انقره بسحب قواتها من شمال العراق. هذا الوضع لا شك انه اثر على سمعة حزب العدالة والتنمية المتحالف مع الاخوان المسلمين والذي يعتبر جزءا من التنظيم الدولي لجماعة الإخوان وانعكس ذلك على مواقفه بالنسبة للانقلاب الذي حصل في مصر على حكم الإخوان وإعادة تموضع البوصلة السياسية التركية بما يخدم جماعة الاخوان المسلمين على المستوى الاقليمي والدولي.

المفارقة ان العلاقات التجارية بين تركيا وإيران لم تتأثر بالمواقف المتناقضة للعاصمتين من نفس القضايا، بل انهما يتواجهان بالوكالة في ساحات مثل سوريا والعراق. فقد اكد الرئيس التركي رجب طيب اردوغان في شهر ابريل/نيسان 2016 على عزم طهران وأنقرة زيادة التبادل التجاري ليصل الى 30 مليار دولار سنويا بعد ان كان في 2013 نحو 13.5 مليار دولار.

لقد تحولت تركيا من حكم الانقلابات العسكرية التي بدأت منذ 1960م وتدخلات الجيش على اساس انه حامي العلمانية في البلاد، الى دولة مدنية تحتكم ديمقراطيا الى صناديق الاقتراع وتؤمن بتداول السلطة سلميا وليس عبر الدبابات أو القمع البوليسي الذي كان سائدا في اوقات سابقة على 2002م. كما عانت الاقليات من حالات ممنهجة من التمييز القومي والعرقي والطائفي وحتى المذهبي طوال تلك العقود، ومع الدور الذي تمارسه تركيا بعد 2011 في المنطقة العربية بدأت النخب السياسية التركية التوجس من امتداد السياسة الخارجية الى الداخل التركي الذي يعاني اصلا من اوضاع متشابكة خصوصا مع الاكراد، حيث لاتزال الحروب الداخلية في جنوب شرق الاناضول مشتعلة. ان النظام السياسي التركي يؤمن بالتعددية السياسية وبتداول السلطة، وسياسات الحزب الحاكم الخارجية لاتبرر تأييد محاولة الانقلاب التي حدثت مساء الجمعة وفجر السبت. فالمبادئ لا تتجزأ ومن يؤمن بالديمقراطية والتعددية في بلده عليه ان يقبلها في البلدان الأخرى، ذلك ان الاستبداد والاضطرابات التي تعاني منها المنطقة سببها غياب الديمقراطية الحقيقية ومصادرة الرأي الاخر ومحاصرته. 

ان الشعب التركي لا يريد العودة لتلك الحقبة الدموية من تاريخه والتي يتحدث عنها الاديب والكاتب التركي عزيز نسين بكثير من الالم مما اصابه وأصاب شعبه، فيقول في كتابه " ذكريات المنفى" بعد تم نفيه من اسطنبول: 

"انهيت فترة المنفى في بورصا عام 1947، وبعد مرور عشرين عاما، تم اعتقالي في الرابع من تموز (يوليو) عام 1967، بوشاية من احد المخبرين، عندما كنت عائدا الى البيت من رحلة في البلد. وخلال ثماني ساعات حققت الشرطة معي. وقد اعتبر احد الذين حققوا معي، ان ما ذكرته من حوادث مضحكة عن اجابات زميلي بهجت هوه (ضابط امن كان زميل عزيز نسين في العسكرية) في دروس الكيمياء، يعتبر اهانة لكل ضباط الجندرمة التركية".

 

لا يريد الاتراك العودة لزمن المنافي المعتم والتصفيات على الهوية والموقف السياسي، لذلك لم يترددوا عن حماية الجمهورية من العسكرة، ويبدو انهم على استعداد لمواجهة عبادة الفرد ان بدت بوادر لها بعد فشل المحاولة الانقلابية. تركيا اليوم لديها مشروع، بغض النظر عن الاتفاق أو الاختلاف معه ..فهل لدى أمة العرب مشروعها النهضوي الخاص بها، غير الذي يقودها الان الى الهاوية؟! ..يتبع

   

 

 

 

 
 
 
 
 
 

جميع الحقوق محفوظه © 2017
لجمعية العمل الوطني الديمقراطي (وعد)                       " الآراء المنشورة ليست بالضرورة تعبر عن موقف الجمعية "

Website Intro