English

 الكاتب:

رضي الموسوي

 
 
 

روابط سريعة

الأخبار      |     التقارير      |     المقالات

 
 

نهار آخر | عن «الحمورية» في قصص عزيز نسين ومحاولة انقلاب عسكر تركيا (1)
القسم : سياسي

| |
رضي الموسوي 2016-07-16 23:33:08




بصورة لا إرادية وبعد أن تأكد أن انقلاب عسكر تركيا قد فشل، استليت من إحدى رفوف الكتب قصص الأديب التركي الساخر عزيز نسين، ورحت أقلّب قصصه المختارة التي تحوي كماً هائلاً من السخرية على الأوضاع القائمة في تركيا وعلى الفساد الذي وصل إلى ذيل السمكة كما يقول العراقيون. ولد عزيز نسين عام 1915 وتوفى عام 1995، وترك إرثًا أدبيًا نادرًا ورفيعًا. 

في إحدى قصصه "الفرنجي برنجي" التي ترجمت منتصف تسعينات القرن الماضي، كان بطل القصة شاباً يافعاً يدعى مراد، ويطلق عليه أبناء قريته "مراد الخنزير"لشقاوته ومقالبه المستمرة، وفي قرية أخرى صبي آخر اسمه محمود وتبعد ساعة سير على الأقدام عن قرية مراد، ويطلقون عليه "محمود الذئب". يلخص عزيز نسين بعضاً من مشاهد الحالة التركية في المقالب الشقية التي يقوم بها الاثنان في قريتيهما وخصوصا مراد الذي لم يتردد من تصبيغ وجه إمام مسجد القرية عندما كان نائما قرب بئر الماء وتأخر عن موعد الصلاة. وحين دخل المسجد لم يتمالك الجميع أنفسهم من القهقهة، وحين أمسكوا بمراد وسألوه لِمَ فعلت هذا بالإمام؟ أجابهم:لأنكم لاتفهمون... فهو يصلي بكم بلا وضوء. مراد هذا أقدم على إحراق كوم من القش في فناء منزل أحد الجنود الغائبين في الجندية، ولايوجد إلا زوجته في المنزل. هرع أبناء القرية لإطفاء الحريق، وقبل أن يتمكنوا من النار تبيّن لهم أن رجلا داخل المنزل إضافة إلى زوجة الجندي، كان مختار القرية هناك. وكانا يصرخان ويطلبان النجدة، وحين طلب الأهالي منهما القفز من النافذة القريبة جدًا من الأرض طلبا ملابس لهما وادعيا أن النيران أتت عليها. لقد فعلها مراد بهما وأراد فضحهما، فقدسرق ملابسهما وأحرقها وأشعل النار في القش. بعد سنوات من طرده من القرية، تحول مراد إلى إمام قديس للقرية المجاورة، بينما صار محمود الذئب إمامًا لقرية مراد.يواصل عزيز نسين تهكمه على المجتمع ويروي للمتلقي مقلبًا آخر من مقالب مراد، عندما اختطف عجوزاً أرملةً في السبعين من عمرها وتسلّق معها الجبل، وبعد أيام اكتشف الأهالي مكانهما ووجدوا مراد يرقص ويغني بينما العجوز تصفق له، وعندما بدؤوا بضربه، انكبت العجوز على أرجلهم ترجوهم أن يتركوه..فقد اعتبرته ابنالحفيدها. ولما أفلت مراد منهم، قال لهم: سنوات طويلة لم يسأل أحدٌ منكم عن هذه العجوز ولم يسلِّم عليها ولم يحاول معرفة كيف تعيش.

وفي مجموعته القصصية "خصيصا للحمير"، يحلّق نسين في القصة الأولى، التي تحمل نفس عنوان الكتاب، في العلاقة المصلحية بين أشقّاء أربعة يريد ثلاثة منهم إثبات جنون شقيقهم الرابع الغني ليستحوذوا على ثروته. تتداخل المشاهد وتظهر صديقة خانم كزوجة لصاحب المال وتدفع ببراءة زوجها من الجنون حتى تحصل على صك البراءة، لكنها تنفجع بأن الزوج يتسم ببخل شديد ويوظف كل علاقاته من أجل مصالحه المادية بما فيها تسديد ديونه التي تم تصفيرها مستثمرا جشع الزوجة الراغبة في امتلاك قطعة ارض والأشقاء الذين يحلمون بوضع أيديهم على بنايته بعد أن تم الاعلان عن موته في حادث سير وتفحم جثته. في الحقيقة إنه لم يمت بل غابشهوراً إلى منطقة بعيدة وهو يراقب زوجته وأشقاءه يسددون ديونه، وعندما فاجأهم بعودته، مات أحدهم كَمَدًا، وكانت الزوجة قد تزوجت شقيقه لتضمن شيئًا من البناية التي كانت تعود إلى زوجها وأوصى بها إلى اشقائه. خلاصة القصة أن الزوج البخيل يموت ويرثه أحد اشقائه الذي دفع جزءًا من ديون المرحوم فكرّمه بتخصيص حائط من البناية للتبول العمومي!!

وفي قصته الأخرى "اللص الشريف لايسرق أخاه اللص"، ينقلنا عزيز نسين إلى عالم السجن وتحديدًا إلى قاووش نزلاؤه من اللصوص يأتيهم حكواتي فازوا به بعد منافسة مع القواويش الأخرى. هذا الحكواتي له أسلوب مذهل في رواية الحكايات ولديه قدرة كبيرة على الحفظ، فكان يتلاعب بنفسيات السجناء حتى ملكَهم وتمكن من سرقة نقود أحد اللصوص، غير أنه وقع في شر عمله. فاللصوص الشرفاء لا يسرقون إخوتهم اللصوص الآخرين..هذا مبدأ لا يحيدون عنه. ولأن الحكواتي هو الوحيد في القاووش الذي دخل السجن ليس بسبب السرقة، فقد وجهت له أصابع الاتهام، وعندما فتشوه لم يجدوا شيئا فانبرى أحد اللصوص الخبراء وطلب من الحكواتي خلع ملابسه حتى أصبح عاريًا، ثم طلب اللص المجرّب من الحكواتي الكشف عن دبره، وفي لمح البصر مدّ اللص إصبعه إلى دبر الحكواتي وانتزع من داخله لفافة النقود وقال له: "أتستغبينا!؟..ولك نسيت خبرة أربعين عاما". مازحه أحد اللصوص الشباب قائلا: "كم هو رائع أنك لم تكن رجل شرطة يا أخي".

أما في قصة "نظرية الحمار"، وهو الاسم القديم لنظرية فيثاغورث الرياضية، فقد تألّق نسين عندما جسَّد " الحمورية" في شخصية الأب المتلصّص على ابنته من خرم الباب وهي تخضع لدروس خصوصية في غرفتها مع مدرسها الجديد الذي جلبه الأب بعد أن أوسع الثلاثة ضربّا ظنًّا منه أنهم كانوا يتحرشون بابنته اللعوب. تكره البنت الرياضيات، لكنها تحب دروسَها الخصوصية، وقد انطلت حيلها على والدها الذي لم يكن بوسعه مشاهدة ما يجري في الغرفة بل كان يسمع ما أرادت ابنته توصيله ومعلميها المتعاقبين على تدريسها، فوقع في "حمورية" طريفة عندما كان يسرد لضيوفه معنى "نظرية الحمار".

**   

 

عزيز نسين من الجيل الذي شهد عدة انقلابات عسكرية في تركيا. وهو عاصر مراحل التضخم وانهيار سعر صرف الليرة امام العملات الأجنبية، كما عاصر مراحل الفساد المالي والإداري بما فيها فساد النخب السياسية، حتى صعود نجم الدين اربكان كمؤسس للإسلام السياسي في تركيا عندما اسس حزب النظام الوطني وتم ضربه ومن ثم حزب السلامة الوطني في 1972 وتم حله، فحزب الرفاه في 1983 وحظر في 1998، ثم حزب   الفضيلة الذي تم حظره عام 2000، ثم حزب السعادة. تمكن نجم الدين اربكان ابان حزب الرفاه من الحصول على نسبة اهلته تشكيل حكومة ائتلافية مع تانسو تشيلر زعيمة حزب الطريق القويم، التي تبوأت منصب نائب رئيس الوزراء ووزيرة الخارجية بينما تبوء اربكان رئاسة الحكومة في 1996 وانتهت في 1997م بدخوله السجن، بعد ان كمن له العسكر وأنهى حالة حزب الرفاه، ليتأسس بعد ذلك حزب العدالة والتنمية ويفوز بالأغلبية في الانتخابات النيابية منذ 2002م وحتى الانتخابات الاخيرة.

جرب عزيز نسين سجون العسكر التي تم زجه فيها مرات عديدة بسبب كتاباتهومواقفه، وأصدر العديد من الصحف التي كان النظام لها بالمرصاد فاغلق اغلبها او تركها تموت بعد اعتقاله. تمكن نسين وبالتعاون مع الأديب التركي صباح الدين علي من إصدار جريدته الشهيرة (ماركو باشا) التي وصلت مبيعاتها إلى 60 ألف نسخة يومياً، واعتقل في العام نفسه بسبب مقالاته، وفي عام 1947 حوكم أمام محكمة عسكرية عرفية وحكم عليه بالسجن عشرة أشهر وبالنفي إلى (بورصة) بسبب انتقاده الرئيس الأمريكي هنري ترومان. وبسبب مواقفه أغلقت صحيفة (ماركو باشا) وتم اعتقاله، فعاود إصدارها باسم (معلوم باشا) ثم صدرت تحت اسم "مرحوم باشا"، و"علي بابا"، ثم "باشاتنا"، ثم "ماركو باشا الحر" وأخيراً جريدة "مَدَدْ". وفي عام 1950 حكم عليه بالسجن ستة عشر شهراً بسبب ترجمته لأجزاء من كتاب كارل ماركس، وفي العام 1955 اعتقل من دون أن يعرف سبب اعتقاله وأمضى بضعة أشهر في السجن. حصد عزيز نسين العديد من الجوائز مثل السعفة الذهبية في 1956، القنفذ الذهبي من بلغاريا، الجائزة الاولى في تركيا حصدها عام 1968، وبعدها بعام فاز بجائزة التمساح الاولى من الاتحاد السوفيتي وجائزة اللوتس الاولى من اتحاد كتاب اسيا وافريقيا.

هذا بعض من تاريخ اديب وصحافي مبدئي قدم جهوده في حقبة تاريخية معينة، وقد رحل قبل ان يصل حزب العدالة والتنمية الى السلطة، التي تمكن منها بفضل صناديق الاقتراع وخيار الناخبين كثمرة لنضال الشعب التركي من اجل الحرية الديمقراطية والتعددية السياسية والتداول السلمي للسلطة. 

لقد تابع الكثيرون مساء الجمعة حتى فجر السبت 16 يوليو الجاري الساعات العصيبة التي مرت بها تركيا بعد إعلان الانقلاب على حكومة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان. كانت وجهات النظر من محاولة الانقلاب متفاوتة حدّ التعارض. انعكس ذلك في وسائل التواصل الاجتماعي التي ظل الكثير من اعضائها يتابعون وينقلون ما يجري على القنوات الفضائية والأخبار الشحيحة التي كانت تتسرّب عن محاولة الانقلاب، حتى الدول الغربية التي تمتلك تقنيات التجسّس ومراكز الرصد والبحوث ظلّت مواقفها ضبابية إزاء المحاولة الانقلابية على نظام سياسي حصل حزب العدالة والتنمية على أغلبية الناخبين عبر صناديق الاقتراع. كانت العاطفة والتمنيات هي السائدة إلا ما ندر.. فلماذا تمت محاولة الانقلاب؟ وكيف اقنع اردوغان مناصريه بالخروج الى الشارع بعد منتصف الليل عبر مقابلات سكايب بالهاتف النقال؟ ولماذا فشلت؟..يتبع. 

 
 
 
 
 
 

جميع الحقوق محفوظه © 2017
لجمعية العمل الوطني الديمقراطي (وعد)                       " الآراء المنشورة ليست بالضرورة تعبر عن موقف الجمعية "

Website Intro