English

 الكاتب:

رضي الموسوي

 
 
 

روابط سريعة

الأخبار      |     التقارير      |     المقالات

 
 

النشالة الحرامية في تفجير الكرادة العراقية
القسم : سياسي

| |
رضي الموسوي 2016-07-04 16:11:10




قد يكون مفجوعا في قريب أو هاله مشهد الدم المسفوك أو قد يكون مندسا حتى، ذاك الذي صور فيديو قذف الاحذية والحجارة على موكب رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي بينما كان يهم بتفقد المجزرة التي ارتكبها تنظيم داعش بتفجير في حي الكرادة ببغداد المكتظ بالفقراء ضحايا النخب السياسية،وآخر في شمال العاصمة، وراح ضحيتهما اكثر من 120شخصا، فضلا عن عشرات الجرحى. كان المصور يسب ويشتمالعبادي ويلعن من اتى به على رأس الحكومة، ويطالب الذين يقذفون الحجارة بعدم مهاجمة عناصر الشرطة الذين لا حول لهم ولا قوة، وقد يكون بعضا منهم ضحايا المجزرة. كان يردد طوال الفيديو: "نشالة.. حرامية"، أي لصوص وسراق، وهو يعني المسئولين العراقيين القابعين في المنطقة الخضراء ببغداد.

يحق لهذا الرجل أن يطلق النعوت السلبية لحكومة تعتبر من اكثر الحكومات في العالم فسادا، تركت الفقراء تشوى أجسادهم بتفجيرات داعش وأحزمتها الناسفة، بينما يتم تهريب المليارات من الدولارات خارج الحدود، حتى تحول المال العام في العراق الى مال سائب يلقن السرقة من يتبوأ منصبا تنفيذيا رفيعا. يؤكد هذا القول الرئيس الاسبق لهيئة النزاهة العراقية رحيم العكيلي، الذي أكد في أكثر من مقابلة صحافية وإعلامية أن 1000 مليار دولار دخلت العراق منذ الاطاحة بنظام صدام حسين في 2003 وحتى الثلث الأول من العام الجاري 2016، لم يستفد منها المواطن العراقي. وأضاف العكيلي ان هناك رشاوى وعقود كبرى، "يوجد حوالي 6000 عقد وهمي في العراق بقيمة 227 مليار دولار"، وفق قوله. وزاد ان ""اكبر ملفات الفساد في العراق لاتزال خافية عن الحقيقة لأن الدولة العراقية تعمل بسرية تامة، وإذا انقلب النظام السياسي واستطاع النظام القادم كشف ملفات الفساد سنجد ان الملفات التي كشفت لحد الآن هي صغيرة جداً". هذه المعطيات، أكدها نائب رئيس الوزراء العراقي المُستقيل بهاء الأعرجي بالقول "إن عام 2016 سيكون عاماً صعباً على العراقيين من الناحية الاقتصادية"، مشيرا الى ان "الفساد الحقيقي في العراق هو فساد سياسي تمارسه الأحزاب والكتل السياسية من خلال لجانها الاقتصادية (..) إن الأحزاب السياسية عندما جاءت إلى العراق بعد التغيير في عام 2003 لم يكن كثير منها قادرا على دفع بدل إيجار لمكتب لها،واليوم نرى ذات الأحزاب والكُتل تمتلك شركات تجارية وفضائيات ومؤسسات إعلامية تُكلف مئات الآلاف من الدولارات شهرياً، فضلاً عن الملايين التي تُصرف حين الانتخابات.

لكننا والحديث عن تفجير "الكرادة" وشمال بغداد، فإن ما كشفته الكثير من التقارير الاعلامية يفيد بأن الفساد بلغ مستويات وصلت الى الغش في اجهزة كشف المتفجرات. وبدلا عنها جلب الفاسدون اجهزة لكشف كرات "الغولف" على انها اجهزة كشف المتفجرات، وهو الامر الذي يفسر جزءا من تمكن الارهابيين من اختراق الحمايات والحواجز الامنية الشكلية في العديد من مناطق الفقراء الذين تخلت الدولة عن حمايتهم بسبب تفشي الفساد والعبث بثروات العراق.

تفجير الأمس على ايدي داعش، لم يمضي دون ردود فعل المتمترسين خلف الاصطفافات الطائفية والمرضى النفسيين. بعض هؤلاء ترك الجثث المرمية في الشوارع، وراح يعلق في وسائل الاعلام المتاحة، عن تعرض رئيس الوزراء العراقيللضرب بالنعل والحجارة، والبعض الاخر وصف الضحايا وصفا لا يليق ببشر فقال عنهم "فطسوا"، في تعبير غرائزي حيواني ينتشر هذه الايام في أغلب البلدان العربية، ويعبر عن حالة البؤس والانحطاط التي بلغتها الامة.

ما فعله داعش هو ردة فعل على هزائمه في الفلوجة، فقداستباح العرض والبشر والحجر منذ تأسيسه، ولن يتوب عن هذا النهج الذي يستمد جذوره من قعر التاريخ المتوحش، لكن بعض معارضيه مارسوا نفس النهج والسلوك في أحيان كثيرة.وتشير بعض التقارير إلى أن تجاوزات ليست قليلة قد مورست بحق اهالي الفلوجة المدنيين الذين انكووا بنيران داعش ومن ثم أكمل عليهم بعض العناصر المنتمية للحشد الشعبي اثناء هروب الاهالي من جحيم الحرب والاقتتال في المدينة. إن المبادئ لا تتجزأ ومقاييس حقوق الانسان ينبغي ألا تخضع لازدواجية المعايير. البشر هم البشر بغض النظر عن انتماءاتهم وأيدلوجياتهم وعقائدهم الدينية والمذهبية والاثنية والعرقية. ومن يدعي بناء بلد على انقاض نظام سقط، عليه ان يقدم النموذج بلا حجج ولا تبريرات، وإلا اضحى مثل المهووسين المرعوبين الباحثين عن كرسي يقتلعون من عليه، الذي يفترض أنه شريكهم في الوطن بسبب انتماءه المذهبي، ليجلسوا مكانه.

يحق لأولئك الذين توقفوا برهة عن انتشال أهاليهم من محرقة داعش في الكرادة وشمال بغداد ليرموا موكبا رسميا بالحجارة والنعل، ثم يعودوا الى موقع الانفجار يتفقدون الشهداء الفقراء الذين غص بهم المكان لحظة الانفجار، كما يتفقدون ما تبقى من ممتلكات أحرقها داعش المدعوم بقوى التخلف والظلام وقوى الفساد التي تستنزف خيرات العراق وثرواته وتترك الفقير يموت أما حرقا او حزا او غرقا رغم أن بلاده هي الاغنى بين الدول العربية بما تمتلك من ثروات بشرية وطبيعية لا توجد في أي دولة عربية أخرى. 

عندما يتوقف النشل والحرمنة ويحدث الاصلاح الحقيقي في العراق، لن يجد العراقيون تنظيما ارهابيا يفجر فيهم. وكذا الحال في البلدان العربية التي تعاني أغلبها من زعماء ونخب سياسية لا تقل سوءات بعضهم عن الزعماء العراقيين، يوظفون لهم اعلاميين يلمعون الصور الباهتة ويقبضوا المقسوم ولا يترددون في شق المجتمع بترويجهم الفرقة وضرب اسفين بين مكونات المجتمع من اجل مصالحهم ومصالح من وظفهم. فالفساد في البلدان العربية يحفر عميقا ليخرب وهو يستنزفاكثر من 300 مليار دولار سنويا، وهو يشكل نحو 30 بالمئة من حجم الفساد على المستوى العالمي. ولو وجد هامش ضيقلحرية التعبير كما هو الحال في العراق، على الأقل، فإن نعلا وأحذية كثيرة سوف ترمى في وجوه رجالات الفساد في الوطن العربي المنكوب.

 
 
 
 
 
 

جميع الحقوق محفوظه © 2017
لجمعية العمل الوطني الديمقراطي (وعد)                       " الآراء المنشورة ليست بالضرورة تعبر عن موقف الجمعية "

Website Intro